دعوة إبراهيم إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق
أقام إبراهيم
عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات
التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ
وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (العنكبوت: 17)، فقد
ركزت حجته عليه السلام على بيان عجز الأوثان عن جلب النفع أو دفع الضر، فضلًا عن
عجزها عن امتلاك الرزق للناس، مع التأكيد على أن الله تعالى وحده هو الرازق
المتفضل على عباده.
1- (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا):
(إِنَّمَا) أداة
قصر، أي: أن كل ما تعبدون من دون الله هو وثن، والوثن لا ينفع ولا يضرّ (النابلسي،
9/ 201)، وهو ما وضع للتقديس من حجر، أياً كان نوعه، حجر جيري، أو جرانيت أو مرمر
أو كان من معدن، ذهب أو فضة أو نحاس.. إلخ، أو من خشب، وقد كان البعض منهم يصنعه
من "العجوة"، فإن جاع أكله وقد حَكَى هذا على سبيل التعجّب سيدنا عمر
رضي الله عنه، وبأيِّ عقل أو منطق أنْ تذهب إلى الجبل وتستحسن منه حجراً فتنحته
على صورة معينة، ثم تتخذه إلهاً تعبده من دون الله، وهو صَنْعة يدك، وإنْ أطاحتْ
به الريح أقمتَه، وإنْ كسرته رُحْت تُصلح ما تكسَّر منه وتُرمِّمه، فأيُّ عقل يمكن
أن يقبل هذا العمل؟ (الشعراوي، 18/ 11108).
2- (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا):
إنَّ كل ما
تعبدونه من دون الله هي أوثان لا تنفع ولا تضرّ، وأما التعليلات والتفسيرات
والتمهيدات والتحليلات، فهذه كلها كذب في كذب وإفك في إفك، والإفك هو تعمد الكذب
الذي يقلب الحقائق (الشعراوي، 18/ 11108).
ويقول إبراهيم عليه
السّلام: أنتم تتحدثون عن هذه الأصنام وكأنها شيء له فعل وعمل، يمنح ويمنع، يغضب
ويرضى، وتحيطون هذه الأوثان بهالة من القدسية، وتوهمون الناس أنّها مقدسة وتفترون
على الله تعالى الكذب، فهذا كلّه كلام لا أصل له، إنّه اختلاف وافتراء ليس له
معنى، والواقع لا يؤكده إذ هذا الذي تعبدونه صنماً لا ينفع ولا يضرّ، وهذا الكلام
الذي تتعللون به كلام كاذب، والدليل أن هذه الأصنام (لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا) (النابلسي، 9/ 201).
3- (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا):
وفي موضع آخر
بيّن لهم إبراهيم عليه السّلام أنهم يعبدون آلهة لا تضرُّ ولا تنفع، وهنا يذكر
مسألة مهمة في استبقاء الحياة للإنسان بالقوت الذي نسميه الرزق، فهذه الآلهة التي
تعبدونها من دون الله لا تملك لكم رزقاً، ولو امتنع عنكم المطر وأجدبت الأرض
لمُتّم من الجوع. إذن: كان عليكم أن تتأملوا: من أين تأتي مقومات حياتكم، ومن صاحب
الفضل فيها، فتتوجهون إليه بالعبادة والطاعة (الشعراوي، 18/ 11109).
4- (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ):
والرزق مشغلة
النفوس، وبخاصة تلك التي لم يستغرقها الإيمان، ولكن ابتغاء الرزق من الله وحده
حقيقة، لا مجرد استثارة للميول الكامنة في النفوس (سيد قطب، 5/ 2728).
فإبراهيم عليه
السّلام بيّن لقومه بأن يلتمسوا من الله الرزق لا من عند أوثانهم، بذلك يصلون إلى
الحقيقة، وقد دلهّم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، فالرزق بيد الله تعالى، فهو
مالكه ومقدّره وميسّر أسبابه، والخلق لا يملكون من ذلك شيئاً إلا بأمر الله تعالى،
والله تعالى هو الذي بيده وحده توسعة الرزق وقسمته وفق مشيئته، وليس ذلك لأحد من
الخلق، فطلب الرزق وابتغاؤه لا يكون إلا من عند الله تعالى؛ لأنَّه وحده القادر
عليه وهو بيده سبحانه، فهو المستوجب للعبادة والشكر وإليه المرجع والمصير.
وكل مخلوق قد
قُدر رزقه وعُلم عند الله تعالى، وهو سبحانه يهيئ لخلقه أسباب حصولهم على رزقهم
ووصوله إليهم، وفق تلك الأسباب التي جعل أمر تلمسها والبحث عنها والأخذ بها من
العبادة له جلّ جلاله، وقد تلغى هذه الأسباب كلّها أو بعضها بمشيئته سبحانه في حق
بعض خلقه لحكمة يريدها، ولكن ذلك ليس هو القاعدة، بل هو استثناء منها، فالقاعدة هي
الأخذ بالأسباب.
لا أحد يستطيع
أن يأتي بالرزق للناس إن أمسكه الله تعالى، وهذه حقيقة يجب أن يعيها كلّ مسلم؛ لأن
مصادمتها أو الإعراض عنها حمق ونفور عن الحق المبين، قال تعالى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي
يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) (الملك:
21).
إنّ قضية الرزق
خطيرة ودقيقة في حياة الإنسان، وأحداث الماضي والحاضر توضح أن لقمة العيش قد
يستعبد الإنسان بسببها لغيره من بني الإنسان، ولذلك جاء القرآن في هذه القضية
بالبيان الشافي تحريراً للإنسان من العبودية لسواه من بني الإنسان، فهو ليس عبداً
إلا لله تعالى خالقه ورازقه، فبيّن القرآن أن الله تعالى هو الحقيق بأن يعبد دون
سواه لأنه خالق الخلق ومالك الرزق، فلا يُبتغى الرزق إلا عنده ولا يُعبد بحق ولا
يشكر بحق إلا هو جل جلاله فمنه البداية وإليه النهاية (البيرة، ص 73).
وقد قَرن القرآن الكريم بين الرزق وبين العبادة، قال سبحانه: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وهذا دليل على خطر الرزق وأثره في حياة الإنسان، وبيان أن من ملك رزق الخلق من الجن والإنس فهو الجدير بأن يعبد، وقد نصّ القرآن الكريم على من يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً، قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) (النحل: 73) (البيرة، ص 73).
الهوامش
- 1 النابلسي، محمد راتب. تفسير النابلسي "تدبر آيات الله في النفس والكون والحياة"، مؤسسة الفرسان، عمان، الأردن، ط1، 1438هـ/ 2017م.
- 2 الشعراوي، محمد متولي. تفسير الشعراوي، دار أخبار اليوم، القاهرة، 2013م.
- 3 سيد قطب. في ظلال القرآن، دار الشروق للطباعة، القاهرة، ط 32، 2003م.
- 4 البيرة، سليمان الصادق. الرزق في القرآن الكريم، مكتبة الملك فهد الوطنية، المملكة العربية السعودية، ط1، 1426هـ/ 2005م.
- 5 الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله، دار ابن كثير.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً