حين تتقدم المصالح.. تتأخر الرسالة

حين تتقدم المصالح.. تتأخر الرسالة

إن تأمل مسيرة العمل الإصلاحي والحركات الإسلامية المعاصرة يجلّي بوضوح أن المحنة الكبرى لا تأتي من ضراوة الخصوم، بقدر ما تأتي من خذلان الداخل وتسرب أمراض النفوس إلى جدران الصف، وما أكثر ما انشغل الناس بعدّ جيوش الأعداء! وما أقل من انشغل بعدّ الثغرات التي تنخر في الصفوف من الداخل! حيث يبدأ الهدم الحقيقي حين تتخلى القلوب عن معاني التجرد، وتتحول الرايات من نصرة الغاية إلى خدمة الذات، وما من أمة سقطت فجأة، ولا دعوة انهارت بغتة، وإنما سبَق ذلك جميعًا تصدع خفي وتآكل داخلي، حتى إذا فرغت الأرواح من معانيها، لم يبق للأجساد إلا أن تلحق بها في موكب الفناء.

إن الناظر في مرآة الوحي يرى أن القرآن لا يكثر من الحديث عن الأعداء بقدر ما يكثر من الحديث عن الذين يفتحون لهم الأبواب من الداخل، فهو يكشف المنافق قبل أن يصف الكافر، ويحذر من التنازع قبل المواجهة، ويجعل فساد الداخل مقدمة طبيعية لتسلط الخارج، وكأن الرسالة الكبرى أن الأمم لا تُؤتى غالبًا من قوة خصومها، وإنما من ضعف وفائها لرسالتها.

ولذلك، لم يكن إبليس أول من حمل السلاح، بل كان أول من حمل الهوى، ولم تكن أول جريمة في الأرض عدوان أمة على أمة، وإنما حسد أخ لأخيه، وفي سُنة كونية متكررة؛ أنه حين تتقدم المصلحة على الرسالة، يبدأ العد التنازلي للسقوط.

وفي تفاصيل المشهد الحركي، يبرز صنف من أصحاب المطامع الذين لا يأتون إلى حركات الإصلاح معلنين رغبتهم في هدمها، بل يدخلونها متحدثين بلغتها، رافعين شعاراتها، مظهرين الحرص عليها، وهم في باطنهم لا يرون فيها رسالة إلهية يُضَحى من أجلها، وإنما مغنم دنيوي.

فإذا وافقت الدعوة مصالحهم كانوا أول المصفقين، وإذا تعارضت مع أطماعهم صاروا أول المثبطين، فهم لا يغيرون المبادئ في العلن، وإنما يغيرون مركزها في القلب؛ يجعلون النفس أولاً والرسالة ثانياً، فإذا تعارضتا ضحوا بالرسالة ولم يضحوا بأنفسهم.

إن أصحاب المصالح الخاصة يعانون من عماشة بصرية قلبية؛ فهم لا يرون حركتهم كياناً يُبتغى به وجه الله، بل يرونها مغنماً شخصياً، أو منصة لتعظيم الذات، وعندما يتعارض خط المصلحة العامة مع المكسب الشخصي، يتخلخل الإيمان العملي في قلوبهم، فتتحول الولاءات إلى عداوات، وينقلب المدح إلى ذم، فالإخلاص بئر عميقة، لا يبلغ قعرها إلا من قطع حبال الأطماع الدنيوية.

وإن أخطر ما يصيب الدعوات أن تتحول الوسائل إلى مقدسات، وأن تصبح اللوائح غاية بعد أن كانت وسيلة، وأن يُدافع عن الكيان أكثر مما يُدافع عن رسالته، فكم من رسالة ضاعت باسم المحافظة على المؤسسة! وكم من مصلحٍ أُقصي باسم النظام! وكم من صوتٍ صادقٍ أُسكت باسم الوحدة! بينما كان الصدع يتسع في صمت.

ومن أعجب ما يلفت النظر في البيان القرآني أنه حين يتحدث عن المنافقين لا يقف عند ضعف أجسادهم، بل يغوص في أمراض قلوبهم؛ لأن القلب إذا فسد بالهوى، استطاع أن يلبس كل ثوب، وأن ينطق بكل شعار إصلاحي، بينما يحمل في طياته معول الهدم.

لقد حذّر القرآن الكريم أشد التحذير من تلك الطائفة التي تتغذى على دماء الإصلاح، ففي سورتي «التوبة» و«المنافقين»، يجلّي القرآن الكريم الصورة الحية لـ«أصحاب المصالح» في عهد النبوة؛ أولئك الذين إن أُعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يَسْخَطُونَ.

وفي قصة معركة «أُحُد»، نجد درساً بليغاً في خطورة الحظوظ الدنيوية؛ فعندما غلب طمع الغنائم على قلوب بعض الرماة، انكسرت الدائرة، وتحول النصر إلى محنة كبرى، ليهتف القرآن بهم بدرس تربوي خالد: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (آل عمران: 152).

إنها ذات المعركة.. صراع بين إرادة التجرد وإرادة الحظ العاجل

فما أكثر من عرف الحق ولكنه لم يحتمل كلفته! وما أكثر من أحب الدعوة ما دامت لا تمس مكانته، فإذا مست استحقاقاتها مصالحه، بدأ يبحث عن ألف مبرر للانسحاب والتراجع! والتاريخ يكشف طبائع النفوس؛ فما سقطت حضارة لأن العدو كان أشد قوة منها، بل لأن قوة الداخل ضعفت قبل أن تقوى يد الخارج.

ومن هنا تبرز الحكمة البالغة في إلحاح القرآن على إصلاح القلوب قبل إصلاح الخطط، وتزكية النفوس قبل إعداد الصفوف؛ لأن النصر في ميزان الوحي ليس ثمرة كثرة العدد، وإنما ثمرة صدق العهد، فإذا استقام القلب استقامت الجوارح، وإذا صلحت المقاصد بارك الله في الوسائل، وإذا تنازع الناس على الدنيا نُزعت من قلوبهم هيبة الحق.

وأخطر ما تصاب به الحركات الإصلاحية أن تتحول من ميادين للتضحية والبذل إلى ساحات للتنافس على المواقع والمغالبة، ليصبح السؤال: من يتصدر؟ بدلًا من: كيف تنتصر الفكرة؟ ومن يحكم؟ بدلًا من: كيف يُقام الحق؟ وعندها تنتقل معركة الأمة من مواجهة الباطل إلى صراع داخلي بين أهل الحق، فيربح الباطل دون أن يخوض المعركة.

ولقد علمتنا سنن التاريخ أن الله لا يحابي أحدًا لانتسابه الشكلي؛ فالانتساب إلى دعوة مباركة لا يمنح صاحبه حصانة من الاستبدال، فكما استبدل الله أقوامًا بغيرهم حين بدلوا الأمانة، فإنه قادر في كل زمان ومكان أن يرفع أقوامًا ويضع آخرين، فالرسالات لا تقف على أسماء الرجال، وإنما الرجال هم الذين يشرفون بخدمة الرسالات، فإذا خانوا الأمانة ذهبوا وبقيت الرسالة خالدة.

ولعل أعظم ما تحتاج إليه أمتنا اليوم لا كثرة المشاريع، وإنما كثرة الرجال الربانيين الذين إذا ذُكر الحق نسوا أنفسهم، وإذا حضرت الرسالة غابت أسماؤهم، وإذا لاحت المناصب رأوها أمانات لا مغانم، وإذا اختلفوا قدموا وحدة المقصد على انتصار الرأي، فهؤلاء هم الذين يحفظ الله بهم الدعوات، ويرأب بهم الصدوع.

وأخيراً، فإن دعوات الإصلاح تشبه الشجرة الطيبة، لا تستقيم سوقها ولا تضرب في الأرض عروقها إلا إذا نقيت أصولها من أمراض الأنانية والطمع، وحين يتجرع السائرون في طريق الحق دواء الإخلاص، وتتطهر السرائر من رجس المصالح الخاصة، تلتئم القلوب، وتتوحد الرايات، وينزل نصر الله الذي لا يُخلف الميعاد، فمتى ما طهر الباطن؛ انقشعت غشاوة الفتن، وعادت للأمة هيبتها ووحدتها المرجوة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة