الروح (1 - 2)

الإنسان بين الروح والجسد

الإنسان بين الروح والجسد

الإنسان مركب من روح وجسد: فبالجسد يتحرك ويحس؛ وبالروح يدرك، ويعي، ويفكر، ويعلم، ويختار، ويحب، ويكره؛ وأصل الجسد التراب - وهذه قضية مسلم بها - فإن الإنسان لا يكاد يموت حتى ينحل إلى عناصره الأولى التي لا تختلف عن باقي عناصر الأرض.

فلو أخد الإنسان جزءًا من تراب الأرض الخصبة، وحللها تحليلاً كيماويًا، لوجدها تتركب من عدة عناصر؛ ولو أخذ قطعة من جسم الإنسان، وأجرى عليها عمليات التحليل، لوجدها تتركب من هذه العناصر نفسها.

وقد أحصى العلماء العناصر التي يتألف منها جسم الإنسان، وقالوا: إنه به من الكربون ما يكفى لعمل 9 آلاف قلم رصاص، وبه من الفسفور ما يكفى لعمل 2000 رأس عود كبريت، وفى الإنسان حديد، وجير، وبوتاسيوم، وملح، ومغنسيوم، وسكر، وكبريت؛ وهي كلها من المعادن التي تتألف منها تربة الأرض.

أما الروح فإن أمرها كان وما زال مثارا لجدل ونقاش بين العلماء والفلاسفة، ولم ينتهوا في شأنها إلى رأى حاسم بعد.

أما القرآن، فقد أجاب عن التساؤل الذي ثار حولها إجابة تعد معجزة من معجزاته الكثيرة: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء: 85).

فالروح من أمر الله الذي لا يعلمه غيره، ولم يطلع عليه أحدًا سواه، ولم يُعط الإنسان الوسائل التي توصله إلى هذا اللون من العلم والإحاطة به، فعلم الإنسان قليل ومحدود، وهو لم يدرك حقيقة المادة، ولا الكون المحسوس المحيط به، فكيف يتطلع إلى إدراك سر من أسرار الله، وغيب من غيوبه؟!

إن كل ما يمكن أن نعرفه عن الروح، هو أنها تحل في الجسم، فتدب فيه الحياة، ويظهر فيه الإدراك، والوعي، والتفكير، والعلم، والإرادة، والاختيار، والحب، والبغض، وأنها تفارق الجسم، فيتحول إلى مادة هامدة جامدة كسائر المواد.

ومن ثم فقد كانت الروح هي المميزة للإنسان عن غيره في هذا العالم، وبها صار عالمًا وحده، وبالروح أسجد الله للإنسان ملائكته، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، وجعله سيد هذا الكون، وخليفته في الأرض.

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ {28} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر).

وقد عرّفها العلماء من المسلمين، بأنها ذات مجردة عن المادة، وأنها جسم نوراني علوى حي، يغاير هذا الجسم المادي، ويسرى فيه سريان الماء في العود الأخضر، لا يقبل التحلل ولا الانقسام، يفيض على الجسم الحياة وتوابعها، مادام الجسم صالحًا لقبول الفيض.

حدوث الروح

والروح حادثة، وليست بقديمة بإجماع المسلمين، ويظهر أنها تحدث بعد تسوية الجسم، وتتصل به، وتحل فيه وهو جنين.

فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يُجْمَعُ خَلْقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مُضْغَة مثل ذلك، ثم يرسل الله تعالى الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقى أو سعيد، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (رواه مسلم).

الروح والنفس

والروح والنفس معناهما واحد، يقول الله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) (الزمر: 42) ويقول وتعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) (الأنعام: 93).

فالأنفس في الآيتين، المقصود بها الأرواح.

وقد ذكر القرآن النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة، وليست هذه بأقسام للنفس، وإنما هي صفات: فالنفس في حالة تسلط الغرائز، وسيطرة الاستعدادات الفطرية عليها، تكون أمارة بالسوء؛ (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف: 53).

فإذا تعلمت وتهذبت بالدين، والتعاليم المثالية، وُجد الضمير، وهو الشعور النفسي الذي يقف من المرء موقف الرقيب يدعو إلى الخير، وينهى عن الشر، ويحاسب بعد أداء العمل مستريحًا للإحسان، ومستنكرًا للإساءة.

فإذا وصلت النفس إلى هذا الطور من اليقظة والمراقبة والمحاسبة، واستراحت للخير وضاقت بالشر، كانت في هذا الطور نفسًا لوّامة؛ (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ {1} وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة).

فإذا واصل الإنسان جهاد نفسه، فتخلص من الهوى، وكبت شهواته، وارتفع عن النقائص، وسمت نفسه إلى الحق، والخير، والجمال، والكمال.. بلغ منزلة الرشد الذي يريد الله أن يصل إليه الإنسان في هذه الحياة، ليكون أهلاً لجواره في الدار الآخرة؛ (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات: 7).

وحين يرتفع الإنسان إلى هذا المستوى الرفيع، تكون نفسه قد اطمأنت بالحق والخير؛ (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً {28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {29} وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الفجر).

وما لم يصل الإنسان إلى هذا المستوى، يكون قد عرض نفسه لخسارة لا يمكن تداركها بعد؛ (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس).

الروح بعد مفارقتها للجسد

والروح بعد مفارقتها للجسد يكون الموت، وتبقى هي مدركة تسمع من يزورها، وتعرفه، وترد عليه السلام، وتحس لذة النعيم، وألم الجحيم. قال ابن تيمية: وقد استفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وأنه يرى ويدرى ما يُفْعَل عنده، ويسر بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا.. وروى أن عائشة رضى الله عنها، بعد أن دفن عمر رضي الله عنه، كانت تستتر وتقول: " كان أبى وزوجي، فأما عمر فأجنبي.. تعنى أنه يراها، وروي أن الموتى يسألون الميت عن حال أهليهم، فيعرفهم أحوالهم، وأنه وُلِدَ لفلان ولد، وتزوّجت فلانة.

الهوامش
  • 1 كتاب العقائد الإسلامية، الشيخ السيد سابق
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة