اليقظة الكبرى.. كيف نستعيد قوة التمييز؟
كما أن للجسد
الحيّ جهازَ مناعةٍ يذود عنه غائلة الجراثيم والأمراض، فإن للأمم والمجتمعات مناعة
حضارية تمثّل حصنها الداخلي، وقوة إدراكها التي تميّز بها بين ما ينفعها وما
يقتلها، وعندما تُصاب هذه المناعة بالعوز وتتعطل، تتسلل إلى جسد الأمة جراثيم
الفساد والتبعية وفقدان البصيرة، فتتحول من كيان فاعل ومؤثر، إلى جسد عليل يستقبل
العلل ولا يقوى على دفعها.
وإذا كانت
رحلتنا في هذه السلسلة قد انشغلت بتشخيص هذا الإيدز الحضاري وتتبّع أعراضه
القاتلة، فإننا نصل اليوم إلى لحظة الحسم، متسائلين: كيف يستعيد هذا الجسد عافيته؟
وكيف نتحول من تجمّع للمرضى إلى أمة ناهضة تستعيد مكانها التاريخي؟
إن الشفاء لا
يبدأ بابتلاع المسكنات، بل بالاستعداد لإطلاق اليقظة الكبرى؛ وهي ليست مجرد حماسة
عابرة، بل حالة جماعية من الوعي العميق، تعيد تفعيل أجزاء جهاز المناعة المعطلة
كافة، وتسترد للأمة أثمن ما فقدته في رحلة التيه، قوة التمييز.
1- التمييز.. المفتاح الأوحد للاستشفاء:
أولُ ما يهاجمه
الفيروس في الجسد الحضاري قوة التمييز في القلب والعقل؛ ولذلك فإن استعادة هذه
القوة أولى عتبات العلاج، إذ لا يمكن مقاومة ما لا يمكن تمييزه، واليقظة الكبرى في
جوهرها ليست سوى عملية إعادة ضبط شاملة لبوصلة الأمة وتحديد أولوياتها، عبر
مسارين:
الأول: تمييز
الثابت من المتغير: الفصل الدقيق بين أصول الدين وقيمه الحضارية الكبرى (الثوابت)،
والوسائل والإجراءات والآليات التي تتمرّن وتتغير بتغيّر الزمان.
الثاني: تمييز
العدو من الصديق: كسر حالة الذهول الحضاري التي تجعل الأمة ترى في الأفعى ملمساً
ناعماً، واستعادة الذاكرة الإجرائية التي تحذّر العقل الجماعي من لدغات الجحور
القديمة.
2- إعادة ضبط «البرادايم».. تكامل الوظائف من الريبة إلى القربة:
لا يمكن لليقظة
الكبرى أن تنطلق وفي العقل الجماعي «برادايمات» (نماذج فكرية) مشوهة، زرعها الوهن
لضرب مكونات الأمة ببعضها، و«البرادايم» (Paradigm) في جوهره
ليس مصطلحاً أكاديمياً جامداً، بل هو تلك العدسة الإدراكية التي يرى الفرد أو
النظام الواقع من خلالها؛ فهي التي تُكيّف المشهد، وتصنع المواقف، وتوجّه السلوك.
ووفق العدسة
الإسلامية الأصيلة، تتجلى العلاقة في أبهى صورها؛ حين نستدعي بعبقرية فقه الإمام
ابن تيمية الذي قرر أن «اتخاذ الإمارة (بما فيها الوظائف الأمنية والتدبيرية)
ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، هي من أفضل القربات»، ففي هذه الرؤية، رجل الأمن
الذي يبيت يحرس الثغور، وإمام المسجد الذي يقيم الصلاة، يمارسان في العمق عبادة
واحدة، ويتكاملان في تحقيق مقاصد الشريعة الكبرى (حفظ الدين، والنفس، والعقل،
والعرض، والمال).
لكن هذا النموذج
الإدراكي النقي أصابه التشوه في الوعي المعاصر؛ فتولّدت تلك النظرة المفعمة
بالريبة بين رجل الأمن ورجل الإصلاح، حدث ذلك تأثراً بارتدادات وصراعات عانت منها
دول في الإقليم، تسرّبت معها إلى العقل الرسمي عدسة موتورة باتت تنظر إلى الدين كمنافس
سياسي ومصدر تهديد يجب إقصاؤه، غافلة عن كونه الضابط الأعمق لأمن المجتمع وتماسكه.
ويتجلى أثر هذا
الصراع الإدراكي في حادثة ذات دلالة، يرويها أحد كبار المسؤولين الإعلاميين في
مذكراته؛ حين قررت إحدى الدول، في لحظة احتقان سياسي، إصدار توجيه يلغي تلاوة
القرآن الكريم التي تفتتح بها محطة التلفزيون إرسالها اليومي، يومها، وقف عقلاء «البرادايم»
الأصيل أمام هذا التوجه مبيّنين لصانع القرار حقيقة غابت عنه: «إن استبعاد القرآن
لن يُقرأ كإجراء إداري، بل سيوصل للناس رسالة بأن الدولة تقف ضد دين الأمة، ونحن
أحوج ما نكون إلى تجميع الصفوف لا تفريقها»، وحين أبصر الحاكم المشهد من خلال هذه
العدسة، لم يتراجع عن التوجيه فحسب، بل منح أولئك العقلاء صلاحية أوسع في الإشراف
على الإعلام الديني.
إن هذا التحول
الإدراكي هو ما ينقل العلاقة فوراً من ثنائية الصراع إلى ثنائية التكامل:
- رجل الأمن:
يصبح حامياً لغشاء الجسد الحضاري من الاختراق والفساد، وعمله قربة كعمل الإمام.
- رجل الإصلاح:
يصبح بانياً للوعي المناعي والقيم التي تحرّك هذا الجسد.
وحين يدرك
الطرفان أنهما جندٌ في خندقٍ واحد، نُغلق تلك الثغرة التاريخية التي كانت الجراثيم
الانتهازية تتسلل منها لتمارس سلاحها الأثير؛ فرّق تسُد.
3- مسارات اليقظة: الفرد.. النخبة.. المؤسسة:
أولاً: يقظة
الفرد (المناعة الشخصية): أن يدرك كل إنسان أنه الخلية التي تبدأ منها الصحة؛ وذلك
بإحياء فريضة الإنكار الذاتي، ورفض التطبيع مع المنكر الصغير.
ثانياً: يقظة
النخبة (الكريات البيضاء): باستعادة السيادة المعرفية، وتولّي قيادة التنسيق
لإزالة عوائق الإصلاح وتجنب ما يمكن تسميته بتصادم الطيبين.
ثالثاً: يقظة
الأمة (الالتحام الجماعي): التحول من مجرد مجموع متنافر إلى بنيان مرصوص يحكمه
التكافل والتنسيق المؤسسي.
من التشخيص إلى الاستشفاء
إن رسالة هذه
السلسلة، الممتدة عبر 15 مقالاً، لم تكن يوماً دعوة إلى التشاؤم، بل هي تأكيد صارم
على أن الشفاء ممكن ومتاح لمن قرر سلوك طريقه، لقد انقضت بمقالنا هذا مرحلة التشخيص؛
تلك التي فكّكنا فيها آليات عمل الإيدز الحضاري وتتبّعنا مسارات تغلغله، ليتأكد
لنا أن الخروج من دائرة سُنَّة الاستبدال القاسية، لا يتحقق إلا حين يتحول الصلاح
من حالة فردية معزولة إلى منظومة جندية متكاملة تنضبط في مؤسسات وترفض الموت.
وإذا كان هذا
المشروع الأول من مظلة الفقه الحضاري قد تكفّل بوضع المبضع على الجرح، فإننا نَطوي
اليوم صفحة التشخيص، لنبدأ معاً، بإذن الله، مشروعنا القادم «فقه الاستشفاء
الحضاري»؛ لننتقل من الإجابة عن سؤال: كيف يمرض الجسد؟ إلى هندسة الإجابة عن سؤال:
كيف يستعيد عافيته؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً