الوعي قبل المعلومة

د. محمد السبأ

11 أغسطس 2026

172

الوعي قبل المعلومة

نعيش اليوم في زمن تتدفَّق فيه المعلومات بلا حدود؛ فالأخبار تصل في لحظات، والآراء تنتشر في دقائق، والصور والمقاطع تتجاوز القارات في ثوانٍ معدودة، ومع هذا الانفجار المعرفي الهائل؛ أصبح كثيرٌ من الناس يظنون أن كثرة المعلومات تعني بالضرورة كثرة الفهم، وأن الوصول السريع إلى الخبر يساوي امتلاك الحقيقة، بينما الواقع يثبت أن الإنسان قد يحمل آلاف المعلومات، لكنه يفتقد الوعي الذي يمكِّنه من فهمها وتحليلها وتمييز صحيحها من سقيمها.

إن المشكلة في عصرنا لم تعد ندرة المعلومة، بل ضعف الوعي في التعامل معها؛ ولذلك أصبح الوعي قبل المعلومة ضرورة شرعية وفكرية واجتماعية، لأن المعلومة بلا وعي قد تتحول إلى أداة تضليل، أو سبب فتنة، أو مدخل انحراف، أو باب خصومة وعداوة.

المنهج القرآني في التعامل مع المعلومة

بيَّن القرآن الكريم هذا المعنى العظيم، حين دعا إلى التثبُّت والتعقُّل وعدم الانقياد لكل ما يُسمع: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)، «وهذا التحذير من جراء قبول خبر الكاذب يدل على تحذير من يخطر له اختلاق خبر؛ مما يترتب على خبره الكاذب من إصابة الناس»(1)، فإذا كان هذا التحذير الرباني من قول كاذب واحد؛ فما بالك اليوم في زمن التضليل الإعلامي المُتعمَّد، بل والمُخطَّط له بدقة، إضافة إلى السَّفَه والتفاهة، والذي تبثُّه في كل ثانية آلاف المواقع باختلاف أنواعها!

إن هذه الآية العظيمة تؤسِّس لمنهج الوعي قبل التلقِّي؛ إذ لم يأمر الله بمجرد سماع الخبر أو نقله، بل أمر بالتبيُّن والتحقُّق، لأن الإنسان قد يندفع خلف معلومة غير صحيحة فيظلم نفسه أو غيره، أو يسيء أو يشارك في نشر الباطل وهو لا يشعر.

وكذلك قال سبحانه: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، نهى جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم، ويشمل ذلك قوله: رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم، ويدخل فيه كل قول بلا علم، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم، وقد أشار جل وعلا إلى هذا المعنى في آيات أخر؛ كقوله: (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 169)، وقوله: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: 33)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: 12)، وقوله: (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (يونس: 59)، وقوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم: 28)، وقوله: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) (النساء: 157)، والآيات بمثل هذا في ذم اتباع غير العلم المنهي عنه في هذه الآية الكريمة كثيرة جدًا، وقد أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة منع التقليد، قالوا: لأنه اتباع غير العلم(2)، فالتوجيه القرآني واضح غاية الوضوح، إذْ يربِّي المسلم على الوعي والانضباط وعدم الانسياق وراء الظنون والشائعات.

المنهج النبوي في الضبط والتثبُّت

وفي السنة النبوية تتأكَّد هذه المعاني ببيانٍ تام، إلى درجة يعدُّ فيها النبي صلى الله عليه وسلم نقْل الشخص للكلام كله كما سمعه كذباً: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع»(3)، وهذا الحديث من أعظم النصوص التي تُبيّن خطورة غياب الوعي؛ فليس كل ما يُسمع يُقال، وليس كل ما يُنقل يُنشر، لأن بعض الناس يتحول إلى مجرد ناقل للمعلومات دون فهم أو تحقق أو تقدير للعواقب، وقد يكون في الكلام المنقول شرَّاً وضُرَّاً، بل حتى تربية الوعي قبل تكوين القناعة: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»(4).

فإذا كان الوعي مشحوناً بالظنون؛ فإن تفسير أي معلومة سيكون مبنيًا عليها، وبذلك تتحوَّل المعلومة إلى تأكيدٍ للوهْم، وفي إطار ضبط اللسان حرصًا على سلامة المعلومة وتلقِّيها: «إنَّ العبدَ ليَتكَلَّمُ بالكَلِمةِ ما يتَبَيَّنُ ما فيها، يهوي بها في النَّارِ أبعَدَ ما بَيْنَ المَشرِقِ والمَغرِبِ»(5)، كما أن الوعي لا يساوي تصديق كل ما يُقال، بل يقتضي المطالبة بالدليل قبل تبنِّي الدعوى: «لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم لادَّعى ناسٌ دِماءَ رِجالٍ وأموالَهم، ولكِنَّ اليمينَ على المدَّعى عليه»(6)، فالوعي يبدأ بالسؤال: ما البرهان؟ قبل أن يبحث عن المُصيب.

نموذج فتنة عظيمة بسبب معلومة كاذبة

من تأمَّل التاريخ وجد أن كثيرًا من الفتن الكبرى بدأت بمعلومة غير واعية، أو إشاعة انتشرت بين الناس دون تحقُّق، ومن أشهر الأمثلة في التاريخ الإسلامي حادثة الإفك، حين انتشرت الشائعة في المدينة، وتداولها بعض الناس دون تثبُّت، حتى نزل القرآن يبرئ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ويعلِّم الأمة درسًا خالدًا في خطورة التسرُّع في تداول الأخبار، قال تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: 15).

في هَذِهِ الجُمْلَة من تعظيم هَذَا الْأَمْر ما فيها، يعني تحسبون أن القوْل في هذا الْأَمر هينًا وأنها كلمات تُقال وتُنقل لكنه عند الله عظيم، ويتعاظَم كلما كان الإِنسان المقول فيه أبعدَ عما قِيلَ فيه، ولهذا قذف المحصن فيه الحدُّ وقذف غير المُحصن فيه التَّعْزِير(7).

فالمشكلة كانت في غياب الوعي عند من تلقَّاه وتناقله أكبر من مجرد وجود الخبر بحد ذاته، مما يؤكِّد قيمة الوعي والعقل قبل الاندفاع، كما يؤكِّد مبلغ خطر الكلمة.

تضاعف الحاجة إلى الوعي اليوم

المتأمل اليوم، يجد أن كثيراً من التجاوزات والتعديات والأخطاء نابعة عن المفاهيم أو المعلومات الخاطئة، والتي تدل على منظومة قيم فاسدة، أو ضعف وعيٍ مسؤول! وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء المفتوح تتضاعف الحاجة إلى الوعي؛ لأن الإنسان أصبح يتلقى مئات الرسائل يوميًا، وفيها الصادق والكاذب، والنافع والضار، والمقصود به الخير أو الإثارة أو التضليل، وكثير من الناس يظنون أن إعادة النشر أمر بسيط، بينما قد تكون الكلمة سببًا في ظلم إنسان، أو تشويه سمعة، أو إثارة فتنة، أو نشر خوف بين الناس.

ومن صور غياب الوعي اليوم أن بعض الناس يقرأ عنوانًا فقط ثم يبني موقفًا كاملًا، أو يشاهد مقطعًا مجتزأً ثم يُصدر الأحكام، أو يسمع قصة من طرف واحد فيتحمَّس لها دون معرفة حقيقتها، وهذا كله مخالف لمنهج الإسلام القائم على العدل والتثبُّت والتعقُّل.

والوعي لا يعني الشك في كل شيء، بل يعني الفهم المتزن، والنظر في العواقب، والقدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الرأي والحقيقة، وبين المعلومة والتحليل، فالإنسان الواعي لا ينخدع بسهولة، ولا ينساق خلف العاطفة وحدها، ولا يجعل كل ما يصل إليه حقيقة مُسلَّمة.

ومن أعظم صور الوعي أن يعرف الإنسان حدود معرفته؛ فلا يتكلم فيما لا يحسن، ولا يفتي بغير علم، ولا يخوض في كل قضية، وقد كان السلف الصالح يتورعون عن الكلام بغير علم، حتى قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون»(8)، كما أن الوعي الحقيقي يجعل الإنسان يبحث عن المصادر الموثوقة، ويستمع إلى أهل الاختصاص، ويتجنب الإثارة والتضليل، ولا يجعل عاطفته تقوده إلى الظلم أو التعصب، فالحكم على الأشياء فرع عن تصورها الصحيح، وهذا من أعظم صور الوعي القيادي والاجتماعي.

وتأتي اليوم مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والدعوية أن تُربِّي الناس على التفكير والتثبُّت واحترام الحقيقة، وعدم الانسياق خلف الشائعات والعواطف السريعة، وكلما ازداد الإنسان وعيًا؛ أصبح أقدر على فهم الحياة والناس والأحداث، وأقرب إلى العدل والحكمة والرشد والسلامة، والحكمة الحقيقية تكمن في حسن فهم ما نعرف، وفي حسن التعامل معه.

الهوامش
  • 1 التحرير والتنوير (26/ 232).
  • 2 تفسير أضواء البيان (3/ 682).
  • 3 أخرجه أبو داود (4992)، وابن حبان (30).
  • 4 أخرجه البخاري (5143)، ومسلم (2563) مطوَّلًا.
  • 5 أخرجه البخاري (6477)، ومسلم (2988) واللفظ له.
  • 6 أخرجه البخاري (4552)، ومسلم (1711) واللفظ له.
  • 7 تفسير العثيمين، ص 84.
  • 8 جامع بيان العلم وفضله (1125/ 2).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة