دروس قيادية من سير التابعين
المهلب بن أبي صفرة.. كيف يجمع القائد بين القوة والحكمة؟
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، بسنده عن أبي إسحاق قوله: «ما رأيت أميرًا قط أفضل ولا أسخى
ولا أشجع من المهلب(1)، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحب»(2).
يمثل هذا النص
المختصر من كتب التراجم نافذة واسعة على شخصية قيادية تشكلت في بيئة شديدة
التعقيد؛ فقد عاش المهلب بن أبي صفرة في مرحلة امتلأت بالصراعات السياسية
والعسكرية، وبرز فيها خطر الخوارج، واضطربت فيها موازين القوة بين القبائل والولاة
والجيوش، ولذلك فإن شهادة أبي إسحاق السبيعي لا تقف عند حدود المدح العابر، بل
تكشف عن ملامح قائد رآه معاصروه نموذجًا متكاملًا يجمع بين قوة الميدان ونبل
السلوك.
والقراءة
العلمية لهذه الشهادة تقتضي التفريق بين تقدير المؤرخين والتابعين لشخصية المهلب
بن أبي صفرة من جهة، وبين دراسة الظروف السياسية التي عمل فيها من جهة أخرى؛
فالمدح الوارد هنا متعلق بخصال قيادية وسلوكية نقلها الراوي، وليس حكمًا على جميع
تفاصيل المرحلة التاريخية أو كل أحداثها.
إدارة النفوس والتحالفات المعقدة في المحن التاريخية
لم تكن قيادة
المهلب بن أبي صفرة في بيئة مستقرة أو سهلة؛ فقد ارتبط اسمه بمواجهة الأزارقة من
الخوارج، وهي جماعة شكلت تهديدًا عسكريًا وفكريًا في العراق وفارس خلال العصر
الأموي، ويكشف عن شدة هذه المواجهة ما نُقل من أن الحجاج بالغ في احترام المهلب بن
أبي صفرة لما دوَّخ الأزارقة، ولقد قتل منهم في ملحمة أربعة آلاف وثمانمائة(3)،
وفي مثل هذه البيئات المضطربة، لا يكفي امتلاك القوة العسكرية وحدها، لأن القائد
يحتاج إلى القدرة على إدارة النفوس، وضبط التحالفات، وتحقيق التماسك بين أتباعه.
ويتضح هذا البعد
القيادي في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم «الخندق»، حين استشار سعد بن معاذ،
وسعد بن عبادة في مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة، فلما أبديا له رأيهما في عدم
قبول ذلك أخذ برأيهما؛ فكان في استشارتهما وإمضائه رأيهما حفظٌ لتماسك الصف وثقةِ
أصحابه بقيادته(4)، وهكذا يتبين أن القيادة في أوقات الأزمات لا تقوم
على القوة وحدها، وإنما تحتاج إلى إشراك أهل الرأي، وحسن إدارة المواقف بما يحفظ
تماسك الجماعة.
ومن هنا تظهر
قيمة اجتماع الصفات التي ذكرها أبو إسحاق: «أفضل، وأسخى، وأشجع»، فهذا الوصف لا
يقدم الشجاعة منفردة عن غيرها، وإنما يرسم صورة قائد اجتمعت فيه خصال متعددة تلائم
أعباء القيادة في بيئة شديدة الاضطراب؛ فالشجاعة وحدها قد تصنع قائد معركة، لكنها
لا تصنع بالضرورة قائدًا قادرًا على الاستمرار في تحمل أعباء القيادة؛ إذ يحتاج
القائد إلى ثقة الناس به، وهذه الثقة تنشأ من اجتماع الحزم مع العدل، والقوة مع
الرحمة، والقدرة على الحسم مع القدرة على احتواء البشر.
كيف تمنع الحكمة القيادية تحول القوة إلى صدام؟
الشجاعة في
ميزان القيادة ليست مجرد الإقدام على الخطر، بل هي القدرة على اتخاذ القرار الصحيح
حين تضطرب النفوس وتشتد الضغوط، ولذلك جاء وصف المهلب بأنه «أشجع» مرتبطًا بسياق
إمارة وحرب وتدبير، لا بمجرد الجرأة الفردية.
فالقيادة في
أوقات الأزمات تحتاج إلى عقل ثابت يستطيع أن يميز بين المعركة الضرورية والمعركة
التي تستنزف القوة، وبين الرد الذي يحفظ الهيبة والرد الذي يفتح أبواب الفوضى، ويجسد
عمر بن عبد العزيز هذا النوع من الحكمة القيادية حين وصف منهجه في التعامل مع
الناس بقوله: «إني أروض الناس رياضة الصعب، فإن الله أبقاني مضيت لنيتي ورأيي، وإن
عجلت على منيتي فقد علم الله نيتي، إني أخاف إن بادهت الناس بالتي تقول أن يلجئوني
إلى السيف، ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف»(5).
فلم تكن الحكمة
هنا في ترك الإصلاح أو التراجع عن المبدأ، وإنما في التروي في تنزيله، واختيار
الأسلوب الذي لا يحول الإصلاح نفسه إلى سبب في الصدام، إذ أدرك أن الاستعجال قد
يدفع الناس إلى رد فعل يجعل السيف وسيلةً لفرض ما كان المقصود منه تحقيق الخير.
ويؤسس القرآن
لهذا المعنى من جهة أخرى، حين يضبط استعمال القوة بقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)، فالقوة في ميزان القرآن ليست اندفاعًا
مطلقًا، وإنما قوة منضبطة بحدود الحق، وهو ما يجعل الشجاعة في القيادة مرتبطة بحسن
التقدير وضبط الفعل، لا بمجرد الإقدام.
ومن واقع
المؤسسات اليوم يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فالقائد الناجح ليس هو الأكثر صدامًا، بل
من يعرف متى يحزم، ومتى يهدئ، ومتى يقدم على القرار الصعب بعد دراسة أثره على
الناس والهدف.
مشاركة الأتباع في المشقة كمدخل لكسب الثقة
لم يكن وصف المهلب
بن أبي صفرة بالسخاء أمرًا ثانويًا في بناء صورته القيادية؛ فالسخاء عند القادة
ليس مجرد بذل المال، بل هو شعور بالعطاء والمسؤولية تجاه من يحملون معهم أعباء
الطريق.
فالقائد الذي
يشعر أتباعه بأنه حاضر معهم، يعرف حاجاتهم، ويقدر جهودهم، ويشاركهم مشقاتهم، يبني
نوعًا من الثقة يتجاوز العلاقة الرسمية، ويجسد موقف قيس بن سعد بن عبادة هذا
المعنى في صورة عملية؛ فحين أصاب الجيش جوع شديد في غزوة سيف البحر، نحر لهم قيس
من إبله، ثلاث جزائر ثم ثلاثًا ثم ثلاثًا، حتى نهاه أبو عبيدة عن مواصلة النحر(6).
وقيل: إنه اشترى
خمس جزائر بالدَّين على أن يوفي ثمنها بالتمر في المدينة(7)؛ فكان
عطاؤه مشاركةً فعليةً للجيش في حاجته ومشقته، لا مجرد بذلٍ من الفائض، بل
استعدادًا لتحمل مشقة العطاء ومشاركة رجاله ظروفهم، وهنا يظهر أن السخاء القيادي
لا تقتصر قيمته على مقدار ما يُعطى، وإنما في تحول العطاء إلى صورة من صور الحضور
القيادي الذي يعزز الثقة بين القائد ورجاله.
وهذا الحضور في
حياة الأتباع لا ينفصل عن مسؤولية القائد عن حقوق من تحت ولايته، وقد وضع القرآن
لهذه المسؤولية أصلًا جامعًا، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا
الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: 58)، فالآية تؤسس لمعنى المسؤولية
التي تجعل رعاية مصالح الناس وأداء حقوقهم جزءًا من أمانة صاحب الولاية؛ وبذلك لا
يكون عطاؤه مجرد خصلة شخصية، بل سلوكًا ينسجم مع ما تقتضيه المسؤولية تجاه من
وُضعوا تحت قيادته.
وفي بيئة الجيوش
والقبائل كان هذا المعنى أكثر تأثيرًا؛ لأن القائد لا يعتمد فقط على الأوامر، بل
على الرغبة الصادقة من رجاله في نصرته، وبذلك يغدو السخاء وسيلة لبناء الثقة
الاجتماعية، لا مجرد صفة شخصية؛ لأن القائد حين يشارك رجاله حاجاتهم ويتحمل معهم
تبعاتها، ويشعرهم بأنهم موضع عنايته، تتحول العلاقة بينهم من مجرد امتثال للأوامر
إلى رابطة تقوم على الثقة والتقدير.
البناء النفسي للقائد بين كبح الهوى والامتثال
لعل أعمق ما في
شهادة أبي إسحاق قوله عن المهلب بن أبي صفرة : «ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما
يحب»، فهذه العبارة تتجاوز وصف الفعل الظاهر إلى الإشارة إلى نظام داخلي في
الشخصية.
فالقائد قبل أن
يدير الآخرين يحتاج إلى أن يدير نفسه؛ أن يعرف ما يضعفه فيبتعد عنه، وما يرفعه
فيقترب منه، ويؤسس القرآن لهذا المعنى في قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات)؛ فالآية تجعل نهي النفس عن هواها جزءًا من طريق النجاة،
وقد فسر الطبري ذلك بـ«نهى نفسه عن هواها فيما يكرهه الله، ولا يرضاه منها»(8)،
ومن هنا فإن إدارة الإنسان لنفسه لا تبدأ من قدرته على توجيه الآخرين، وإنما من
قدرته على كبح ما يدفعه إلى ما لا يرضاه الله، وحمل نفسه على ما أمر به.
والبعد عما
يُكره لا يعني الانسحاب من المسؤوليات، بل يعني الابتعاد عن الصفات التي تهدم
مكانة الإنسان: الغضب غير المنضبط، الانتقام، التسرع، والاستجابة للنزاعات الصغيرة،
ويتجسد هذا المعنى في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه من مسطح بن أثاثة، حين قطع
النفقة عنه لمشاركته في حديث الإفك، فلما أنزل الله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ
وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا
تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور: 22)،
قال أبو بكر: «بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي»(9)، وأعاد النفقة
إلى مسطح، فجاء موقفه شاهدًا على معنى الابتعاد عما يكره الإنسان بطبعه من الإساءة
والأذى، حين لا يسمح للألم الشخصي أن يقوده إلى الانتقام، بل يحمل نفسه على العفو
واستئناف الإحسان.
أما القرب مما
يحب، فلا يقتصر على معرفة الإنسان ما ينبغي أن يطلبه، وإنما يظهر في توجيه النفس
نحو الحق ومقاومة ما يصرفها عنه؛ وفي هذا المعنى سُئل المهلب بن أبي صفرة: «بم نلت
ما نلت؟» فقال: «بطاعة الحق، وعصيان الهوى»(10)، فجاء جوابه كاشفًا عن
منهج عملي في بناء النفس؛ إذ جعل بلوغ ما ناله قائمًا على الإقبال على الحق والعمل
به، مع كبح الهوى الذي قد يصرف الإنسان عن غايته، وهو معنى يقترب بوضوح من وصف أبي
إسحاق له بأنه «ولا أقرب مما يحب».
وفي عالم
الإدارة المعاصر يظهر هذا المعنى في مفهوم النضج القيادي؛ فالقائد الذي لا يملك
نفسه أمام الاستفزازات قد يخسر ما بناه في سنوات، بينما القائد الذي يضبط ردوده
يحافظ على صورته وثقة فريقه.
بين القوة والرحمة.. التوازن الذي تحتاجه المجتمعات
تكشف شخصية المهلب
بن أبي صفرة عن معادلة مهمة في القيادة: القوة إذا انفصلت عن الأخلاق قد تتحول إلى
بطش، واللين إذا انفصل عن الحزم قد يتحول إلى ضعف، أما اجتماع الأمرين فيصنع
قائدًا قادرًا على حماية الجماعة مع حفظ كرامة أفرادها.
وهذا التوازن
يتجلى بوضوح في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة؛ فقد دخلها في قوة
وتمكين، وحمل جيشه من أسباب القوة ما يكفل له الغلبة، لكنه لم يجعل هذه القوة
طريقًا إلى البطش أو الانتقام، وحين قال سعد بن عبادة رضي الله عنه، وهو يحمل
الراية:« اليَوْمُ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ»، بلغ
ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ
يُعَظِّمُ اللهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعْبَةُ»(11)؛
فكان تدخله ضبطًا للقوة حتى لا تنفصل عن الأخلاق، وتوجيهًا لها من معنى الانتقام
إلى معنى تعظيم حرمة المكان.
ثم جاء التعبير
الآخر عن هذا التوجيه في قوله صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان: «اليوم يوم المرحمة،
اليوم أعز الله فيه قريشًا»(12)، فدلّ ذلك على أن التمكّن لا يستلزم
الانتقام، وأن الغلبة يمكن أن تكون مدخلًا إلى الرحمة والعفو، وهكذا اجتمعت في
الموقف قوة القائد في تحقيق الغلبة، ورحمته في التعامل مع من صاروا تحت قدرته،
فبقيت القوة منضبطة بالأخلاق، والرحمة بعيدة عن معنى الضعف، ليغدو الحزم وسيلة
لحماية الجماعة، لا ذريعة للإيذاء.
وعلى هذا
الأساس، يتضح أن التوازن القيادي ليس تنازلًا عن الحزم، ولا إطلاقًا للين، وإنما
هو القدرة على وضع كل منهما في موضعه؛ فالقائد يحمي الجماعة بقوته، ويحفظ إنسانية
من يتعامل معهم برحمته.
وهذا التوازن هو
ما تحتاجه المجتمعات في كل عصر؛ فالأسرة تحتاج إلى حزم الأب مع رحمته، والمدرسة
تحتاج إلى انضباط المعلم مع رحمته، والمؤسسات تحتاج إلى مدير يحاسب بعدل ويشجع
بإنصاف.
ومن هنا يظهر أن
دروس الشخصيات التاريخية لا تتعلق فقط بأحداث مضت، بل بسنن إنسانية متكررة؛ كيف
يبني الإنسان احترام الآخرين؟ وكيف يحول السلطة إلى مسؤولية؟ وكيف يجعل أخلاقه
جزءًا من نجاحه؟
كيف تلخص العبارات القليلة المعالم الكبرى لشخصية؟
تتميز العبارة
بقوة بلاغية واضحة؛ فقد جمع الراوي بين صفات جامعة؛ الأفضلية، والسخاء، والشجاعة،
ثم أضاف إليها ميزانًا دقيقًا للسلوك: البعد عن المكروه والقرب من المحبوب.
والجمع بين
الصفات المتنوعة، ثم المقابلة بين البعد والقرب، هو الذي يمنح الصورة اكتمالها؛
فالقائد ليس مجرد محارب، وليس مجرد كريم، وليس مجرد صاحب حلم، بل شخصية متوازنة
تتحرك في ميادين متعددة، وهذا الأسلوب في بناء الصورة من خلال صفات متعددة في
عبارة موجزة نجده أيضًا في شهادة خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم
عند أول الوحي، حين قالت: «كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ
لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي
الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»(13)؛ فجمعت في
كلمات قليلة خصالًا متنوعة ترسم ملامح شخصية متكاملة، فلم تحتج إلى سرد طويل لتكشف
عن حقيقة صاحبها.
ولهذا، بقيت هذه
الكلمات القليلة محتفظة بقيمتها؛ لأن قوة الشهادة ليست في كثرة ما تعدده من
الصفات، وإنما في قدرتها على جمع الصفات الدالة في صياغة موجزة تكشف عن شخصية
متكاملة، ولأنها لا تصف موقفًا واحدًا، وإنما تشير إلى نمط حياة وسلوك متكرر كما
فهمه من عاش مع الشخصية أو عرف أخبارها.
لماذا تتجاوز قيمة التجارب التاريخية ظرفها الزماني؟
عندما تُقرأ
سيرة المهلب بن أبي صفرة بعيدًا عن مجرد أحداث الصراع العسكري، فإنها تقدم مبادئ
عامة يمكن الإفادة منها في واقع الناس اليوم، فالقائد في أي مجال يحتاج إلى شجاعة
القرار، وسخاء العطاء، وضبط النفس، والاقتراب من القيم التي تبني الثقة.
وفي زمن تتسارع
فيه ردود الأفعال وتنتشر فيه الخصومات السريعة، تصبح القدرة على الابتعاد عما يفسد
العلاقات، والاقتراب مما يبنيها، من أهم مهارات النجاح الشخصي والاجتماعي، فما
يظهر في سيرة المهلب بن أبي صفرة من ضبط للنفس، وحسنٍ في التعامل، وقدرة على الجمع
بين القوة والعطاء، لا يتوقف عند حدود الظرف التاريخي الذي عاش فيه، بل يقدم معاني
قابلة للاستحضار في علاقات الإنسان وقيادته للآخرين اليوم.
فالإنسان لا يُقاس فقط بما يملك من قوة، بل بقدرته على ضبطها وتوجيهها، وبما يمنعه إيمانه وعقله عن إساءة استخدامها، وبما تدفعه قيمه إلى تقديمه للآخرين.
الهوامش
- 1 المهلب بن أبي صفرة ظالم الأزدي، أبو سعيد، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، أدرك عمر رضي الله عنه، وروى عن سمرة بن جندب وغيره، وولي خراسان، وكان من وجوه أهل البصرة وأشرافهم وشجعانهم وأجوادهم، واشتهر بالشجاعة والقيادة وحسن التدبير، وتوفي بمرو الروذ سنة 83هـ، واستخلف على خراسان ابنه يزيد، مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: ابن الجوزي (9/ 330 - 331).
- 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 384).
- 3 المرجع السابق (4/ 384).
- 4 سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد: محمد بن يوسف الصالحي الشامي (4/ 376 - 377).
- 5 المعرفة والتاريخ: الفسوي (1/ 617).
- 6 أخرجه البخاري (4361).
- 7 الطبقات الكبرى: ابن سعد (5/ 370).
- 8 تفسير الطبري (24/ 98).
- 9 أخرجه البخاري (6692)، تفسير الطبري (17/ 197).
- 10 تاريخ دمشق: ابن عساكر (61/ 259).
- 11 أخرجه البخاري (4280).
- 12 المغازي: محمد بن عمر الواقدي (2/ 822).
- 13 أخرجه البخاري (3).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً