قراءة في صناعة الأثر الاجتماعي
المروءة تصنع أمان المجتمع.. موقف أسماء بن خارجة الفزاري
يروي الإمام الذهبي في ترجمة التابعي أسماء بن خارجة الفزاري(1): وفيه يقول القطامي:
إذا مات ابن
خارجة بن حصن فلا مطرت على الأرض السماء
ولا رجع البريد
بغنم جيش ولا حملت على الطهر النساء(2)
حين نقرأ هذين البيتين
من شعر القطامي في رثاء أو تعظيم مكانة أسماء بن خارجة الفزاري، فنحن أمام صورة
أدبية تتجاوز مجرد المدح القبلي إلى الكشف عن طبيعة القيادة الاجتماعية في
المجتمعات القديمة؛ حيث كان بعض الرجال يحملون أدوارًا تتجاوز حدود الفرد، فيصبح
وجودهم مرتبطًا بالأمن، وإغاثة المحتاج، وإصلاح ذات البين، وهذه القراءة لا تعني
قبول كل مبالغات الشعراء على ظاهرها، وإنما محاولة فهم الوظيفة الرمزية التي أداها
هذا النوع من المديح في تشكيل صورة القائد في الوعي الجمعي.
لماذا يرى الناس رحيل المصلحين خسارة عامة؟
ينتمي أسماء بن
خارجة إلى بيت من بيوت السيادة في بني فزارة، فقد كان ابن خارجة بن حصن أحد وجوه
قومه، فاجتمع له شرف النسب مع أثر اجتماعي صنعته خصاله وسيرته، ولم تكن السيادة في
البيئة العربية القديمة تقوم على النسب وحده، بل كانت تحتاج إلى رصيد من الحلم،
والكرم، والقدرة على تحمل أعباء الجماعة.
ولهذا جاءت
أبيات القطامي بصيغة كونية؛ فالشاعر لا يقول: إن قومه فقدوا رجلًا فحسب، بل يصور
غيابه كأنه اضطراب في نظام الحياة؛ المطر ينقطع، والجيش لا يعود بالغنائم، والنساء
لا يحملن، وهذه مبالغة شعرية مقصودها بيان أن بعض الشخصيات تؤدي وظائف اجتماعية
واسعة حتى يصبح فقدها ألمًا محسوسًا وفرسًا يترك فراغًا مهولًا.
وهذا المعنى
يتجاوز التصوير الشعري ليتجسد واقعًا في تاريخ العظماء والمصلحين؛ كما نجد في
ترجمة علي بن الحسين (زين العابدين) رحمه الله، حين كان عطاؤه شريان حياة خفيًا
لأهل مدينته، ولم يُدرَك حجم أثره إلا بعد رحيله، إذ يصف محمد بن إسحاق حال
الفقراء بعد وفاته قائلاً: «كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان
معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل»، ويؤكد ابن عائشة
عن أبيه هذا الأثر بقوله: «سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات
علي بن الحسين»(3).
ومن هنا يظهر أن
قيمة القائد أو الرمز في المجتمعات لا تقاس فقط بما يملكه من سلطة ونفوذ، وإنما
بما يتركه من طمأنينة وأثر ممتد في حياة الآخرين.
كيف يصنع الإيثار شبكة أمان أخلاقية للمجتمع؟
كان الجود في
الثقافة العربية القديمة أكثر من مجرد بذل للمال؛ فقد كان وسيلة لبناء الثقة، وحفظ
المكانة، وتقوية الروابط بين الناس، فالرجل الكريم لا يعطي المال فقط، بل يمنح
الشعور بالأمان لمن حوله.
وهذا المعنى
يلتقي مع التوجيه القرآني في قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر:9)، حيث يجعل الإيثار خلقًا يرفع الإنسان فوق أسر شح النفس.
لكن الميزان
الشرعي ارتقى بهذا المفهوم ليجعل الكمال في العطاء منضبطًا بالحكمة، وأن يتحول
المال والنفوذ إلى شبكة أمان وإصلاح حقيقي، بعيدًا عن طلب الثناء أو المصالح
الضيقة.
ويتجلى ذلك
بأبهى صوره في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إذ سخّر جاهه وماله لحماية
المستضعفين المعذبين في مكة، فكان يشتري أمثال بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وأم
عبيس، والنهدية وابنتها ليُعتقهم في سبيل الله، وحين قال له أبوه أبو قحافة ناصحًا
بمقياس الجاه المجرد: «إني أراك تعتق ضعافًا، فلو أنك أعتقت رجالًا جلداء يمنعونك
ويقومون دونك»، أجابه الصدّيق بيقين يوضح غاية العطاء: «يا أبتِ، إنما أريد ما
أريد لله عز وجل».
وفيه وفي أمثاله
نزل التخليد الإلهي في سورة «الليل»: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى {17} الَّذِي يُؤْتِي
مَالَهُ يَتَزَكَّى {18} وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى {19}
إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى {20} وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل)، وقد أكد الإمام الفخر الرازي في تفسيره هذا الاختصاص
بقوله: أجمع المفسرون منا -أي من أهل السُّنة- على أن المراد منه أبو بكر رضي الله
تعالى عنه(4).
ولهذا، يبقى
المعنى الأعمق في شخصية أسماء أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بما يحتفظ به الإنسان
لنفسه أو يستجلبه لحمايته، بل بما يقدمه لمن حوله ابتغاء الأثر الباقي والوجه
الأعلى.
لماذا تسبق الثقة السلطة في إدارة النزاعات؟
تكشف صورة أسماء
بن خارجة عن نموذج من القيادة يعتمد على الثقة قبل السلطة، ففي البيئات التي تكثر
فيها النزاعات، يحتاج الناس إلى شخصيات تستطيع تهدئة الخصومات، وتحمل مسؤولية
الإصلاح، وتمثيل معنى الاستقرار.
وهذا قريب من
مفهوم القيادة بالقدوة؛ فالقائد المؤثر لا يطلب من الناس احترامه بقدر ما يجعل
أفعاله سببًا لهذا الاحترام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ
مَعادِنُ، خيارُهم في الجاهِليَّةِ خيارُهم في الإسلامِ إذا فقُهوا» (متفق عليه)(5)،
وفي الحديث إشارة إلى أن خصال الخير قد تكون أصلًا معتبرًا إذا هُذبت بالإيمان
والعلم.
وفي واقع
المؤسسات الحديثة، يظهر هذا المعنى في المدير أو المربي أو صاحب المسؤولية الذي لا
يكتفي بإدارة الأنظمة، بل يبني الثقة، ويحتوي الأزمات، ويجعل من موقعه مساحة لخدمة
الناس.
كيف كان الشعر يصنع الإعلام الاجتماعي قديماً؟
لم يكن الشعر في
المجتمع العربي القديم مجرد فن جمالي يُستلذّ به، بل كان وسيلة إعلامية نافذة تصنع
السمعة، وتحفظ الأخبار، وتفرض الحقائق على الوجدان الجمعي.
ولذلك؛ فإن
أبيات القطامي كشفت جانبًا أساسيًا من كيفية بناء صورة الشخصية العامة؛ فالبيت
الذي جعل غياب أسماء سببًا لتعطل مظاهر الحياة، لم يكن يقدم تقريرًا واقعيًا عن
قوانين الطبيعة، وإنما قَدَّم صورة وجدانية عن عمق اعتماد الناس على وجوده ورسوله
في نفوسهم.
وهذا التأثير
الإعلامي للشعر لم يقتصر على المبالغة الممدوحة، بل كان يُشكل قوة ردع وتوجيه
للرأي العام حتى أمام السلطة؛ كما تجلّى بأبهى صوره حين حجّ هشام بن عبدالملك قبل
خلافته، فاجتهد أن يستلم الحجر الأسود فلم يستطع من زحام الناس، ثم جاء علي بن
الحسين (زين العابدين) فوقف له الناس وتنحّوا إجلالًا حتى استلمه، فلما سأل أهلُ
الشام هشامًا، وكان قاعدًا على منبره: من هذا؟ أنكره كبرًا وقال: لا أعرفه.
فأثار هذا
الجواب حفيظة الفرزدق وكان من مرافقي هشام في رحلته فأجابه بقصيدة تعرّف الدنيا
كلها بفضل هذا الذي ادعى هشام جهله به، التي جاء في مطلعها:
هَذا ابنُ خَيرِ
عِبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ هَذا
التَقيُّ النَقيُّ الطاهِرُ العَلَمُ
هَذا الَّذي
تَعرِفُ البَطحاءُ وَطَأَتَهُ وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هذا ابنُ
فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ بِجَدّهِ
أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا
وَلَيْسَ
قَوْلُكَ: مَن هذا؟ بضَائرِه العُرْبُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ وَالعَجمُ
فكانت هذه
القصيدة من عيون الشعر العربي، واستطاعت بكلمات معدودات أن تبطل إنكار هشام وتفرض
الحقيقة على الحاضرين والآتيين من بعدهم(6).
ومن هنا نفهم
الدور الحاسم للخطاب الإعلامي في كل عصر؛ فهو لا يكتفي بوصف القادة والرموز، بل
يشارك بفاعلية في تشكيل الصورة الذهنية التي يحملها المجتمع عنهم، ولهذا كانت
مسؤولية الكلمة والبيان عظيمة، وصَدَق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «إنَّ
مِن البيانِ لَسِحْرًا، أو إنَّ بعضَ البيانِ لَسِحْرٌ»(7).
لماذا يضمن البناء المؤسسي استدامة الأثر العلمي؟
تكشف هذه القصة
جانبًا مهمًا من تطور المجتمعات؛ ففي الأزمنة التي تقل فيها المؤسسات الرسمية،
يتحمل الأفراد أصحاب المكانة أدوارًا واسعة في حل النزاعات ورعاية المحتاجين.
لكن المجتمعات
المعاصرة تحتاج إلى الجمع بين الأمرين؛ المحافظة على قيم المروءة الفردية، وبناء
أنظمة عادلة لا تعتمد على وجود شخص واحد مهما بلغت مكانته، فالقائد الصالح لا
يكتفي بصنع أثر لحظي، بل يحرص على بناء مدرسة ومحيط يحافظان على استمرار الخير
وازدهاره بعد غيابه.
وهذا ما يظهر
جليًا في فهم علماء الأمة العميق لشرط استدامة الأثر؛ كما يتجلى في الحوار اللطيف
الذي يرويه الأمام الذهبي في ترجمة إبراهيم النخعي عن عصام قال: «تبعتُ الشعبي،
فمررنا بإبراهيم، فقام له إبراهيم عن مجلسه، فقال له الشعبي: أما إني أفقه منك
حياً، وأنت أفقه مني ميتاً، وذاك أن لك أصحاباً يلزمونك، فيحيون علمك»(8)،
فقد أدرك الشعبي أن القيمة الحقيقية للعلم والأثر لا تقف عند حدود حياة صاحبه، بل
بوجود تلامذة ومؤسسين يحملون المشعل من بعده.
وهذا المعنى
يتضاعف أثره اليوم في مجالات الأسرة والتعليم والعمل؛ فالمربي والمدير الناجح لا
يسعى إلى ربط الناس بشخصه فقط، بل يحرص على بناء قيم ومناهج ومؤسسات راسخة تضمن
استمرار العطاء ونماء الفكرة حتى بعد رحيله.
كيف تصنع المواقف الصادقة أثرًا إنسانيًا خالدًا؟
إن أعظم ما
تكشفه هذه الشخصية أن الإنسان قد يتحول من فرد يعيش بين الناس إلى قيمة يسترشد بها
الناس؛ فالأثر لا يصنعه الجاه المجرد، وإنما تصنعه المواقف التي يجد فيها الآخرون
صدقًا ونفعًا وأمانًا.
ويتجلى هذا
النموذج الأخلاقي الفريد بأبهى صوره في موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي
الله عنه؛ حين جاءه ابن النباج يخبره بامتلاء الخزائن قائلاً: «يا أمير المؤمنين،
امتلأ بيت مال المسلمين من صفراء وبيضاء»، فقال: «الله أكبر»، ثم قام متوكئًا عليه
حتى وقف على بيت المال وأنشَدَ متمثلاً:
هذا جَنايَ
وخِيارُهُ فيه وكُلُّ
جانٍ يَدُهُ إِلى فيه
ثم أمره بأن
ينادي في أشياع الكوفة، فوزع كل ما فيه على الناس وهو ينادي: «يا صفراء ويا بيضاء
غري غيري، ها وها»، حتى لم يبقَ فيه دينارٌ ولا درهم، ولم يكتفِ بذلك، بل أمر
بنضحه بالماء وكَنْسِه ثم صلى فيه ركعتين متخذًا إياه مسجداً؛ رجاء أن يشهد له
المكان يوم القيامة بنقاء اليد وكمال أداء الأمانة(9).
وفي زمننا
الحاضر، لا يحتاج المجتمع فقط إلى أصحاب المناصب والوجاهة، بل إلى أصحاب الرسالة؛
أولئك الذين يجعلون من علمهم وخبرتهم ومالهم ووقتهم أدوات للإصلاح والخدمة العامة،
فكل إنسان يستطيع أن يبني دائرة أثره الخالدة، ولو كانت صغيرة، إذا جعل من وجوده
ومواقفه إضافة حقيقية لمن حوله.
كيف يتفوق الذكر الباقي على زوال المال؟
تظل شخصية أسماء
بن خارجة مثالًا على أن القيادة ليست مجرد قدرة على الأمر والنهي، بل قدرة على حمل
هموم الناس وصناعة الثقة بينهم، وقد بالغ الشعراء في وصف عظماء قومهم، لكن وراء
تلك المبالغات معنى تاريخيًا مهمًا؛ أن المجتمعات تحفظ أسماء الذين جعلوا من
مكانتهم بابًا للخير.
فالمال يزول، والمناصب تتغير، أما الأثر الذي يتركه الإنسان في النفوس فيبقى حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
الهوامش
- 1 أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري أبو حسان (ت 66 هـ/ 686م)، سيد غطفان في عصره، ومن أشراف العرب وسادتهم في الكوفة، عُد من أجواد أهل الإسلام وأحد كرام العرب وحلمائهم المشهورين، ولد قبل البعثة على أرجح الأقوال واشتهر شعره بجزالة الملوك ونعيمهم، وهو والد هند زوجة الحجاج بن يوسف، ومالك بن أسماء أحد ولاة الحجاج، عُرف بسخائه المفرط وقصصه في الكرم ومنها إهداؤه جارية حليلة لشاب غريب، وله وصية شهيرة في الأدب العربي لابنته هند عند زواجها تحثها فيها على حسن التبعل وترك المعاتبة والغيرة ليدوم الود، وخلف إرثاً من الأخبار والمواقف التي خلدت جوده وحكمته.
- 2 سير أعلام النبلاء (3/ 536).
- 3 صفة الصفوة (2/ 96).
- 4 التفسير الكبير (31/ 186).
- 5 رواه البخاري (3383)، ومسلم (2378).
- 6 هذه القصيدة من أجمل ما قاله الفرزدق، ومن أجمل ما مدح به زين العابدين، ويمكنك قراءة القصيدة بتمامها على موقع «الديوان».
- 7 رواه البخاري (5767)، ومالك (الموطأ- رواية أبي مصعب الزهري) (2074)، وابن حبان (5795)، واللفظ لهم.
- 8 سير أعلام النبلاء (4/ 526).
- 9 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 81)، بتصرف يسير.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً