العمل الخيري.. بين سمو الرسالية ومهاوي البيروقراطية
الحمد لله الذي
جعل الإحسان من أجلِّ القربات، وربط بين الإيمان به والإحسان إلى عباده، وفتح
أبواب الأجر لمن جعل حياته رحمة للناس، فقال سبحانه: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ
عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) (المزمل: 20)، والصلاة
والسلام على سيدنا محمد، الذي جعل خدمة الخلق طريقًا إلى مرضاة الخالق، فقال: «أحب
الناس إلى الله أنفعهم للناس»(1)، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه
إلى يوم الدين، وبعد.
قيمة العمل الخيري في التصور الإسلامي والواقع
لم تعرف أمةٌ من
الأمم مؤسسةً اجتماعيةً تُضاهي ما صنعه الإسلام في بناء منظومة التكافل والإحسان؛
فقد أقامها على العقيدة قبل الأنظمة، وعلى الإيمان قبل القوانين، وربطها برقابة
السماء قبل رقابة البشر، حتى غدت الزكاة ركنًا من أركان الدين، والصدقة بابًا من
أبواب البر، والوقف مدرسةً حضاريةً امتد أثرها قرونًا، وكفالة اليتيم طريقًا إلى
مرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، والسعي في قضاء حوائج الناس عبادةً
يتقرب بها المؤمن إلى ربه كما يتقرب بالصلاة والصيام.
ولم يكن العمل
الخيري في التصور الإسلامي مجرد نشاط اجتماعي يعالج آثار الفقر والعوز، وإنما كان
وسيلةً لبناء الإنسان، وصناعة المجتمع، وتحقيق معاني الأخوة والإيمان، وتجسيدًا
عمليًّا لقوله تعالى: (إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، وقوله سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2).
ولذلك لم يكن
العامل في بيت المال، أو القائم على أموال الزكاة، أو المشرف على الأوقاف، أو راعي
الأيتام، ينظر إلى نفسه موظفًا يؤدي ساعات عمل تنتهي بانتهاء الدوام، وإنما كان
يرى نفسه مُؤتمَنًا على حق الله، وحارسًا لحقوق الفقراء، وخادمًا لعباد الله، يحمل
رسالةً لا وظيفة، ويؤدي أمانةً لا مهنة، ويوقن أن ما يجري على يديه من خيرٍ هو
فضلٌ من الله وابتلاء له قبل أن يكون تكريمًا أو منصبًا.
ومن هنا بقيت
مؤسساتُ الخير في الحضارة الإسلامية قرونًا طويلة تؤدي رسالتها بثقة المجتمع
وعدالة الإدارة ونقاء المقصد، حتى أصبحت الأوقاف الإسلامية إحدى أعظم المؤسسات
المدنية في التاريخ، تحفظ العلم، وتكفل الفقراء، وتعالج المرضى، وترعى الأرامل
والأيتام، وتنفق على طلاب العلم، وتسد ثغور المجتمع دون ضجيج أو استعراض.
ظاهرة الروتين الإداري تهدد رسالية العمل الخيري
غير أن الناظر
في واقع عدد غير قليل من المؤسسات الخيرية في زماننا يلحظ ظاهرةً مقلقةً أخذت
تتسلل إليها شيئًا فشيئًا، حتى كادت تصبح من أخطر التحديات التي تواجه العمل
الخيري المعاصر، وهي أن الرسالة التي انطلقت يومًا من حرارة الإيمان أخذت تبرد تحت
وطأة الروتين الإداري، وأن العبادة التي كانت تحرك القلوب تحولت في بعض البيئات
إلى إجراءات مكتبية، ولوائح تنظيمية، ومعاملات رتيبة، حتى أصبح بعضُ العاملين لا
يرى أمامه إلا ملفاتٍ وأرقامًا وتقاريرَ وإحصاءاتٍ، بينما يغيب عن وعيه أن وراء كل
ملف أسرةً تنتظر، ووراء كل معاملة يتيمًا يرجو، ووراء كل توقيع مريضًا يتألم،
ووراء كل قرار دعوةً قد ترفع إلى السماء، أو شكوى قد يقف بسببها بين يدي الله عز
وجل.
وهنا تكمن
خطورةُ هذه الظاهرة؛ لأنها لا تبدأ بانحراف مالي، ولا بفساد إداري، وإنما تبدأ
بانطفاء الشعور بالرسالة، فإذا ذبلت الروح سهل على الجسد أن يضعف، وإذا فقد العملُ
معناه الإيماني تحول بالتدريج إلى وظيفة تؤدَّى بأقل قدر ممكن من الجهد، ثم لا
يلبث أن تظهر آثارُ التهاون، ويغيب الإحسان، وتضعف الرقابة الذاتية، حتى يجد
الشيطانُ إلى النفوس سبيلًا، فتقع صور من المحاباة، أو المجاملة، أو التقصير، أو
استغلال النفوذ، وربما انتهى الأمر -عند من ضعفت أمانته- إلى الفساد المالي أو
الإداري، مع أن الأموال التي يتصرف فيها ليست أموالَ مؤسسةٍ فحسب، وإنما هي حقوقٌ
للفقراء والمساكين والأيتام، وأمانات أودعها أصحابُها ثقةً بالله ثم ثقةً
بالقائمين عليها.
ومن هنا، فإن
الحديث عن إصلاح العمل الخيري لا ينبغي أن ينحصر في تطوير اللوائح، أو تحديث
الأنظمة الإلكترونية، أو رفع كفاءة الأداء الإداري، مع أهمية ذلك كله، وإنما يبدأ
أولًا بإحياء الروح التي من أجلها وُجدت هذه المؤسسات، وإعادة وصلها بمنابعها
الإيمانية، حتى لا تتحول إلى أجهزة إدارية باردة، تؤدي أعمالها بإتقان شكلي، بينما
تفقد المعنى الذي يمنحها الحياة والتأثير والبركة.
العمل الخيري عبادة تتجاوز صاحبَها إلى الأمة كلها
من أعظم ما
يحتاج إليه العاملون في مؤسسات الزكاة والجمعيات الخيرية أن يجددوا فهمهم لحقيقة
العمل الذي يقومون به؛ لأن كثيرًا من مظاهر الفتور تنشأ من نسيان طبيعة الرسالة،
لا من صعوبة العمل نفسه؛ فالذي يظن أنه مجرد موظف يستقبل الطلبات ويوقع المعاملات
لن يجد في نفسه الدافع الذي يجده من يستشعر أنه قائم على عبادة من أجلِّ العبادات،
وأن الله سبحانه اصطفاه ليكون واسطةً في إيصال الخير إلى عباده، وأن كل ابتسامة
يرسمها على وجه يتيم، وكل دمعة يمسحها عن خدِّ أرملة، وكل دواء يُوصله إلى مريض،
وكل دَيْن يقضيه عن مُعسر، وكل مشروع ينقذ أسرةً من الحاجة، قد يكون سببًا في
نجاته يوم يقف بين يدي الله تعالى.
لقد امتلأ
القرآنُ الكريم بالثناء على أهل البذل والإحسان، وربَط بين الإيمان والإنفاق ربطًا
وثيقًا، فقال سبحانه: (لَيْسَ
الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ
الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..، وَآتَى الْمَالَ عَلَى
حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ
وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) (البقرة: 177)، وجعل سبحانه الإنفاق
تجارةً رابحة لا تعرف الخسارة، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ
تَبُورَ) (فاطر: 29)، ومدح أهل الإيثار بقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ) (الحشر: 9)، ووعد المنفقين بالخَلَف والبركة فقال: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ
فَهُوَ يُخْلِفُهُ) (سبأ: 39).
وجاءت السُّنة
النبوية فوسعت مفهوم العبادة حتى جعلت خدمة الناس من أحب الأعمال إلى الله تعالى،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب
الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه
دينًا، أو تطرد عنه جوعًا..»(2)، وقال صلى الله عليه وسلم: «والله في
عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»(3)، وقال: «من كان في حاجة أخيه
كان الله في حاجته»(4)، وقال في كفالة اليتيم: «أنا وكافل اليتيم في
الجنة هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى(5).
بين العبادات اللازمة المتعدية
ومن هنا قرر
العلماء أن الأعمال التي يتعدى نفعها إلى الناس أعظم أجرًا من كثير من الأعمال
التي يقتصر نفعها على صاحبها؛ لأن مقصود الشريعة ليس صلاح الفرد وحده، وإنما صلاح
الأمة كلها؛ ولهذا كان تعليم العلم، وإصلاح ذات البين، وقضاء الحاجات، وكفالة
المحتاجين، وحفظ مصالح المسلمين، من أجلِّ القربات وأعظمها ثوابًا؛ إذ يجتمع فيها
حقُّ الله وحق عباده، وتتضاعف آثارها بقدر ما يتعدى نفعها إلى الناس، وقد أشار
الإمام ابن القيم إلى هذا المعنى في مواضع من مفتاح دار السعادة، مبينًا أن نفع
الخلق من أحب الأعمال إلى الله إذا اقترن بالإخلاص وحسن القصد.
وإذا كان هذا هو
مقام العمل الخيري في ميزان الشريعة، فإن العامل فيه ينبغي أن يستحضر كل صباح أنه
لا يدخل إلى مؤسسة، وإنما يدخل إلى ميدان عبادة، ولا يجلس خلف مكتب، وإنما يقف على
ثغر من ثغور الأمة، وأن الملفات التي بين يديه ليست أوراقًا صامتة، بل هي أمانات سيسأله
الله عنها، وأن دقائق عمله قد تتحول إلى حسنات جارية إذا خلصت النية، كما قد تتحول
-والعياذ بالله- إلى خصومات يوم القيامة إذا خان الأمانة أو فرط في حقوق
المستضعفين، ومن هنا يبدأ الطريق الحقيقي لاستعادة روح العمل الخيري؛ إذ لا يمكن
أن تعود الرسالة إلى المؤسسات حتى تعود أولًا إلى القلوب.
حين تغيب المقاصد تبدأ البيروقراطية في ابتلاع الرسالة
إذا كانت لكل
عبادة في الإسلام مقاصدُها التي تمنحها الحياة، وتحفظها من أن تتحول إلى طقوس
خاوية، فإن للعمل الخيري كذلك مقاصدَ كبرى لا يجوز أن تغيب عن وعي القائمين عليه؛
لأنها ليست مجرد معانٍ وعظية تُذكر في الخطب، وإنما هي المعايير الحاكمة التي
تُقاس بها سلامة المؤسسة، وصحة قراراتها، ونجاح برامجها، ونزاهة العاملين فيها،
فليس نجاح المؤسسة في كثرة فروعها، ولا في ضخامة ميزانيتها، ولا في عدد موظفيها،
ولا في كثرة تقاريرها السنوية، وإنما نجاحها الحقيقي في مقدار اقترابها من المقاصد
التي شرع الله العمل الخيري لتحقيقها.
وأول هذه
المقاصد: تحقيق العبودية لله تعالى بالإحسان إلى خلقه؛ فالإحسان في الإسلام ليس
غاية اجتماعية مجردة، بل هو عبادة يقصد بها وجه الله؛ ولذلك قال سبحانه في وصف
عباده الصالحين: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً {9} إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا
يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) (الإنسان)، فكل عمل خيري ينفصل عن هذا المقصد يتحول بالتدريج إلى
نشاط مؤسسي قد يحقق بعض المنافع الدنيوية، لكنه يفقد البركة التي تنشأ من الإخلاص
لله تعالى.
والمقصد الثاني
حفظ كرامة الإنسان، فإن الإسلام لم يرد من الصدقة أن تُشعر الفقير بضعفه، وإنما
أراد أن تحفظ له إنسانيته، وأن تعينه على الحياة الكريمة؛ ولذلك امتن الله على
المؤمنين بقوله: (وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70)، فكل إجراء إداري يهين المحتاج، أو
يرهقه بكثرة المراجعات، أو يجعله يقف ساعاتٍ طويلةً من أجل معونة يسيرة، أو يعامله
بشيء من التعالي أو الجفاء، هو في الحقيقة انحراف عن مقصد شرعي أصيل، ولو كان
مستندًا إلى لائحة أو نظام.
والمقصد الثالث
تحقيق التكافل الاجتماعي، حتى يبقى المجتمع جسدًا واحدًا، كما قال النبي صلى الله
عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه
عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(6)، فإذا أصبحت المؤسسة
الخيرية تنظر إلى نفسها بوصفها جهازًا إداريًّا مستقلًّا عن المجتمع، فقد فقدت
جزءًا كبيرًا من رسالتها؛ لأن مهمتها ليست توزيع الأموال فحسب، وإنما بناءُ جسور
الرحمة بين أفراد الأمة.
أما المقصد
الرابع فهو تحقيق العدالة في إيصال الحقوق إلى مستحقيها، فالزكاة ليست منحة من
أحد، وإنما هي حقٌّ جعله الله للفقراء، قال سبحانه: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (الذاريات:
19)، ومن هنا كانت العدالة في توزيع الموارد، والشفافية في اتخاذ القرار،
والمساواة بين المستحقين، من صميم المقاصد الشرعية، وليست مجرد مبادئ إدارية
حديثة.
وأما المقصد
الخامس فهو بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات؛ لأن الثقة رأس مال العمل الخيري،
فإذا ضعفت الثقة انقطع العطاء، وانكمش الوقف، وتردد المتبرعون، وضاعت مصالح
الفقراء قبل غيرهم؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في عمال الصدقات: «من
استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة»(7)،
حتى يبقى المال العام مصونًا، وتبقى ثقة الأمة محفوظة.
ولهذه المقاصد
جميعًا حاكمية ومعيارية لا يجوز تجاوزها؛ فهي الحَكَم على الأنظمة، وليست الأنظمة
حَكَمًا عليها، وهي الميزان الذي توزن به اللوائح، لا العكس، فقد تكون اللائحة
صحيحة من الناحية الإدارية، لكنها إذا أفضت إلى تعطيل حق فقير، أو إذلال محتاج، أو
تأخير علاج مريض، أو تعقيد وصول الزكاة إلى أهلها، فإنها تحتاج إلى مراجعة في ضوء
مقاصد العمل الخيري التي ذكرناها؛ لأن الشريعة لم تَشْرَعِ الوسائلَ لذاتها، وإنما
شرعتها لتحقيق غاياتها.
ومن هنا ينبغي
أن يكون السؤالُ الدائم في كل اجتماع إداري: هل حقق هذا القرارُ مقاصدَ العمل
الخيري؟ وهل قربنا من الفقير أم أبعدناه؟ وهل يسَّرنا وصول الخير أم عقَّدناه؟ وهل
حافظنا على كرامة المستفيد أم أرهقناه؟ وهل عززنا ثقة المجتمع أم أضعفناها؟ فإذا
أصبحت هذه الأسئلة حاضرة في صناعة القرار، استعادت المقاصدُ سلطانها، وعادت
الإدارةُ خادمةً للرسالة، لا حاكمةً عليها.
من الروتين إلى الفساد.. رحلة تبدأ بخطوة صغيرة
إن الفساد
المالي والإداري لا يُولَد فجأة، ولا يظهر في المؤسسات بين عشية وضحاها، وإنما يمر
بمراحلَ متدرجةٍ، تبدأ جميعُها من غياب الشعور بأن العمل عبادة وأمانة؛ فحين يعتاد
الموظفُ رؤية الفقراء كل يوم، قد يفقد تدريجيًّا إحساسَه بمعاناتهم، وحين تتكرر
الملفاتُ على مكتبه، قد تتحول في نظره إلى أرقام لا إلى بشر، وحين تغيب المجالسُ
الإيمانية، ويقل التذكير بالله، ويطغى الحديث عن الإجراءات والميزانيات والمؤشرات،
يبرد القلب شيئًا فشيئًا، ويصبح النجاحُ الإداري هو الغاية، لا خدمة الإنسان.
ثم تأتي مرحلةٌ
أخطر، وهي أن تتقدم مصلحة المؤسسة على مصلحة المستفيد، فتكثر التعقيدات، وتتضخم
الإجراءات، ويصبح الحفاظُ على النظام أهمَّ من إيصال الحق إلى صاحبه، مع أن النظام
إنما وضع لخدمة المقصد، لا لمنافسته، وبعد ذلك قد تتسلل أمراض النفوس؛ فيظهر
التمييز بين الناس، أو المحاباة، أو تقديم الأقارب، أو استغلال المنصب، أو قبول
الهدايا، أو التساهل في مراقبة المال العام، حتى ينتهي الأمر إلى صور من الفساد،
تختلف درجاتها، لكنها تشترك جميعًا في أنها بدأت يوم غابت الرسالة وحضرت الوظيفة.
وهذا يفسر لنا
أن كثيرًا من المؤسسات التي وقعت في أزمات مالية لم يكن سببُ سقوطها ضعف المحاسبة
وحده، وإنما ضعف الوازع الإيماني قبل ذلك؛ لأن الرقابة الخارجية مهما بلغت دقتها
لا تستطيع أن ترافق الإنسان في خلواته، بينما رقابةُ الله تعالى لا تغيب عنه لحظة
واحدة؛ ولذلك قرن القرآن بين أداء الأمانة وتقوى الله، فقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: 58)، وقال بعدها
مباشرة: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ
سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58)؛ ليبقى الشعور برقابة الله حاضرًا قبل
رقابة الناس.
استعادة الرسالة تبدأ بإحياء القلب لا بتغيير اللوائح
ولئن كانت
الأنظمةُ الرشيدة، والحوكمة، والشفافية، والمراجعة المالية، والتقويم المؤسسي،
كلُّها وسائل لا غنى عنها، فإنها تظل عاجزةً عن صناعة الرسالة إذا فقدت المؤسسة
قلبها الإيماني؛ ذلك أن أول طريق للإصلاح يتجسد في عودة العاملين إلى استشعار أنهم
أمناء على عبادة، لا موظفون في إدارة، وأن المال الذي بين أيديهم ليس رصيدًا
ماليًّا، وإنما هو حق للفقراء، وأن توقيعهم على معاملة قد يكون سببًا في تفريج
كربة كتب الله لهم بها من الأجر ما لا يخطر لهم على بال.
ومن هنا ينبغي
أن تجعل المؤسسات الخيرية من تجديد الإيمان جزءًا من بنيتها المؤسسية، فلا يقتصر
تدريب العاملين على المهارات الإدارية، بل يصاحبه بناءٌ روحيٌّ دائم، من خلال
مجالس القرآن، ومدارسة النصوص الواردة في الأمانة والإحسان، والتذكير المستمر
بمقاصد الزكاة والوقف والصدقة، واستحضار سِيَرِ الأمناء من سلف الأمة، حتى تبقى
الروح حية، ولا تتحول المؤسسة إلى آلة إدارية ضخمة فقدت قلبها.
كما ينبغي أن
تخضع الأنظمةُ نفسُها لمراجعة مقاصدية دورية، فلا يكتفى بالسؤال عن سلامتها
القانونية، بل يُسأل كذلك عن مدى خدمتها لمقاصد العمل الخيري، وعن أثرها في حفظ
كرامة المستفيد، وسرعة إيصال الحقوق، وتعزيز الشفافية، وبناء الثقة؛ فكل نظام لا
يخدم هذه المقاصد يحتاج إلى تطوير، مهما بدا مُتقَنًا من الناحية الإدارية.
إذا عادت الرسالة.. عاد الخير مضاعفًا
وحين تستعيدُ
مؤسساتُ الزكاة والجمعيات الخيرية رسالتَها الأولى، لن يكون المكسب مجرد انخفاض
معدلات الفساد، ولا تحسن الأداء الإداري فحسب، بل ستُولَدُ من جديدٍ الثقةُ بين
المجتمع ومؤسساته، ويُقبل الناس على البذل وهم مطمئنون إلى أن أموالهم تصل إلى
مستحقيها، ويعمل الموظفون بروح المحتسبين لا بروح المؤدين للواجب، ويشعر الفقيرُ
أنه يتعامل مع إخوان يُكْرمونه، لا مع جهاز إداري يُنجز معاملته، وتتحول المؤسسة
من مركز لتوزيع المساعدات إلى منارة للرحمة، ومصنع للقيم، ومدرسة للإحسان.
وحينئذ يتحققُ المقصدُ الذي أراده الإسلامُ منذ البداية، وهو أن يكون العمل الخيري شاهدًا على حياة الإيمان في الأمة، ودليلًا على أن الرحمة ليست شعارًا يرفع، وإنما خُلقًا يُعاش، وأن الزكاة والصدقة والوقف ليست موارد مالية فحسب، وإنما أدواتٌ لبناء الإنسان، وإحياء الضمير، وصناعة مجتمع يتقرب إلى الله بخدمة عباده، حتى يصدق فيه قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»(8).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً