بعد 78 عاماً من زرع الكيان الصهيوني..
هل تنجح الشعوب الغربية في التكفير عن خطيئة حكوماتها؟
قبل 78 عاماً، لم يكن الفلسطيني وحده من
يدفع ثمن إقامة الكيان الصهيوني؛ بل كان التاريخ نفسه يُكتب بحبر القوة والغلبة،
فوق أرض اقتُلعت منها ذاكرة شعب كامل، يومها، منحت الحكومات الغربية الغطاء السياسي،
والسلاح والاعتراف، لكي يُزرع كيان غريب في قلب الجسد الفلسطيني، باعتباره حارساً
لمصالح استعمارية ممتدة.
لكن ما بعد السابع من أكتوبر بدا
مختلفاً؛ فبينما واصلت الحكومات الكبرى انحيازها التقليدي، أخذت شعوب غربية كثيرة
تسأل أسئلة مؤجلة: ماذا فعلنا؟ وأي جريمة صمتٍ نشارك فيها؟ من شوارع لندن ومدريد،
إلى مدرجات الجامعات الأمريكية، مروراً بمواقف مشاهير وفنانين ورياضيين، بدا وكأن
ضميراً غربياً متأخراً يحاول أن يراجع روايته القديمة، أو ربما يكفّر عن خطيئة
تاريخية لم يتوقف نزيفها حتى الآن.
السؤال الذي يطرحه هذا الموضوع ليس
عاطفياً، وإنما تاريخي: هل بدأت الشعوب الغربية التكفير عن خطيئة حكوماتها؟
حراك جامعي دعما لغزة
في أبريل 2024م، نصب طلاب جامعة كولومبيا
الأمريكية خيامهم في الحرم الجامعي، لم يكونوا يعلمون أن خيامهم ستُشعل حريقاً لا
يُطفأ.
ففي أسابيع، امتدت الاحتجاجات إلى أكثر
من 140 حرماً جامعياً في 45 ولاية أمريكية، ثم قفزت متجاوزة الأطلسي لتشمل كبرى
الجامعات الأوروبية، ثم وصلت إلى اليابان وكوريا والصين وجامعات ماليزيا
وإندونيسيا وباكستان.
حراك طلابي عالمي لم تشهده الجامعات منذ
احتجاجات الثمانينيات ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
المطالب كانت واضحة: وقف الحرب على غزة،
وسحب استثمارات الجامعات من شركات الأسلحة، وقطع التعاون الأكاديمي مع المؤسسات «الإسرائيلية».
وبالوضوح نفسه جاء الرد أيضاً، حيث
اعتُقل أكثر من 2800 طالب وعضو هيئة تدريس في الولايات المتحدة خلال شهر واحد،
ودخلت الشرطة إلى الحرم الجامعي، وفُرضت عقوبات على ناشطين، لكن الاحتجاجات لم
تتوقف.
حراك طلابي وفني ورياضي يفتح أسئلة العدالة والذاكرة
في جامعة ييل، وقّع أكثر من ألفي خريج وثيقة
توقف فيها عن التبرع للجامعة حتى تسحب استثماراتها من شركات السلاح، وجاءتها في
الوقت ذاته أكثر من 3 آلاف خطاب تطالب بالأمر نفسه.
وفي جامعة كامبريدج البريطانية، مزّق
طلاب لوحة زيتية أصلية لآرثر بلفور، صاحب الوعد المشؤوم، تعود إلى عام 1914م، وفي
جامعة مانشستر، سُرق تمثالان نصفيان لحاييم وايزمان، أول رئيس للكيان الصهيوني.
وكأن الأجيال التي ستقود الغرب غداً في
السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة قررت اليوم أين تقف.
أصوات جريئة داعمة لفلسطين
لم يقتصر الصوت على الطلاب؛ فرموز غربية
من عوالم مختلفة تماماً رفعت صوتها كذلك بجرأة لافتة.
بيب جوارديولا، أشهر مدرب كرة قدم في
العالم الآن، لم يترك مناسبة دون أن يرتدي الكوفية الفلسطينية ويُعلنها صريحة: «ما
نشاهده في غزة مؤلم للغاية، رأيت طفلاً يصرخ وسط الركام: أين أمي؟ وهو لا يزال لا
يفهم ما الذي يحدث! دائماً أفكر: ماذا يشعر الأطفال؟ أعتقد أننا تركناهم وحدهم»،
كلمات قالها المدرب الأشهر أمام ملايين المشجعين، في إنجلترا وإسبانيا وعبر
العالم.
فنانون ورياضيون يتمردون.. ودول أوروبية تعيد النظر في دعم
الاحتلال
لامين يامال، نجم برشلونة الصاعد،
المولود لأب مغربي وأم غينية، رفع علم فلسطين خلال احتفالات الفريق بلقب الدوري
الإسباني، اللقطة انتشرت في ثوانٍ، الإعلام «الإسرائيلي» هاجمه، وطالب بمعاقبته،
لكن جمهور برشلونة ورئيس وزراء إسبانيا نفسه دافع عنه، وبقيت اللقطة.
تاكر كارلسون، الإعلامي الأمريكي الأكثر
إثارة للجدل، قال ما لم يقله كثيرون في الإعلام الأمريكي: «زرت أطفالاً جرحى من
غزة في الدوحة في ديسمبر 2025م، وما رأيته صادم ومروّع، الهجوم على المدنيين مقزّز
وسيقضي على سمعة أمريكا، أعضاء الكونغرس يفضلون مصالح «إسرائيل» على مصالح
ناخبيهم، حان الوقت لإعادة النظر في هذه العلاقة».
وعلى منصة يوروفيجن 2026 في فيينا، أكبر
مهرجان غنائي أوروبي، قاطعت 5 دول مشاركتها احتجاجاً على وجود «إسرائيل»؛ إسبانيا
وأيرلندا وسلوفينيا وهولندا وآيسلندا، ووقّع أكثر من 1100 فنان رسالة مفتوحة تطالب
باستبعادها، مقارنين صراحةً بمنع روسيا من المشاركة عام 2022 بعد غزوها أوكرانيا.
إدانة دولية للجرائم الإسرائيلية
على المستوى الرسمي، بدأ المشهد يتغير
أيضاً، ببطء لكن بثبات؛ فقد وصل عدد الدول المعترفة بفلسطين إلى 159 دولة من أصل
193؛ أي أكثر من 81% من دول العالم.
وفي عامَي 2024 و2025م، أعلنت إسبانيا
والنرويج وأيرلندا وسلوفينيا اعترافها رسمياً بالدولة الفلسطينية، وعلّقت بريطانيا
وكندا وأستراليا بعض أوجه تعاونها مع الكيان.
وكان أشجع موقف رسمي هو ما قامت به جنوب
أفريقيا، التي عاشت الفصل العنصري وتعرف معناه، حين رفعت قضيتها أمام محكمة العدل
الدولية، ثم أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق نتنياهو، ووزير
دفاعه جالانت.
كذلك هناك موقف رئيس الوزراء الإسباني
بيدرو سانشيز، الذي لم يكتفِ بالاعتراف، بل قاد موقفاً أوروبياً مناهضاً، داعياً
إلى تعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية «الإسرائيلية»، ومعلناً: «القانون الدولي
يُنتهك بشكل صارخ من دولة واحدة، لن أتراجع عن مواقفي»، فردّ الكيان بتصنيفه «معادياً
للسامية».
إن الخطيئة لا تُغفر بالصمت، ففي 14 مايو
1948م، اتخذت حكومات قرارات دون أن تسأل شعوبها وعلى مدى 78 عاماً دفع الفلسطينيون
الثمن بالأرض والدم والذاكرة.
اليوم، تتحرك الشعوب دون إذن حكوماتها،
طلاب في الجامعات، ومدربون في الملاعب، وفنانون على المسارح، وقضاة في محاكم دولية،
ونخب ثقافية تناضل بأقلامها، صوت يتصاعد ويقول بلغات مختلفة كلمة واحدة: ما جرى
كان خطأ.
لكن السؤال: هل هذا يكفي؟ لا.. ما دامت
غزة تُقصف ولا تزال، لكنه يقول شيئاً مهماً: التاريخ لا يسير في خط مستقيم، والظلم
الذي يُظن أنه استقر يبدأ في التصدع حين تقرر الشعوب أن تتذكر، 78 عاماً من
الخطيئة لا تُمحى بالصمت، وإنما تُمحى بالموقف.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً