السياحة المستدامة.. خارطة طريق جديدة للنمو الاقتصادي
السياحة واحدة
من أسرع الصناعات نموًا في العالم، وشريانًا حيويًا لاقتصادات العديد من الدول،
ومصدرًا رئيسا للعملة الأجنبية والدخل وفرص العمل، إلا أن الأزمات المتتالية، من
الجوائح الصحية إلى التحديات الجيوسياسية، كشفت عن هشاشة هذا القطاع التقليدي
وحاجته الماسة إلى إعادة التفكير في نماذج نموه، وهنا برزت السياحة المستدامة كحل
واعد، ليس فقط للتعافي، ولكن لارتباطه ارتباطاً وثيقًا بالرفاه الاجتماعي والاقتصادي
والبيئي للعديد من البلدان، ولتأسيس نموذج نمو أكثر مرونة وعدالة واستدامة.
من
السياحة التقليدية إلى الاستدامة
لم تعد
الاستدامة مجرد خيار أخلاقي، بل أصبحت ضرورة اقتصادية ملحة، وسياح اليوم أصبحوا
أكثر وعيًا بالبيئة والقضايا الاجتماعية، ويبحثون عن تجارب أصيلة ومسؤولة،
تُعَرَّف السياحة المستدامة بأنها السياحة التي تأخذ بعين الاعتبار الآثار
الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الكاملة الحالية والمستقبلية، وتلبي احتياجات
الزوار والصناعة والبيئات والمجتمعات المضيفة(1)؛ بما يعني أن
الاستثمار في السياحة المستدامة يعني الاستثمار في القدرة التنافسية للبلد المُضيف
على المدى الطويل.
تشير تقارير
منظمة السياحة العالمية (UNWTO) إلى أن 70% من المسافرين حول العالم
يعتبرون الاستدامة عاملاً مهمًا عند اختيار وجهاتهم السياحية، هذا التوجه ليس مجرد
نزعة عابرة؛ فوفقًا لتقرير صادر عن «Booking.com» للسفر المستدام في عام 2024م، أن 83% من المسافرين يبحثون عن
خيارات سفر مستدامة(2)، هذا الطلب المتزايد يُترجم إلى فرص اقتصادية
حقيقية للبلدان التي تتبنى هذه المبادئ.
لا تشير السياحة
المستدامة إلى نوع محدد من السياحة، وبالتالي فهي تختلف عن السياحة البيئية التي
تعد قطاعاً متخصصاً من السياحة في المناطق الطبيعية، حيث يكون الدافع الرئيس
للسائح مراقبة ورصد الآثار البيئية، والثقافات التقليدية، والحفاظ على الطبيعة
والتراث الثقافي للنباتات والحيوانات الأولية، ودعم وحماية المناطق الطبيعية
المستخدمة كمناطق جذب سياحي، وقد قُدر حجم سوق السياحة البيئية العالمية في عام
2024م بنحو 260.76 مليون دولار(3).
تساهم السياحة
المستدامة في:
- الحفاظ على
الموارد الطبيعية والثقافية وضمان استمرارية الجذب السياحي للأجيال القادمة.
- تعزيز الدخل
المحلي وخلق فرص عمل عادلة وتوزيع الفوائد الاقتصادية على المجتمعات المحلية.
- تحسين جودة
حياة السكان من خلال تطوير البنية التحتية والخدمات.
- جذب شريحة
جديدة من السياح، الذين يقدرون القيم البيئية والاجتماعية، ويعتنون بمفهوم السفر
المسؤول الذي يعني سلوك وأسلوب كل مسافر، وما تتوافق معه هذه السلوكيات من إحداث
تأثير إيجابي على الوجهة.
دول
عربية رائدة في التحول نحو السياحة المستدامة
تعتمد العديد من
الدول العربية بشكل كبير على السياحة، وتسعى لتحقيق تنمية مستدامة؛ لذا بدأت في
تبني إستراتيجيات طموحة لتعزيز السياحة المستدامة:
1- المملكة
العربية السعودية: تُعد السعودية مثالًا بارزًا على الالتزام بالسياحة المستدامة
ضمن رؤية 2030م، فالمشاريع العملاقة مثل مشروع البحر الأحمر (Red Sea Project) ونيوم (NEOM) تتجاوز كونها مجرد وجهات سياحية فاخرة،
وإنما هي نماذج للتنمية المستدامة المتكاملة.
- مشروع البحر
الأحمر: يهدف المشروع إلى أن يكون أحد أكثر الوجهات السياحية استدامة في العالم؛
حيث يعتمد على الطاقة المتجددة بنسبة 100%، ويهدف إلى تقليل انبعاثات الكربون
بمقدار 500 ألف طن سنويًا، يطبق المشروع معايير صارمة للحفاظ على الشعاب المرجانية
والتنوع البيولوجي البحري، ويتوقع أن يضيف 28 مليار ريال سعودي (حوالي 7.5 مليارات
دولار أمريكي) إلى الناتج المحلي الإجمالي للمملكة عند اكتماله، كما يركز على
توفير ما يقرب من 70 ألف فرصة عمل مجتمعية وتمكين الكوادر المحلية، ما يجعله أحد
النماذج الرائدة عالميًا في تحقيق أثر بيئي إيجابي ملموس(4).
- نيوم: مدينة
المستقبل التي تضع الاستدامة في صميم تصميمها، من البنية التحتية الخضراء إلى
النقل الذكي، مع الاعتماد على الطاقة المتجددة، وأنظمة نفايات دائرية مصممة للعمل
دون التأثير على البيئة، وتهدف إلى جذب الاستثمارات في قطاعات الاقتصاد الأخضر(5).
2- الإمارات
العربية المتحدة: تُواصل الإمارات جهودها في دمج الاستدامة في قطاع السياحة، حيث
أصبحت مدينتي دبي وأبو ظبي مراكز للسياحة المسؤولة:
- دبي: تعمل دبي
على توفير تجارب سياحية مستدامة، كما تستضيف فعاليات عالمية تركز على الاستدامة
وتطبق العديد من المبادرات مثل الفنادق صديقة البيئة ومعايير الأبنية الخضراء، في
عام 2023م أظهرت الإحصاءات أن أكثر من 50% من الفنادق في دبي قد حصلت على شهادات
الاستدامة أو تطبق ممارسات صديقة للبيئة، كما تعمل دبي على تقليل بصمتها الكربونية
في قطاع السياحة وتشجيع الزوار على الممارسات المسؤول، وتعد إستراتيجية دبي لتعزيز
السياحة المستدامة من أبرز الجهود التي تقوم بها للحفاظ على البيئة والثقافة
المحلية.
- أبوظبي: تركز
على السياحة البيئية والحفاظ على الحياة البرية، من خلال محميات طبيعية مثل محمية
الوثبة للأراضي الرطبة، وتطوير منتجعات بيئية تلتزم بأعلى معايير الاستدامة، أظهرت
بيانات هيئة البيئة في أبوظبي زيادة في عدد الزوار للمحميات الطبيعية بنسبة 37% في
عام 2023م، مقارنة بعام 2022م، حيث استقطبت المحميات حوالي 111 ألف و594 سائح(6).
3- جمهورية مصر
العربية: تتجه مصر بقوة نحو تعزيز مفهوم السياحة المستدامة والخضراء، مدفوعة
بوعيها بأهمية الحفاظ على تراثها الطبيعي والأثري، وذلك من خلال:
- إطلاق وزارة
السياحة والآثار مبادرات لتدريب العاملين في القطاع على الممارسات المستدامة،
وتشجع الفنادق والمنتجعات على الحصول على شهادات الفنادق الخضراء، وتهدف الإستراتيجية
الوطنية للسياحة المستدامة بمصر 2030م إلى الحفاظ على التوازن البيئي واستدامة
النشاط السياحي والأثري، مع تطوير تجارب سياحية لا تضر بالبيئة المحيطة، والعمل
على زيادة حصة الفنادق الخضراء إلى 50% بحلول عام 2030م(7).
- الجهود
المبذولة في مدينة شرم الشيخ كنموذج للسياحة الخضراء والمستدامة، خاصة بعد
استضافتها مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP27) في نوفمبر
2022م، حيث شهدت المدينة تحولاً في البنية التحتية والخدمات لتكون أكثر استدامة،
بما في ذلك زيادة استخدام الطاقة الشمسية وتطوير أنظمة إدارة النفايات؛ ما أدى إلى
جذب استثمارات في مشاريع الطاقة المتجددة بقيمة تقديرية تزيد على 200 مليون دولار
أمريكي.
4- المملكة
الأردنية الهاشمية: تتبنى الأردن نموذجًا متكاملاً يجمع بين السياحة البيئية
والمستدامة اعتمادًا على تنوعها الطبيعي (من الصحاري والمحميات إلى البحر الميت)،
وتراثها التاريخي (مثل البتراء وماديا)، وقد تبنت إستراتيجيات واضحة لتحويل هذه
المقومات إلى نموذج مستدام، مثل:
الإستراتيجية
الوطنية للسياحة المستدامة 2025: التي تهدف إلى رفع مساهمة القطاع في الناتج
المحلي بنسبة 15% في نهاية عام 2025م، مع التركيز على تحويل 20% من الفنادق إلى
معايير البناء الأخضر، وتدريب 5 آلاف شاب وشابة على مهارات السياحة المستدامة، مع
تطبق أنظمة صارمة للحد من النفايات واستخدام الطاقة المتجددة، وتوفر فرص عمل
للسكان عبر السياحة البيئية والحرف اليدوية(8).
التحديات
والفرص المستقبلية
على الرغم من
الإمكانات الواعدة للسياحة المستدامة في الدول العربية، فإنها تواجه بعض التحديات،
منها الحاجة إلى:
- استثمارات
ضخمة في البنية التحتية والممارسات الخضراء.
- تغيير وعي
المستهلكين والمجتمعات المحلية نحو أهمية الاستدامة.
- وضع تشريعات
وسياسات داعمة تضمن التطبيق الفعال لمعايير الاستدامة.
ومع ذلك، فإن
الفرص تفوق التحديات، فالسياحة المستدامة تفتح آفاقًا جديدة للابتكار، وتخلق وظائف
خضراء، وتعزز الصورة الإيجابية للدول كوجهات مسؤولة.
وقد أظهرت دراسة
للبنك الدولي أن السياحة المستدامة يمكن أن تساهم في زيادة النمو الاقتصادي بنسبة
تصل إلى 1.5% سنوياً في بعض الاقتصادات النامية، فهي ليست مجرد اتجاه، بل مستقبل
السياحة، والركيزة التي ستمكن هذا القطاع الحيوي من التعافي والنمو بشكل أكثر
صلابة واستمرارية في عالم متغير.
________________________
(1) Global Sustainable Tourism Council (GSTC)، (2025)، What is Sustainable Tourism? ، Available
at: https://www.gstc.org/what-is-sustainable-tourism
(2) Global Sustainable Tourism Council (GSTC)، (2024), Booking.com Sustainable Travel Report 2024، Available at:
https://www.gstc.org/booking-sustainable-travel-report-2024
(3) Fortune Business Insights, “Ecotourism Market Size
2024-2032”، December 2024، Retrieved
from: https://www.fortunebusinessinsights.com/ecotourism-market-108700
(4) (2025)، Journal of Environmental Management and Tourism، Summer 2025, (Journal of Environmental Management and
Tourism, Volume XVI, Issue 2(78))، Available at
file:///C:/Users/Dell/Downloads/8872-73-19976-1-10-20250531.pdf
(5) NEOM pg، (2025) THE CITY, REIMAGINED: DESIGN FOR A
SUSTAINABLE FUTURE، Available at:
https://www.nature.com/articles/d42473-023-00374-4.pdf
(6) توريزم
ديلي نيوز (2024)، المحميات الطبيعية في أبوظبي تستقطب 111.5 ألف سائح، متاح على:
المحميات
الطبيعية في أبوظبي تستقطب 111.5 ألف سائح – Tourism Daily News
(7) الهيئة
العامة للاستعلامات، (2023)، الاستراتيجية الوطنية للسياحة المستدامة بمصر 2020، متاح
على:
https://www.sis.gov.eg/Story/263614/الاستراتيجية-الوطنية-للسياحة-المستدامة-بمصر-٢٠٣٠?lang=ar
(8) وزارة
السياحة والآثار، (2021)، الخطة الاستراتيجية المؤسسية 2021-2025، متاح على:
https://mota.gov.jo/ebv4.0/root_storage/ar/eb_list_page/الخطة_الاستراتيجية_المؤسسية_2021-2025_.pdf
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً