السُّنة النبوية.. منهج متكامل لاستقرار الأسرة والأبناء
ليست السُّنة
النبوية مجرد عبادات يثاب عليها المرء، بل إن آثارها العظيمة وتمثلاتها القوية في
استقرار الأسرة ودورها العظيم في تعديل سلوك الأبناء حاضرة وبقوة في نصوصها
المروية، وهذا مما يجب التماسه لا سيما في هذه الآونة التي تباينت فيها فلسفات
التربية حد التناقض، فلا معين أصفى من معين الوحي المبارك.
ولأهمية هذا
الموضوع سألنا أسماء الطيب، اختصاصية تعديل السلوك، الاستشارية الأسرية للأمهات
ومؤسسة برنامج «سنا» التربوي، وكانت هذه إجاباتها.
- هل
للسُّنة النبوية أثر تربوي على حياة الفرد والأسرة؟
- التصورات
الصحيحة تحتاج لمفاهيم واضحة تُبني عليها، فحينما يُدرك المرء أن مفهوم السُّنة في
اللغة تعني الطريقة، وأنها في الاصطلاح الشرعي تعني طريقة النبي صلى الله عليه
وسلم في كل نواحي حياته، فهنا يتجلى للعبد أن السُّنة لا يمكن حصرها في النوافل
مثل سنن الصلوات وما شابه، ولكن يجب التعامل معها على أنها دليل كامل وشامل وواقعي
لجميع شؤون الحياة وضبطها بميزان الوحي.
- ما
أثر اتباع الطريقة النبوية على حياة الفرد والأسرة؟
- إن للسُّنة
النبوية ملامح وخصائص تميزها، وهذه الخصائص لها أثر عظيم على حياة الفرد والأسرة
يتمثل في:
1- الاقتداء المورِّث للطمأنينة وبناء الشخصية:
فالإنسان مفطور
على حب الاقتداء بنموذج بشري بشرط أن يكون أكمل منه، فمنذ ولادة الطفل يبدأ
بمحاكاة والديه ومن حوله، وهذا الاحتياج لا يشبعه إلا الاقتداء بنموذج كامل معصوم
كما هي الحال في النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فسيرته مكتملة وأدق تفاصيلها
محفوظة، وهذا الاقتداء يغرس في النفس طمأنينة عجيبة، ويشيع السكينة في محيط
الأسرة.
ومثال على ذلك؛
يرى البعض أن خدمة الرجل زوجته تُنقِص من رجولته، ولكن حين يرى النموذج النبوي
يختلف الأمر، جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: «كانَ
يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ» (صحيح، رواه البخاري الأدب المفرد، 416)، وبهذا تسكن
نفسه وتطمئن إلى هذا الفعل، ويزداد رفقاً بأهله وقربًا منهم، وحين ترى الزوجة أن
من السُّنة رفقها وطاعتها زوجها؛ يزداد استقرار البيت والرحمة والمودة فيه، فتقوى
بذلك روابط الأسرة.
2- الحماية الفكرية وضبط السلوكيات لا سيما في زمن الفتن:
السُّنة ليست
فقط مصدرًا للعبادات، بل هي سياج واقٍ يحفظ الفرد والأسرة من الانجراف خلف
الضلالات، فهي تقدم ميزاناً واضحاً يضبط الانفعالات في الحزن والفرح، ويهدي إلى
السلوك القويم في مختلف الأحوال، وخصوصًا وقت الغضب أو الاختلاف مع الآخرين أو عند
التعرض للظلم، فلا يُتْرَك المرء لهواه فيفعل ما يشاء فيضل ويشقى.
وإن السُّنة تبني
داخل أتباعها مناعة فكرية ونفسية، فتجعل عقولهم أكثر وعياً، فلا يَغْتَرُّون
باتباع الوعي الجمعي لكثرة العدد، بل يتبعون الحق مهما قلّ عدد أتباعه؛ ما يحمي
الفرد والأسرة من التقليد الأعمى للموجات والصيحات التي تسمى: «الترندات»، لا سيما
الضار منها والمنتشر على وسائل التواصل والإعلام.
3- التيسير والمرونة:
من الصفات
المميزة للسُّنة هي التيسير والمرونة لتناسب أحوال الناس المختلفة، فكما جاء في
الحديث «ما خُيِّرَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ أمْرَيْنِ
قَطُّ إلَّا أخَذَ أيْسَرَهُمَا، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا» (رواه البخاري (6126)،
ومسلم (2327))، فهذا مما يغرس اللين في نفوس المتبعين للسُّنة، فلا تشقّ الأم على
أبنائها، ولا يشقّ الزوج على زوجته، فالنفس البشرية تحتاج إلى قدر من اللين مثلما
تحتاج إلى الانضباط.
مثال ذلك؛ ما
تعانيه بعض الأمهات من صعوبة ضبط حركة الطفل المفرطة، يمكن تحويل هذه الطاقة إلى
سلوك مُوَجَّه من خلال تعليمه سنن الأذان؛ فيردّد الأذان ثم يجلس للدعاء، فيتمرن
على تهذيب نفسه لفترة قصيرة، ثم ينمو هذا الانضباط تدريجياً عند تعليمه الصلاة،
فتَتَشَرَّب نفسُ الطفل ضبط النفس بطريقة عملية محببة وسهلة.
4- تنظيم الحياة اليومية وتقليل الفوضى:
السُّنة
تُقَدِّمُ نظاماً يوميًا كاملًا لكل تفصيلة مهما دَقَّت، وهناك كتب كاملة عُنِيَتْ
باليوم النبوي فقط، من وقت الاستيقاظ إلى وقت النوم، هذا النظام يعالج الفوضى التي
تعيشها كثير من الأسر اليوم بسبب غياب الروتين الصحي، كما أن اتباع السُّنة
يُوجِدُّ البركة في الوقت، واتزانًا في إيقاع اليوم، وارتياحاً نفسياً لجميع أفراد
العائلة.
5- تكوين هوية مستقرة وتصدير شعور العزة للأبناء:
الأطفال الذين
يتربون على السنن اليومية من الأذكار، وآداب الطعام، والصدق، والصلاة، ينشؤون على
هوية إيمانية واضحة وثابتة، ويتعاملون مع الوحي على أنه سمت مميز لهم، وأنهم أعزة
بذلك السمت، فلا يشعرون بالضعف أو الهوان أمام مستجدات الحياة المتقلبة.
- هل
من وصية توصين بها الآباء بخصوص ذلك؟
- هذا الذي
ذكرناه يحث الفرد على البدء بنفسه وتزكيتها وتربيتها قبل البدء بتربية الأولاد،
فالطفل يحاكي والديه، وليس هناك فائدة من نصائح لا يُطَبِّقُها الوالدان ولا
يَرَاهَا مُتَمَثِّلَةً في والديه.
فليسعَ كل منا
في النجاة بنفسه وأولاده، ويَتَمَسَّكْ بالسُّنة كما أمر الرسول صلى الله عليه
وسلم أَصْحَابَهُ: «فعليكم بسُنتي» (صحيح رواه أبو داود (4607) وغيره)، فهي تحمي
العبد من الضلال خاصة في زمان تَعْصِفُ فيه الفتن بِالفرد وأسرته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً