وصية في ترتيب الأولويات
الربيع بن خثيم.. حين يصبح إصلاح السريرة أعظم ميادين العلم
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن منذر الثوري، قال: «كان
الربيع إذا أتاه الرجل يسأله، قال: اتق الله فيما علمت، وما استؤثر به عليك فكله
إلى عالمه، لأنا عليكم في العمد أخوف مني عليكم في الخطأ، وما خيركم اليوم بخير،
ولكنه خير من آخر شر منه، وما تتبعون الخير حق اتباعه، وما تفرون من الشر حق
فراره، ولا كل ما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم أدركتم، ولا كل ما تقرؤون
تدرون ما هو، ثم يقول: السرائر السرائر اللاتي يخفين من الناس وهن لله بواد،
التمسوا دواءهن، وما دواؤهن إلا أن يتوب، ثم لا يعود»(1).
يمثل هذا الأثر
جانبًا من مدرسة التابعين في بناء الإنسان قبل بناء الخطاب، وفي تقديم تزكية النفس
على الاشتغال بما لا يملكه الإنسان من دقائق الغيب أو دقائق الجدل، والربيع بن
خثيم، أحد أعلام الزهد والعبادة في الكوفة، عاش في بيئة شهدت تحولات سياسية وفكرية
كبرى في عصر الفتن وما بعده، فكان خطابه موجهًا إلى إعادة الإنسان إلى مركز
المسؤولية: قلبه وعمله وسريرته.
لماذا يقدم إصلاح القلب على كثرة الأسئلة؟
لم يكن توجيه
الربيع بن خثيم رفضًا للعلم، ولا دعوة إلى ترك المعرفة، وإنما كان ترتيبًا
لأولوياتها، فقوله: «اتق الله فيما علمت، وما استؤثر به عليك فكله إلى عالمه» يحمل
قاعدة تربوية عظيمة؛ وهي أن العلم النافع هو الذي يقود إلى العمل، وأن ما غاب عن
الإنسان مما استأثر الله بعلمه لا ينبغي أن يتحول إلى باب من أبواب التكلف.
ومن هنا تتضح
صلة وصية الربيع بن خثيم بقوله تعالى: (وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)؛ إذ يضع القرآن
للإنسان حدًّا فيما يتلقاه ويتبعه، فلا يتجاوز ما ثبت لديه من العلم إلى ما لم
يثبت، ولا ينشغل بما خفي عنه على حساب ما عُلم وتبيّن، وهنا يظهر معنى إصلاح القلب
الذي قصده الربيع: أن ينشغل الإنسان بما يلزمه من العلم والعمل، لا بمجرد كثرة
السؤال والتوسع فيما لا ينفع.
ثم تنتقل
المسؤولية من حدود المعرفة إلى ثمرة العلم في العمل، فيقول النبي صلى الله عليه
وسلم: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ
أَرْبَعٍ، منها: وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ»(2)، فيصبح
السؤال هنا ليس: ماذا عرف الإنسان؟ وإنما: ماذا صنع بما عرف؟ وبذلك يتحول العلم من
مجرد معرفة إلى أمانة عملية تظهر آثارها في سلوك الإنسان وعمله.
وفي واقع الناس
اليوم تظهر هذه القضية في صور متعددة؛ فقد ينشغل الإنسان بتحليل أخطاء الآخرين، أو
متابعة القضايا الكبرى، بينما يبقى عاجزًا عن إصلاح عاداته وأخلاقه وعلاقته بالله،
وهنا تأتي حكمة الربيع بن خثيم: المعرفة التي لا تغيّر صاحبها قد تصبح حجابًا بدل أن تكون
هداية.
كيف يكشف التعمد خلل الإرادة والقيم الداخلية؟
من أعمق عبارات
الربيع بن خثيم قوله: «لأنا عليكم في العمد أخوف مني عليكم في الخطأ»، فهو يميز
بين نوعين من الخلل الإنساني؛ خطأ سببه ضعف المعرفة أو نقص القدرة، وانحراف تتعمد
فيه النفس الفعل مع علمها بقصده واختياره.
وهذا التفريق
أصل في التربية والقيادة؛ فالخطأ يعالج بالتعليم والتوجيه، أما العمد فيحتاج إلى
محاسبة ومراجعة داخلية؛ لأنه يكشف مشكلة في الإرادة والقيم.
ويؤصل القرآن
لهذا التفريق في قوله تعالى: (وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 5)؛ إذ يميز
بين ما يقع من الإنسان خطأً وبين ما تتجه إليه إرادته عمدًا، فيتعلق الاعتبار هنا
بالقصد الذي يقف وراء الفعل، لا بمجرد وقوع الفعل في صورته الظاهرة.
وحين يكون الخلل
في الإرادة والقصد، لا يكفي تصحيح المعرفة أو تعليم الإجراء، بل يحتاج الإنسان إلى
مراجعة نفسه ومحاسبتها؛ ولذلك قال الحسن البصري: «المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه
لله عز وجل»(3)، فإذا كان العمد يكشف خللًا في الإرادة، فإن المحاسبة
هي التي تكشف هذا الخلل وتمنع النفس من الاسترسال فيه، وبذلك ينتقل العلاج من
تصحيح الفعل الظاهر إلى إصلاح الدافع الذي أنشأه.
وفي المؤسسات
والأسرة والتعليم يظهر هذا الفرق بوضوح؛ فالموظف الذي يجهل الإجراء يحتاج إلى
تدريب، أما من يعرف النظام ويتعمد مخالفته فمشكلته أخلاقية قبل أن تكون إدارية.
كيف تصنع تقوى الخفاء الاستقامة في الواقع؟
كرر الربيع
قوله: «السرائر السرائر»، وكأن التكرار هنا إيقاظ للغافل قبل أن يكون مجرد تأكيد
لفظي، فالإنسان قد ينجح في إدارة صورته أمام الناس، لكنه لا يستطيع إخفاء حقيقة
قلبه عن الله.
وتبلغ أهمية هذه
الحقيقة غايتها حين تنكشف السرائر على حقيقتها يوم القيامة، قال تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)
(الطارق: 9)، فالمعيار النهائي ليس ما يظهر من الإنسان فقط، بل ما استقر في
داخله من نيات ومقاصد.
وهنا تظهر
عبقرية التربية الإسلامية؛ فهي لا تكتفي بإنتاج إنسان منضبط أمام الرقابة
الخارجية، بل تسعى إلى بناء رقابة داخلية تجعل الإنسان صالحًا ولو غابت أعين الناس،
وتتضح خطورة هذا الميدان في أثرٍ أورده ابن القيم، فقال: «إن العبد ليعمل العمل
سرًّا لله لا يطَّلع عليه أحد إلا الله تعالى، فيتحدث به، فينتقل من ديوان السِّرِّ
إلى ديوان العلانية»(4)، ومن هنا فإن إصلاح السريرة ليس شأنًا
فرديًا معزولًا عن حياة المجتمع، بل هو الأساس الذي يمنح السلوك الظاهر صدقه
واستقامته؛ ولهذا فإن كثيرًا من أزمات المجتمعات ليست أزمات قوانين فقط، بل أزمات
ضمائر؛ لأن القانون قد يمنع بعض الظاهر، لكنه لا يصل إلى كل ما تخفيه النفوس.
كيف يوجه القائد السائل نحو الأولويات العملية؟
مارس الربيع بن
خثيم نوعًا من القيادة التربوية الهادئة؛ فلم يدخل مع سائله في جدالات طويلة، بل
أعاد توجيه السؤال نحو القضية الأهم: ماذا صنعت بما تعلمت؟
ويتجلى هذا
الأسلوب في موقف الرجل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة: «مَتَى
السَّاعَةُ؟»، فلم يجبه عن وقتها، بل قال له: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟»(5)،
فنقل اهتمامه من البحث عن موعد الغيب إلى الاستعداد للقاء الله، ولم يكن هذا
التوجيه مجرد إجابة عن سؤال، بل إعادة صياغة للأولوية التي ينبغي أن ينشغل بها
السائل.
ولا يقتصر هذا
الأسلوب على إعادة توجيه السؤال، بل يمتد إلى نقل المتعلم من معرفة الأصول إلى
تحديد موضع مسؤوليته العملية، ويتضح ذلك في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ فقد
قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ
الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ
بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ،
قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»(6)، فلم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم
ببيان أصول الطريق، بل لفت معاذًا إلى موضع مباشر من مواضع مسؤوليته؛ وهو حفظ
اللسان.
وهذه من مهارات
القيادة المؤثرة؛ فالقائد الناجح لا يجيب عن كل سؤال بالطريقة التي يريدها السائل،
بل يساعده على اكتشاف السؤال الذي يحتاجه فعلًا، ثم يرشده إلى الأولوية التي ينبغي
أن تتحول من معرفة إلى ممارسة.
وفي عصر تتزاحم
فيه المعلومات، تصبح القدرة على تحديد الأولويات من أعظم مهارات القيادة؛ فليست
المشكلة اليوم قلة المعرفة، بل كثرة المعلومات مع ضعف التحويل إلى عمل.
كيف يواصل الإنسان طريقه رغم تفاوت حاله؟
قوله:« وما
تتبعون الخير حق اتباعه، وما تفرون من الشر حق فراره» يحمل اعترافًا بطبيعة
الإنسان؛ فهو لا يطلب الكمال الوهمي، لكنه يرفض الرضا بالتقصير، فالإنسان في طريق
الإصلاح لا يبلغ الخير في كل أحواله على الوجه الذي يتمناه، ولا يسلم من التقصير
في مجاهدة الشر، لكنه يظل مطالبًا بأن يجعل من هذا النقص باعثًا على مزيد من
السعي، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69)، غير أن
المجاهدة لا تعني ثبات الإنسان على حال واحدة من القوة الإيمانية؛ فقد يتفاوت حاله
بين أوقات يجد فيها من الإقبال ما لا يجده في غيرها.
وهنا يبرز موقف
حنظلة رضي الله عنه بوصفه معالجة لهذا التفاوت، لا مجرد تأكيد لمعنى المجاهدة، فقد
شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم تفاوت حاله، فقال:« نَافَقَ حَنْظَلَةُ»، لما
كان يجده من قوة الإيمان في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتغير حاله حين
يعافس أهله ومعاشه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً»(7)،
فلم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم تفاوت الحال دليلًا على فساد الطريق، وإنما
بيّن طبيعة الإنسان في انتقاله بين أحواله، ليواصل سيره دون أن يطلب من نفسه
كمالًا لا تستطيعه.
ومن ثم، فإن
إدراك الإنسان لنقصه لا ينبغي أن يحمله على اليأس من الإصلاح، كما أن ما يبلغه من
الخير لا ينبغي أن يحمله على الغرور؛ وإنما يبقى في الطريق مجاهدًا لنفسه،
مستدركًا تقصيره، ومواصلًا سعيه إلى الكمال.
كيف يبدأ صلاح المجتمعات من صلاح الفرد؟
تكشف كلمة
الربيع بن خثيم عن قاعدة تتجاوز زمانها: أن نهضة الإنسان تبدأ من الداخل، وقد قرر
القرآن هذا الأصل بقوله تعالى: (إِنَّ
اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)
(الرعد: 11)؛ فصلاح الواقع لا ينفصل عن صلاح الإنسان الذي يصنعه ويحمل
مسؤوليته، فالمجتمعات لا تصلح فقط بكثرة المشاريع والأنظمة، بل بإصلاح الإنسان
الذي يحمل هذه المشاريع ويدير هذه الأنظمة.
وهذا الإصلاح
يبدأ من الأسرة والتعليم والدعوة؛ ففي الأسرة، يبدأ الإصلاح من الصدق والرحمة قبل
كثرة النصائح، وفي التعليم، يبدأ من بناء الشخصية قبل حشو المعلومات، وفي الدعوة،
تبدأ القدوة من حال الداعي قبل كلامه، وهذه المجالات، على اختلافها، تجمعها
مسؤولية الإنسان عما استُرعي فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ
وكلكم مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ»(8)، فالإصلاح الداخلي لا يبقى أثرًا
فرديًا، بل يتحول إلى أمانة تمس الأسرة والتعليم والدعوة وسائر مجالات الحياة.
ومن هنا تتضح
قيمة وصية الربيع في واقع الإنسان المعاصر؛ فهي تنقل الإصلاح من الاهتمام بتغيير
الظاهر وحده إلى بناء الإنسان الذي يصنع هذا التغيير ويحمله، وبذلك يظل أثرها
ممتدًا في كل مجال يكون فيه صلاح العمل متوقفًا على صلاح صاحبه.
وختامـــــــــًا: تكشف وصية
الربيع بن خثيم أن أعظم معارك الإنسان ليست دائمًا في ميدان الجدل أو كثرة
المعلومات، بل في أعماق النفس حيث تختبر الصدق والإخلاص والاستقامة.
ومن هنا أعاد
هذا التابعي ترتيب سلم الأولويات: اعمل بما علمت، واترك ما استأثر الله بعلمه،
واحذر العمد، وفتش عن سريرتك؛ لأن الإنسان قد يخدع الناس بصورة جميلة، لكنه لا
يستطيع أن يخدع الله بما في القلوب.
غير أن إصلاح السريرة عند الربيع لم يكن انعزالًا عن العمل، بل كان طريقًا إلى مجاهدة النفس، وتحويل العلم إلى سلوك، وتوجيه الإنسان إلى ما ينفعه بدل أن يستغرق في الأسئلة التي لا تغير حياته وبذلك تتجاوز وصيته زمنها؛ لأنها تجعل إصلاح الإنسان من الداخل أساسًا لاستقامة عمله، وحسن أثره في نفسه ومن حوله.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 258 - 259). شرح الأثر: يوصي الربيع بتقوى الله فيما عُلم، وردِّ ما خفي إلى أهله، والحذر من تعمُّد الخطأ، مؤكدًا أن معرفة الخير لا تكفي دون اتباعه، وأن السلامة من الشر لا تتحقق إلا بمفارقته، و«استُؤثر به عليك» أي خفي عنك علمه، و«السرائر» خفايا القلوب ونياتُها، و«بواد» أي بادية لله ظاهرة له وإن خفيت عن الناس، ودواؤها عنده التوبة ثم عدم العودة إلى الذنب؛ ليجتمع للإنسان العلم والتواضع وإصلاح الباطن والاستقامة في العمل.
- 2 أخرجه الدارمي في مسنده (546)، وقال محققه: «حديث حسن».
- 3 محاسبة النفس: ابن أبي الدنيا (60).
- 4 الوابل الصيب: ابن قيم الجوزية (1/ 22).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (6171)، ومسلم (2639).
- 6 أخرجه الترمذي في سننه (2616)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».
- 7 أخرجه مسلم (2750).
- 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (7318)، ومسلم (1829).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً