الحوكمة الإستراتيجية للسيادة البحرية العالمية (2)

هرمز وباب المندب.. من يملك قرار التجارة العالمية؟

هرمز وباب المندب.. من يملك قرار التجارة العالمية؟

قطرةٌ أقامت الحياة، وأرست في الوجود أركان البقاء؛ فهي سر الخلق المكنون، وموضع العجب المصون، تهتز لها النفس إذا تدبرت، وتخشع لها إذا تفكرت، فتدرك أن في الماء قوام كل حي ومصيره، وسر كل نامٍ وتقديره؛ هو أعظم الكون أثرًا، وألطفه جرمًا، وأخفاه سرًا، وأجلاه حكمًا، فيه رزق ورحمة وطهور، وبه يحيا الثرى بعد الدثور، فتهتز الأرض وتربو، وتجري في العروق نبضًا، وينبت الله به الزرع والضرع، فهو حياة الأبدان والأمم، قال الحق جل في علاه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء: 30).

غير أن الماء، وإن كان أصل الحياة، لم يُبسط في الأرض على سواء، ولم تُترك مسالكه بلا قدر أو حساب؛ بل ضُيقت له منافذ، ورُسمت له ممرات، وجُعلت له أعناق إذا اتسعت تنفس العالم، وإذا اختنقت اضطربت الأسواق وتبدلت موازين القوة، فصارت المضائق حناجر الحضارة، والقنوات أوداج التجارة، وصار من يملك القدرة على إبقاء العبور آمنًا مستقرًا يملك نصيبًا من القرار يتجاوز حدود البحر إلى مصائر البر والبشر.

ومن العقيدة إلى الجغرافيا، ومن القطرة إلى الخريطة، تنطلق هذه الدراسة لقراءة مقياس السطوة بين الأمم؛ لا في كثرة السفن وحدها، بل في القدرة على حماية التدفقات، وتأمين الإشارة، وضبط الكلفة، وصيانة الإنسان، وتحويل الجغرافيا من حافة ابتزاز إلى بنية استقرار، تدبراً للسؤال القرآني الموقظ: (أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء: 30).

على أرض الوقائع، لا على أرض المفاهيم وحدها، تُختبر النظرية؛ فالقضية ليست تعريف الممر البحري، بل تشريح لحظة صار فيها البحر مرآة للسلطة والسوق والخوف معًا، وبقيت المضائق مفتوحة في النصوص، بينما تراجعت قدرتها التشغيلية حتى قاربت الشلل، فانكشف أن القرار الفعلي لا يخرج من فوهة المدفع وحدها، بل قد يصدر من مكتب إعادة التأمين، أو من لوحة ملاحة فقدت الثقة في إشارتها، أو من تقدير ربان يرى أن حقه في النجاة وحق طاقمه في الحياة يسبقان أي التزام تجاري.

وقد برهنت أزمة هرمز في عام 2026م أن عبور المضيق هبط من نحو 129 سفينة يوميًا قبل الصدمة إلى أربع سفن فقط بحلول 10 مارس، ثم دار حول ست سفن يوميًا خلال الشهر؛ بينما أكدت المنظمة البحرية الدولية أن المجال المحيط بالمضيق ظل عرضة لهجمات متكررة وتشويش واسع على أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية، مع بقاء عشرات الآلاف من البحارة عالقين أو معرضين للخطر في الخليج.

وفي الوقت نفسه كان باب المندب يستقبل أثر هرمز أو يضاعفه؛ فتراجعت تدفقات النفط عبره إلى نحو النصف قياسًا بعام 2023م، وظلت حمولة السويس حتى مايو 2025م أدنى بنحو 70% من مستويات 2023م، وارتفع الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بنحو 89%، فبدت المنطقة كجسد واحد؛ إذا اختنق شريانه الأول حمل الثاني أثر الاختناق إلى العالم كله.

قوس الممرين ووحدة المجال البحري

ليس هرمز وباب المندب نقطتين منفصلتين على خريطة مدرسية، بل قوسًا إستراتيجيًا واحدًا يبدأ من منبع الطاقة وينتهي عند رقبة الزمن التجاري؛ ففي هرمز يخرج النفط والغاز من خزائن الخليج إلى البحر المفتوح، وفي باب المندب تُختبر قدرة هذه التدفقات على بلوغ البحر الأحمر ثم السويس، وصولًا إلى الأسواق التي تبني على مواعيد الوصول عقودها وأسعارها ومخزوناتها.

ولهذا لا يبقى الخلل في هرمز خليجيًا، بل يهاجر سريعًا إلى باب المندب، ثم إلى قناة السويس، ثم إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ومنها إلى مؤشرات الأجور والتأمين والطاقة والغذاء؛ فقد حمل هرمز في النصف الأول من عام 2025م نحو 20.9 مليون برميل يوميًا، بما يقارب ربع النفط المتداول بحرًا في العالم، بينما عبر باب المندب نحو 4.2 ملايين برميل يوميًا بعد أن كان 9.3 ملايين في عام 2023م، وعبرت منظومة السويس وخط سوميد نحو 4.9 ملايين برميل يوميًا بعد أن كانت 8.8 ملايين.

وتؤكد هذه الأرقام أن الممرين ليسا بديلين كاملين، بل عقدتين متصلتين في سلسلة واحدة؛ هرمز يحكم خروج السلعة من منبعها، وباب المندب يحكم زمن وصولها إلى مقصدها، فإذا تعطلت الوظيفة الأولى ندرت الكمية، وإذا تعطلت الثانية ارتفعت الكلفة، وإذا اجتمعتا صار النقص أغلى، والزمن أطول، والقرار أضيق.

خط الزمن السببي

لم يبدأ الشلل البحري عند لحظة الانفجار العسكري وحدها، بل عند اللحظة التي صدقت فيها السوق أن الانفجار لن يكون عابرًا

في 28 فبراير 2026م، انطلقت الضربات الأمريكية و«الإسرائيلية» على إيران؛ فانتقل الخطر من المجال الجيوسياسي العام إلى المجال الملاحي المباشر، وارتفعت احتمالات استهداف السفن، وسقط قتلى من البحارة.

في الأول من مارس تلقت شركات التأمين إشعارات من معيدي التأمين، فأصدرت جهات كبرى إخطارات بإلغاء تغطيات حرب محددة خلال اثنتين وسبعين ساعة، على أن تصبح نافذة اعتبارًا من الخامس من مارس؛ وهنا سبق القرار الاكتواري الانتشار العسكري الواسع، وتحول الخطر من احتمال سياسي إلى سعر فوري وشروط تعاقدية ضاغطة.

وفي العاشر من مارس هبط عبور هرمز إلى أربع سفن فقط يوميًا، أي بانخفاض يقارب 97% قياسًا بمتوسط الفترة من الأول إلى السابع والعشرين من فبراير، ثم استقر المتوسط قرب ست سفن يوميًا؛ فلم يعد السؤال: هل أُغلق المضيق قانونيًا؟ بل: كم سفينة ما زالت تملك القدرة والرغبة والغطاء التأميني كي تعبر؟

وفي 18 و19 مارس عقدت المنظمة البحرية الدولية جلسة استثنائية، وأكدت أن الأزمة تهدد سلامة الملاحة والبحارة، ودعت إلى إطار للمرور الآمن، وإلى احترام حرية الملاحة، ومعالجة التشويش والانتحال في أنظمة تحديد المواقع.

وخلال أبريل ويونيو ظهرت نوافذ تهدئة وعودة جزئية؛ غير أن الاستجابة بقيت تشغيلية هشة لا مؤسسية راسخة، فأعادت الضربات اللاحقة الأسواق إلى القلق، وبحلول 11 يونيو كانت المنظمة قد أحصت 46 هجومًا على الشحن الدولي حول هرمز، و14 قتيلًا من البحارة منذ 28 فبراير.

وفي يوليو أعادت المنظمة التشديد على حق المرور العابر بلا رسوم أو عوائق تمييزية؛ ومع ذلك ظل الخطر قائمًا، بما برهن أن الشرعية القانونية، مهما علت، لا تكفي وحدها لاستعادة الجدوى التجارية، ما لم تصحبها سلامة فعلية، وثقة تأمينية، وإشارة موثوقة، وطاقم مستعد للإبحار.

ويكشف هذا التسلسل انتقال مركز السلطة من الضربة إلى التأمين، ومن التأمين إلى قرار المشغل والربان، ثم إلى السوق والدبلوماسية؛ فلم يُغلق الممر بقرار واحد، بل انكمش بفعل سلسلة قرارات متتابعة، لكل حلقة فيها قدرتها على تعطيل الحلقة التي تليها.

موضع الصدمة ومسار التضخم

كان هرمز موضع الصدمة المباشرة؛ فقد هبط عبوره من نحو 129 سفينة يوميًا إلى 4 ثم 6 سفن، وقفزت أقساط تأمين الحرب من نحو 0.25% قبل الأزمة إلى نطاقات بين 1% و3% خلال أيام، ثم إلى مستويات تراوحت بين 3% و10% من قيمة هيكل السفينة في يوليو، كما ارتفع خام برنت من 71.32 دولارًا في 27 فبراير إلى نحو 94 دولارًا في 9 مارس، ثم لامس قرابة 128 دولارًا في مطلع أبريل.

أما باب المندب فكان موضع تضخيم الصدمة وإطالتها؛ إذ هبطت تدفقات النفط من 9.3 ملايين برميل يوميًا في 2023م إلى 4.1 ملايين في 2024م، ثم 4.2 ملايين في النصف الأول من 2025م، واقترب مرور الغاز الطبيعي المسال من الصفر في بعض الفترات، بينما أعيد توجيه السفن حول إفريقيا، فازدادت المسافة والزمن واستهلاك الوقود والطن–ميل وأجور النقل، ثم تسربت هذه الزيادات إلى أسعار الطاقة والسلع والغذاء، فتحولت كلفة الرحلة الأطول إلى موجة تضخمية يدفع ثمنها المستهلك قبل أن تبلغ السفينة الميناء.

وتبقى البدائل محدودة؛ فخط شرق–غرب السعودي وخط أبوظبي يتيحان معًا نحو 4.7 ملايين برميل يوميًا، وهي قدرة مهمة، لكنها أقل كثيرًا من التدفقات المعتادة عبر هرمز، أما باب المندب فلا يملك بديلًا بريًا مكافئًا لوظيفته العابرة للقارات؛ وأقصى ما يتيحه النظام هو التفاف بحري طويل حول رأس الرجاء الصالح، أي إن البديل لا يلغي الكلفة، بل يبدل صورتها من خطر مباشر إلى زمن أطول واستنزاف مالي متراكم، وهو ما يطرح تساؤل حول مصالح دور العبور والممر والمنظمات التي تحمل عضويتها؟

من مارس السلطة الفعلية؟

كانت الجيوش هي الشرارة، غير أن شركات إعادة التأمين كانت أول من حوّل الشرارة إلى قيد اقتصادي؛ إذ أعادت تسعير الخطر، وسحبت أجزاء من الغطاء قبل اكتمال الانتشار العسكري الدولي، ولذلك يصح القول إن أول من أغلق الطريق اقتصاديًا لم يكن الأسطول، بل الحساب الاكتواري.

ثم أصبحت شركات الشحن سلطة التصفية التشغيلية؛ فحين علقت الخطوط الكبرى المرور أو أعادت توجيهه، تحولت حرية الملاحة من حق قانوني مجرد إلى معادلة تتعلق بجدول التشغيل، وتوافر الطواقم، وثقة الوصول، وكلفة التأخير، ومن هنا صار قرار الممر موزعًا بين الدولة والمؤمن والمشغل والربان.

وبرز البحارة أنفسهم بوصفهم فاعلًا سياديًا؛ فقد صنفت منظمات العمل البحري المنطقة عالية الأخطار، وأقرت حماية إضافية تشمل حق رفض الإبحار والإعادة إلى الوطن على نفقة الشركة، ورغم غياب رقم موحد لعدد من مارسوا هذا الحق، فإن أثره ظهر في إحجام المشغلين وتزايد الحذر؛ فالطاقم لم يعد ملحقًا بشريًا بالسفينة، بل صار شرطًا من شروط بقاء الممر حيًا.

ثم دخلت منصات البيانات وأنظمة الملاحة إلى قلب القرار؛ فقد تعرضت أكثر من 1100 سفينة خلال 24 ساعة لتداخلات في أنظمة GPS وAIS، وتجاوزت وقائع تداخل GNSS نحو 1700 في بدايات الأزمة وفق ملفات الرصد المجمعة، فغدت الإشارة جبهة موازية للبحر؛ إذا اضطربت الخريطة الرقمية ضاقت المياه ولو اتسعت، وإذا فقد الربان الثقة في موقعه صار الممر الواسع أضيق من عنق الزجاجة.

الأثر الاقتصادي الإستراتيجي

حين اختنق هرمز لم ترتفع فاتورة النفط وحدها، بل ارتفعت معها كلفة الغاز والنقل والأسمدة والغذاء والتمويل؛ فأكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية عبرت هرمز في 2024م، واتجه 83% منها إلى آسيا، كما اتجه 89% من الخام والمكثفات المارة عبر المضيق في النصف الأول من 2025م إلى الأسواق الآسيوية؛ ما جعل آسيا المتلقي الأول للصدمة، بينما تلقتها أوروبا عبر إعادة التسعير وارتفاع كلفة البدائل.

ولأن باب المندب كان أصلًا تحت ضغط البحر الأحمر، لم تُلغ البدائل الاختناق بل نقلته؛ فالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح رفع الطن–ميل البحري بنحو 6% في 2024م، أي أسرع بثلاثة أمثال تقريبًا من نمو أحجام التجارة، واستمرت حمولة السويس حتى مايو 2025م أقل بنحو 70% من مستويات 2023م، وهبطت حمولة خليج عدن بنحو 76%، وارتفع الاعتماد على الطريق الطويل جنوب إفريقيا بنحو 89%، وهكذا صار البديل نفسه جزءًا من الأزمة.

ومن هنا امتدت الموجة إلى الاقتصاد الكلي؛ فقد أشارت تقديرات البنك الدولي في يونيو 2026م إلى احتمال بلوغ متوسط برنت 94 دولارًا خلال العام، وارتفاع التضخم العالمي إلى 4% بدلًا من 3.3% في 2025م، وتراجع نمو الاقتصادات النامية إلى 3.6%، مع هبوط حاد في أداء اقتصادات الخليج المتأثرة مباشرة، كما حذرت التقديرات من ارتفاع أسعار الأسمدة واتساع دائرة انعدام الأمن الغذائي إذا طال أمد الاضطراب.

وهكذا لم يعد البحر مجرد مسافة بين ميناءين؛ بل صار أداة لإعادة تسعير العالم، فإذا توقفت الناقلة ارتجف معها سعر الخبز، وإذا اضطربت الإشارة في غرفة القيادة اهتز عجز الموازنة في عاصمة بعيدة، وإذا ارتفع قسط الحرب على هيكل السفينة تسرب أثره إلى فاتورة الكهرباء والدواء والغذاء.

لاستعادة السيادة التشغيلية

١- إنشاء صورة تشغيلية إقليمية مشتركة للممرين، تجمع القوات البحرية وهيئات الموانئ وشركات الطاقة ومراكز البيانات الملاحية، وتدمج مؤشرات التهديد، وموثوقية الإشارة، وحالة التأمين، وتوصيات الإبحار الآمن في لوحة قرار واحدة.

2- تأسيس آليات إقليمية لدعم التأمين وإعادة التأمين على السلع الحرجة، ولا سيما النفط والغاز والقمح والأسمدة والدواء، حتى لا يبقى قرار العبور رهين سوق خاصة تتحرك تحت ضغط ذعر اللحظة.

3- بناء بنية ملاحة مرنة تقاوم التشويش والانتحال، عبر التحقق المتقاطع بين GNSS والرادار والأنظمة القصورية وECDIS وصور الأقمار الصناعية، مع تدريب غرف العمليات على العمل في بيئة تتراجع فيها الثقة بالإشارة.

4- إقرار بروتوكولات إقليمية ملزمة لحماية الطواقم، تشمل حق الامتناع المنظم، والإجلاء، والدعم النفسي والطبي، وتأمين المياه والغذاء والوقود؛ لأن الإنسان صار جزءًا من معادلة السيادة، لا تابعًا صامتًا لها.

5- تنويع الممرات اللوجستية تنويعًا حقيقيًا، عبر الأنابيب والسكك والموانئ الجافة والتخزين الساحلي والربط الكهربائي، مع إدراك أن البديل لا يكون بديلًا إذا انتهى إلى ممر مأزوم آخر.

6- إنشاء آلية إقليمية دائمة للتنسيق القانوني والتشغيلي بين الدول المشاطئة والقطاع الخاص والمنظمة البحرية الدولية، حتى تضيق الفجوة بين ما يجيزه القانون وما تسمح به السوق.

تكشف حالتا هرمز وباب المندب أن البحر في الشرق الأوسط لم يعد فضاء عبور فحسب، بل ساحة تتوزع فيها السلطة بين الدولة والسوق والإشارة والطاقم والزمن الاقتصادي؛ فإذا اختنق هرمز تعطلت الطاقة عند منبعها، وإذا اضطرب باب المندب طال الطريق إلى مقصدها، وإذا اجتمع الخطران انتقلت الصدمة من الناقلة إلى المائدة، ومن قسط التأمين إلى سعر الغذاء والدواء؛ وبذلك تصبح السيادة البحرية قدرة عملية على حماية التدفقات من المنبع إلى الممر فالسوق، وتحويل الجغرافيا من حافة ابتزاز إلى بنية استقرار، ومن ساحة خوف إلى مجال قرار، فمن لا يملك تشغيل ممراته لا يملك تمام السيادة على اقتصاده ولا على زمن تجارته، ولا يملك حاضر بلاده ومستقبلها؛ والأيام دُوَل، والقرار للشعوب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة