«الجيوب الدعوية».. من خطورة الشقاق إلى التكامل والوفاق (1 - 2)
عملاً بقول الله
تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً
وَلاَ تَفَرَّقُواْ) (آل عمران: 103)، وقوله سبحانه: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ) (الأنفال: 46)، فإن واقع الصراعات العالمية والإقليمية يحمل الأمة إلى
ضرورة نبذ الشقاق، ومحاولة الانتقال من التشرذم إلى التكامل، بداية من العمل
الجماعي التطوعي، وانتهاء بالسعي إلى صورة من صور الوحدة السياسية التي تجمع شتات
الأمة وتوظف طاقاتها في اتجاه جامع.
ضرورة الوفاق وخطر الشقاق
وقد جاء الشرع
بتعظيم معنى الجماعة، كما في الحديث: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ
كَالْبُنْيَانِ؛ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» (متفق عليه)،
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَدُ اللهِ مَعَ الجَماعةِ» (رواه
الترمذي)، ولذلك كان وحدة العاملين للإسلام من أعظم أسباب قوة الأمة وحفظ مشروعها
الدعوي؛ إذ لا تنهض الدعوات إلا بتكامل الجهود، ووحدة المقصد، وانتظام العمل في
إطار جامع يوجه الطاقات نحو الغاية نفسها.
وبقاء الصف
متماسكاً ليس قضية إدارية، بل نعمة ربانية وسُنة شرعية وحاجة حضارية؛ (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ
أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 63).
غير أن واقع بعض
الكيانات الدعوية يشهد ظاهرة تتكرر، تتمثل في نشوء «جيوب دعوية» داخل البنية الأم،
تتحول أحياناً إلى كيانات داخل الكيان أو وحدات منشقة، حتى وإن بقيت مرتبطة شكلياً
بمركزها العام.
وهذه الجيوب لا
تنشأ بفعل ضغط خارجي أو اختراق من الخصوم، بل تتولد من داخل الصف الدعوي نفسه،
بفعل عوامل فكرية أو تنظيمية أو تربوية متراكمة، ولذلك كان الشرع شديد التحذير من
مقدمات التفرق قبل وقوعه، فقال تعالى: (وَلاَ
تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ
الْبَيِّنَاتُ) (آل
عمران: 105)، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ
أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي
التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (صحيح مسلم).
ويبرز إشكال
«الجيوب الدعوية» بصورة أوضح في الحركات المعتدلة والكيانات ذات الطابع الوسطي،
حتى غدا من المعضلات التي تواجه العاملين عموماً؛ إذ يثير أسئلة تتعلق بطبيعة
العلاقة بين المركز والأطراف، وحدود الاستقلال المقبول داخل البناء الدعوي.
ما حقيقة هذه «الجيوب
الدعوية» الداخلية؟ وما الأسباب التي تؤدي إلى نشأتها؟ وهل تختلف خطورتها بين
الحقل الدعوي والحقل الحزبي؟ ومتى يتحول التمايز الداخلي من تنوع مشروع إلى عامل
تهديد لوحدة الكيان واستقراره؟ وهل يؤثر سبب نشأة «الجيوب الدعوية» في درجة الخطر؛
بحيث تكون الجيوب الناشئة عن خلافات معلنة أقل خطراً من التي تتكون عبر تفاهمات
وروابط غير رسمية؟
وهذه محاولة
لقراءة ظاهرة «الجيوب الدعوية» وأسبابها وآثارها، بعيداً عن التناول الشخصي أو
التعميم، وأيضاً الإسقاط الخاص.
أولًا: مفهوم «الجيوب الدعوية»:
يقصد بـ«الجيوب
الدعوية» تجمعات داخلية صغيرة تنشأ داخل الجمعيات أو الحركات الإسلامية الكبرى،
وتتمتع بقدر من التماسك والاستقلال النسبي في الرؤية أو الإدارة أو آليات العمل.
واستعمال لفظ
«الجيوب» هنا استعمال مجازيّ، يراد به توصيف مجموعات محدودة، لكنها شديدة الترابط
والتأثير داخل الكيان الأكبر، حتى تصبح أحيانًا كأنها «بنية فرعية» داخل البناء
العام.
وقد تنشأ بعض «الجيوب
الدعوية» بوصفها آلية مرنة تساعد على تقصير المراحل وتحقيق الانتشار وتفعيل
الأدوار، لا سيما في البيئات المتباعدة، وهذا ليس مذمومًا بإطلاق؛ لأن اختلاف
الوسائل مما يتسع له الاجتهاد، وقد قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: «مَا أَحِبُّ
أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخْتَلِفُونَ،
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلًا وَاحِدًا لَكَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ»(1).
لكن «الجيوب
الدعوية» قد تتكون أيضًا كرد فعل على خلل في العلاقة مع المركز، وهنا يبدأ التحول
من مجرد تنوع تنظيمي إلى حالة استقطاب داخلي تهدد تماسك الكيان.
ومن هنا كان
الفرق كبيرًا بين «الجيب الدعوي المتكامل» الذي يبقى جزءًا من الجسد العام،
و«الجيب الدعوي المنغلق» الذي يتحول تدريجيًا إلى مركز ولاء موازٍ.
ثانيًا: سمات أساسية للجيوب الدعوية:
تتصف «الجيوب
الدعوية» بعدة خصائص، من أبرزها:
1- قدر من
الاستقلالية في الرؤية أو الأسلوب أو القرار.
2- نشأتها نتيجة
خلاف داخلي، أو بفعل تفاهمات ضمنية وروابط خاصة بين مجموعة من الأعضاء.
3- تمركزها حول
نطاق جغرافي أو اجتماعي، كالفئات الطلابية أو العمالية أو الفئات العمرية أو
الأقطار البعيدة عن المركز الأصلي.
4- قوة التماسك
الداخلي القائمة على العلاقات الشخصية، والتأثير التربوي، والأنشطة المستمرة.
5- وجود ولاء
مزدوج؛ للقيادة المحلية من جهة، وللكيان الدعوي الأم من جهة أخرى.
وهنا تظهر خطورة
انتقال «الجيوب الدعوية» من «التنسيق» إلى «التحزب»، ومن «التنوع» إلى «العصبية»،
وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى
عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا
مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّة»(2).
وقال الشاعر:
كونوا جميعاً يا
بني إذا اعترى *** خطب ولا تتفرقوا أجنادا
تأبى القداح إذا
جمعن تكسرا *** وإذا افترقن تكسرت أفرادا(3)
ثالثًا: الجيوب الدعوية بين الدعوي والحزبي:
في الأحزاب
السياسية تكون الجيوب أكثر وضوحًا وتنظيمًا، وقد تمتلك هيكلًا قياديًا موازيًا، أو
حضورًا إعلاميًا مستقلًا، أو شبكات نفوذ داخلية معلنة.
أما في العمل
الدعوي، فإن «الجيوب الدعوية» غالبًا ما تكون أقل ظهورًا وأكثر حساسية؛ بسبب
الطبيعة الأخلاقية والدينية التي تحكم العلاقات الداخلية، والخوف من الوصمة
الشرعية أو الاتهام بإضعاف الصف.
ومع ذلك، فإن
مجرد وجود «الجيوب الدعوية» -حتى لو لم تنشق علنًا- يضعف قدرة المركز على السيطرة
الكاملة، ويحدث تصدعًا داخليًا، ويقلل من ثقة الجمهور والداعمين، كما يسبب تشتتًا
بين المتعاطفين مع الفكرة والهدف.
وقد قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَلَا تَنَازَعُوا) (الأنفال: 46)، لأن التنازع لا يستهلك القوة التنظيمية
فقط، بل يستهلك الهيبة والثقة والقدرة على التأثير.
ومع مرور الوقت، قد يتطور الجيب الدعوي إلى كيان موازٍ يتخذ قرارات مصيرية بصورة منفردة، فيتحول من «جيب داخل الكيان» إلى «كيان ينازع الكيان» وهنا يتأكد معنى قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (الأنفال: 1)، وقوله عز وجل: (وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً