اختبار النظرية وحدود القوة

«الجدار الحديدي».. الأمل الفلسطيني في مواجهة منطق التيئيس (2)

د. بلال مطاوع

09 أغسطس 2026

164

«الجدار الحديدي».. الأمل الفلسطيني في مواجهة منطق التيئيس (2)

عرض المقال السابق لأهم أفكار نظرية الجدار الحديدي، بعد أن أشار للسياق الذي وُلِدَت فيه النظرية، ثم عرَّف مفهومَيْ الجدار الحديدي والاستسلام، وبيَّن خطورة بقاء الأمل حيًّا، وسبل مواجهة منطق التيئيس الذي تقوم عليه النظرية.

أما هذا المقال، فينتقل إلى اختبار حدود القوة نفسِها، متسائلًا: هل تنجح القوة المتراكمة في تحقيق غايتها النهائية، أم أن استمرار الصمود يقلب المعادلة؟

هل تنجح القوة المتراكمة في تحقيق غايتها؟

 تراهن نظرية «الجدار الحديدي» على أن مزيدًا من الصمود يقابله مزيد من القوة، حتى يصل الشعب الأصلي إلى نقطة اللاجدوى من المقاومة والأمل، لكن ماذا لو أخفقت هذه المعادلة؟ ماذا لو استمر الصمود رغم تصاعد القوة؟ ماذا لو بقي الأمل حيًّا واستمر الرفض رغم الكلفة العالية؟ ستفقد القوة فاعليتها بوصفها أداةً لكسر الإرادة، وتتحول من وسيلة لفرض الاستسلام إلى دليل على العجز عن تحقيقه، وترتفع كلفتها السياسية والأمنية والأخلاقية على الطرف المستعمِر.

بعد السابع من أكتوبر، وبعد فائض القوة الرهيب، والإبادة منقطعة النظير التي لم تفلح في كسر إرادة الفلسطيني، يبدو أن مفهوم النصر أخذ ينزاح من تحقيق الإخضاع إلى مجرد القتل والتدمير والمزيد منهما، وهذا أحد المؤشرات على أن الجدار الحديدي بقدر ما يورثه من ألم رهيب، إلا أنه لم يحقق غايته الأساسية في الإخضاع التام.

والمقصود أن الجدار الحديدي كما يفترض أن القوة المتواصلة والمتصاعدة ستؤدي إلى كسر المقاومة، فإن استمرار الصمود قد يؤدي، على العكس، إلى تآكل الردع وترسيخ المقاومة، وساعتئذ يكون التساؤل: أيُّ الطرفين سيصل إلى نقطة اللاجدوى أولًا: الاستعمار أم مقاوموه؟

كيف يتعامل منطق النظرية مع استخدام القوة والتفاوض والدبلوماسية؟

أنتج التطبيق العملي لـ«الجدار الحديدي» تعاظمًا مستمرًا في مستوى القوة، فسواء حقَّقت «إسرائيل» نجاحات عسكرية أم مُنِيَت بإخفاقات، فإن النتيجة كانت واحدة؛ المزيد من القوة، فالنجاحات فتنت قادتها بالقوة، وولَّدت لديهم شهيةً أكبر لاستخدامها، وعزَّزت قناعتهم بقدرتهم على انتزاع مزيد من المكاسب، فتحوَّلت الدبلوماسية إلى امتدادٍ لـ«الجدار الحديدي» بوسائل سياسية، لا إلى بديل عنه.

لقد أبدى الفلسطينيون استعدادًا للتفاوض مع «إسرائيل» على تسوية نهائية أو جزئية، وقدَّموا كل درجات المرونة، ومع هذا اعتمدت «إسرائيل» على القوة العسكرية كعامل أساسي في صياغة الدبلوماسية، أما الإخفاقات، فلم تدفع إلى مراجعة النظرية، بل فُسِّرت على أنها نتيجة عدم استخدام القوة بالقدر الكافي، الأمر الذي قاد إلى المطالبة بمزيد من القوة، وأن ما لا يأتي بالقوة يأتي بمزيدٍ من القوة، وهكذا يغدو المزيد من القوة، في منطق النظرية، استجابةً لكل نجاح أو إخفاق.

شكّل «طوفان الأقصى» أخطر تحدٍّ واجه هذه النظرية منذ نشأتها؛ ليس لأنها كانت ترمي إلى تدمير الكيان، وإنما لأنها أحدثت تصدعات عميقة في «الجدار الحديدي»، الذي يمثل جوهر قوة الكيان وأساس ردعه؛ نتيجة لذلك، عمَّقت «طوفان الأقصى» فكرة الجدار الحديدي في الفكر الصهيوني، واتَّسم ردّ فعل العدو بوصفه عودة متطرفة إلى «الجدار الحديدي».

إذ سعى العدو إلى إعادة بناء الردع عبر توظيف قوة بوحشية غير مسبوقة، وكأنها لحظة مؤسسة جديدة للكيان، تعود به إلى المحطة الأولى، وهي بناء قوة جديدة رادعة، يمكن تسميتها قوة نكبوية، لا تكتفي بإلحاق الضرر بالخصم، بل تستهدف تدمير مقومات حياته واستمرار وجوده، متجاوزة بشكل رهيب القيود الأخلاقية والقانونية، في محاولة لترميم منظومة الردع وإعادة فرضها على مختلف الجبهات.

وكنتيجة لذلك، يمكن القول: إننا أمام دورة جديدة من الصراع، يسعى فيها العدو إلى حسم الصراع بدل الاكتفاء بإدارته؛ ستكون فيها القوة أعنف، والتضحيات أكبر، والاستمساك بالأمل أشق، لكن يبقى السؤال: هل تستطيع القوة وحدها أن تُنهي إرادة المقاومة، أم أنها تعيد إنتاجها في كل مرة بصورة أشد؟

هل تُعد العلاقة بين تصاعد القوة وتحقيق الردع حتمية ومضمونة؟

يفترض «الجدار الحديدي» وجود علاقة طردية بين تصاعد القوة وتصاعد الردع، وكأن مزيدًا من القوة سيؤدي بالضرورة إلى مزيد من الخضوع وفقدان الأمل، غير أن الردع ليس معادلة رياضية أو قانونًا فيزيائيًّا ثابتًا، بل هو علاقة نفسية وسياسية وعسكرية معقدة تتأثر بعوامل كثيرة لا تخضع للحساب الرياضي الدقيق.

ولذلك، لا يمكن افتراض معادلة ثابتة من قبيل: إذا ضربتَ بمقدار X، سيرتدع الخصم بمقدار Y، أو اضرب أكثر = تردع أكثر، فقد تنجح القوة في كسر الإرادة في بعض الحالات، وقد يؤدي في حالات أخرى إلى ترسيخها وزيادة التمسك بالمقاومة، ومن ثم، فإن العلاقة بين القوة والردع ليست علاقة حتمية، وهو ما يضع أحد أهم افتراضات النظرية موضع تساؤل.

لماذا يمثل التطبيع قضية وجودية للكيان وكيف تواجهه إرادة الصمود؟

صحيح أن نظرية الجدار الحديدي نجحت في تحقيق الهدف الأساسي الذي سعى إليه جابوتنسكي، وهو إقامة دولة «إسرائيل» وضمان بقائها بالقوة لاحقًا، إلا أن نجاحها في فرض الوجود لا يعني نجاحها في تحقيق الاستقرار لهذا الكيان؛ إذ ما زال الكيان مسكونًا بهواجس الخطر الوجودي، فالنظرية تقوم على الردع والإخضاع لا على القبول الطوعي، ولذلك بقي الصراع مفتوحًا، وبقيت الحاجة إلى المزيد من القوة لإعادة إنتاج الردع كلما تآكل.

ومن هنا تبرز الأهمية الإستراتيجية التي يوليها الكيان للتطبيع، حتى غدا بالنسبة إليه قضية حياة أو موت، وليس مجرد علاقات دبلوماسية بين طرفين؛ بوصفه وسيلة للانتقال من مجرد ضمان الوجود بالقوة إلى تحقيق القبول والاندماج البنيوي في الإقليم.

وفي هذا السياق، يرى خالد عودة الله أن التطبيع العربي المعلن على رؤوس الأشهاد الضمانة الوحيدة لـ«إسرائيل» ولأمنها ولوجودها واستقرارها وإشعار مستوطنيها بالأمان، وأن الأمل الوحيد لـ«إسرائيل» في البقاء هو التطبيع، ومن ثم يمكن فهم الأهمية التي أولتها «إسرائيل» لمسار التطبيع، كما يمكن فهم الأثر الذي تركته «طوفان الأقصى» في تقويض هذا المسار.

منذ السابع من أكتوبر، أثبتت الوقائع المرة بعد الأخرى أن «الجدار الحديدي» يمكن أن ينهار، وأنه لا يجعل الواقع المفروض أقدارًا نافذة، إلا أن استجابة الكثير من العرب لهذه الحقيقة معكوسة؛ إذ يتجردون تمامًا من إرادة التحرر من الهيمنة، ويرون خلاصهم في مزيدٍ من الارتماء على أعتاب واشنطن و«تل أبيب»، مستجيرين من الرمضاء بمزيدٍ من النار.

منذ أن وطئت أقدامه أرضنا، حمل المشروع الصهيوني معه كل بذور تيئيسنا من إمكانية هزيمته، فزرعها ألوانًا، وجرّبها أشكالًا، من خلال تحطيم عقل الفلسطيني وصهر إدراكه، وإبادة وجوده، حتى غدت كل مقومات الانتحار، بمختلف صوره، متاحة أمامه.

بالفعل، انتحر البعض؛ منهم من انتحر سياسيًّا حين ارتضى الخضوع (المسمّى أمريكيًّا و«إسرائيليًّا» بـ«السلام»)، ومنهم من انتحر عسكريًّا حين تخلّى عن المقاومة وسلَّم سلاحه، وآخرون انتحروا دينيًّا، إمّا بالإلحاد أو بتطويع نصوص الشريعة لتأصيل فقه الذلّ والاستكانة، وغيرهم انتحروا وطنيًّا بالعمالة للعدو وخدمة أجنداته.

في خضمّ هذا الصراع الممتد، لن يخلو طريق الانتحار من بعض السالكين، لكن الأغلبية من شعبنا بقيت متشبثة بالحياة، متسلّحة بالأمل والعمل، معتبرة الانتحار محرَّمًا، وبهذا عاشت قضيتنا، وستظل كذلك حتى يتهاوى جدار جابوتنسكي، ويخرج أتباعه من أرضنا أذلّةً وهم صاغرون.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة