التعامل مع الشهوة.. بين التهويل والاحتقار وانتظار الخلاص منها!
كثير من شكاوى
الشباب المتعلقة بفوران الشهوة تبدأ على استحياء، ويتلبّسها شعور بالخزي، ويصحبها
انطباع بأنّ هذه الشهوة قذِرة في ذاتها.
يتناول هذا
المقال مفهوم الشهوة تناولًا مباشرًا، مجيبًا عن سؤالين مهمّين: هل الشهوة سيئة أم
حسنة؟ ولماذا تهيج عند بعض الناس أكثر من غيرهم؟ ثم يقدّم مقترحات عملية للتنفيس
والتعامل الرشيد مع سلطان الشهوة.
أولًا: هل الشهوة سيئة أم حسنة؟
الشهوة غريزة
لازمة، مركّبة في خلق الإنسان، ضرورية لاستمرار النوع البشري، ومقصودة لحكمة
الابتلاء، أمّا الذي يوصف بالحسن أو السوء فهو فهمها وطريقة التعامل معها، فلا
حاجة لتهويلها كوحشٍ كاسر لا يُملَك زمامه، ولا تهوين كأنها نسمة صيف خفيفة لا
تُهدّد ولا تُغري.
ويتجلّى هذا
بوضوح في الحديث الصحيح الذي جعل قضاء الشهوة في الحلال صدقة، لما فيه من مقاصد
إعفاف النفس والزوجة وطلب الولد الصالح، وصيانة القلب عن الحرام.
وهذا دليل بيّن
على أن الشهوة يمكن أن تتحوّل –بالنية الصالحة– إلى عبادة: «إنَّ بكُلِّ
تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ
صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بالمَعروفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ
عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»! فقالوا: يا رَسولَ اللهِ،
أَيَأتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ له فِيهَا أَجْرٌ؟! قالَ: «أَرَأَيْتُمْ لو
وَضَعَهَا في حَرَامٍ، أَكانَ عليه فِيهَا وِزْرٌ؟»، قالوا: نعم! قال: «فَكَذلكَ
إذَا وَضَعَهَا في الحَلَالِ كانَ له أَجْر» (رواه مسلم).
وفي واقعة أخرى
في غزوة بني المصطلق، اشتدّت بالصحابة الشهوة بعد أن أصابوا السَّبْي، فسألوا
النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل، فأذن؛ عن ابنُ مُحَيْرِيزٍ قال: دَخَلْتُ
المَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إلَيْهِ،
فَسَأَلْتُهُ عَنِ العَزْلِ، قَالَ أبو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مع رَسولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فأصَبْنَا سَبْيًا مِن
سَبْيِ العَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، واشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ
وأَحْبَبْنَا العَزْلَ، فأرَدْنَا أنْ نَعْزِلَ، وقُلْنَا: نَعْزِلُ ورَسولُ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ أظْهُرِنَا قَبْلَ أنْ نَسْأَلَهُ!
فَسَأَلْنَاهُ عن ذلكَ، فَقَالَ: «ما علَيْكُم أنْ لا تَفْعَلُوا، ما مِن نَسَمَةٍ
كَائِنَةٍ إلى يَومِ القِيَامَةِ إلَّا وهي كَائِنَةٌ» (متّفق عليه).
والشاهد من
استحضار هذه الواقعة هنا أنّ سلطان الشهوة يجري على كلّ البشر، ولو كانوا من
الصفوة الأطهار، وأنّ الإنكار ليس على مجرّد الشعور، بل على سوء التصريف وسوء
التقدير.
وفي قوله تعالى:
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ
يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا
مَيْلًا عَظِيمًا) (النساء: 27) تنبيه على الفرق بين من تحمله الشهوة إلى
مخالفة الشرع، ومن يتعامل معها في حدود ما أذن الله به، فالصالحون لم يَصلحوا
لأنهم بلا شهوة، بل لأنهم قَدَرُوها حقّ قدرها فوضعوها في الحلال أو صبروا عن
الحرام.
ولهذا قرّر
الغزالي في كتابه «كيمياء السعادة» أن الشهوة إحدى القوى الثلاث التي تقوم عليها
السعادة، لكنها لا تصلح إلا إذا توسّطت واعتدلت، وإلا جرّت صاحبها إلى الفتور أو
الفجور.
ثانيًا: مكامن الخلل في معاملة الشهوة:
1- خلل الاستجابة والتصريف:
الشهوة مثل
الجوع؛ حاجة طبيعيّة، لكنّ الاستجابة لها قد تُصاب بالاضطراب على طرفي نقيض:
- فمن يجهلها
بالكلية يتضرّر.
- ومن يُطلق لها
العنان يتضرّر كذلك.
وليس اللوم على غريزة
الجوع، بل على طريقة التعامل معها، وكذلك الشهوة؛ فالمشكلة في سوء التصرّف لا في
أصل الخِلقة.
2- تحجير شكل التلبية:
من الفطرة –مثلًا–
محبة الولد، لكن قد يُقدّر الله لعبدٍ ألّا يُرزق به، فيختلط على بعضهم الأمر،
فيظنون أنّ الفطرة لم تُلبَّ، مع أنّ الفطرة يمكن إجابتُها بوجوه أخرى، ككفالة
اليتيم، أو رعاية المستضعفين، أو بذل الحنان في مواضعه المشروعة، لكنّ الناس
كثيرًا ما يتحجّرون على الصورة الأصلية وحدها، ثم يلومون الشرع أو القدر، ومثل هذا
يقع في شأن الشهوة حين يتحجّر المرء على طريق واحد لتصريفها، فيعجز عن رؤية
البدائل المشروعة للتنفيس وتسكين الاضطراب.
3- تهييج الدواعي واستثارة الكوامن:
ليس كلّ ما
يهيّج الشهوة قَدَريًا ولا اضطراريًا، بل كثير منه مكتسب ومتعمد.
- فالنظر في
الصور المثيرة.
- ومتابعة
المواد العاطفية.
- والخلوة
المريبة.
- والفراغ
الطويل.
- والغذاء
البصري المستمر.
كلها مما يوقظ
ما كان خامدًا، ويستدعي ما كان ممكن الكفّ عنه، وقد أدرك العقلاء، قديمًا وحديثًا،
أن الإنسان إذا عرّض نفسه للمثيرات تكاثف عليه سلطان الشهوة.
ولهذا، قال
عبادة بن الصامت: إنه لا يتمنى الخلوة بامرأة لا تحلّ له ولو مُلِّك الدنيا كلها،
خشية أن يتحرّك فيه ما يصعب دفعه: «وَمَا يَسُرُّنِي أَنِّي خَلَوْتُ بِامْرَأَةٍ
لَا تَحِلُّ لِي وَأَنَّ لِي مَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، مَخَافَةَ أَنْ يَأْتِيَنِي
الشَّيْطَانُ فَيُحَرِّكَهُ عَلَيَّ (أي الشهوة)، إِنَّهُ لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا
بَصَرَ!» (تفسير القرطبي).
والنزاع ليس في
أنّ للشهوة سلطانًا، فهذا حقّ لا تدافع فيه، بل النزاع في تعمد إثارة هذا السلطان
ثم الاحتجاج به لتصريف الشهوة في غير وجهها المشروع.
ثالثًا: وسائل التنفيس والتسكين:
ليس المقصود
بكلمة «التنفيس» إلغاء الشهوة أو محوها؛ فهذا محال، وإنما مكمن الامتحان هو تربية
الأهواء وتهذيبها، لا خنقها، وتصريفها وفق أمر الله تعالى، لا وفق اضطراب النفس.
وفهم المسلم
لطبائع نفسه، وتقلباتها، وسعة الشريعة لاحتواء كلّ ذلك، يهدئ روعه، ويمنعه من
السقوط في هوّة اليأس، فكثير من الشباب إذا زلّوا أو ثارت فيهم الشهوة ظنّوا أنهم
قد ضاعوا، فيُلقون بأنفسهم في هوّة الملذات، أو يتهاونون بالفرائض، أو يتمرّدون
على الدين بدعوى أنّ «لا خير فيّ»، وهذا من أعظم مكايد الشيطان.
وثمة وسائل
يسيرة بالمداومة عليها يكون تخفيف حدّة فورانها، وتسكين اضطرابها، وتوجيه طاقتها
حتى لا تنقلب على صاحبها، ويمكن إجمالها تحت ثلاثة محاور رئيسة:
1- تنفيسٌ بالتصريف المشروع:
وهو الأصل
الأعظم، وأقرب طرق العلاج، كالزواج لمن استطاع إليه سبيلًا، ومَن عجز عن الزواج
فليعلم أن العجز ليس خطيئة، وأن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، وأن الصبر مرحلة
لا بدّ منها في حياة كلّ شاب حتى يأتي التيسير.
ثم الصوم، وهو
علاج نبويّ كريم، يجمع بين تهذيب الدوافع الجسدية، وتقوية الإرادة، وإضعاف سلطان
الشهوة، وتشتيت الطاقة الزائدة في العبادة.
ثم التصريف
الحلال في حدود المباح، كالتزيّن المشروع بين الزوجين، وإرواء الحاجة بالمعاشرة
المندوبة، وتجديد الألفة والمودّة، وابتغاء العفاف، واستحضار النية الصالحة التي
تُحوّل الجِماع إلى عبادة.
2- تنفيسٌ بتقليل دواعي الاضطراب:
وهو نصف العلاج،
فكثير من الناس يشتكون من فوران الشهوة، لكنها فورانٌ مُستثار لا مجبور، ومن أهم
الوسائل:
- غضّ البصر:
فهو الذي يقطع مادة الخيال، ويُطفئ جذوة التوق، ويحاصر الباب قبل أن يُدقّ.
- قطع موارد
الإثارة: مثل الصور الفاتنة، والأفلام الرومانسية، والموسيقى العاطفية، والمحادثات
العابثة، كلّها أنبوب يغذي النار، وليس الشديد من يطفئ الحريق بعد اشتعاله، بل من
لا يصبّ عليه الزيت أصلًا.
- ملء الفراغ:
فالفراغ أخو الشهوة، وكلّما عظُمت الساعات البيضاء؛ عظمت الأحلام السوداء، واشتعال
النفس بالهدف والعمل والطلب والجدّ، أعظم سلاح في ردّ خواطر الهوى.
- البيئة
النظيفة: فالصاحب ساحب، ومجالس الاستقامة تُطفئ الشهوة، ومجالس التلميحات
والفكاهات القذرة توقِدُها.
- ممارسة
الرياضة البدنية: ولو بالمشي في الهواء الطلق، وقد يُظن الشاب أن هذا كلام مثالي،
لكنه في الحقيقة من أعظم أبواب تخفيف الشهوة؛ لأن الشهوة مزيج من التفاعلات
الكيميائية البدنية كما النفسية.
- الذكر
والعبادة: فالقلب كلما امتلأ بالله، فرغ من غيره، وليس معنى ذلك أن الشهوة تزول،
بل أنها لا تَسْتَعْبِد.
- تذكّر
العواقب: ساعة لذة، ثم ماذا؟ وحشة، وندم، وتشويش، وقسوة، وهذا أعظم مثبّط للنفس
حين تثور.
- صحبة
الصابرين: ومراقبة قصص المجاهدين لنفوسهم، وكيف تجاوزوا ما تجاوزوا، فإنّ معرفة أن
غيرَك نجح، تُوقظ فيك القدرة على النجاح.
- معرفة قيمة
العفّة: فالعفّة ليست منعًا من المتعة، بل بناءٌ للقوة، وحريةٌ من الاستعباد،
ونورٌ في القلب، وتوفيقٌ في الطريق، ورفعةٌ عند الله.
لا تخلو نفس ابن
آدم من هوىً ما عاش، والهوى يشمل كلّ ميلٍ لحظٍّ أو مصلحة أو متعة أو مزاج، فكما
يميل القلب طبيعيًا إلى صاحب يوافقه، وقد يحرص على عبادة ويستثقل أخرى، كذلك تميل
النفس إلى الشهوة بدافع الخِلقة، وليس البأس في وجود الهوى، بل في كونك قائدًا له
أو تابعًا، فالقائد يوجّه هواه نحو ما يرضي الله، والمتبع ينساق وراءه مُساقَ
السُّكران.
وأول أبواب
العلاج الإيمان بسعة الدين لمخاطبة كلّ أحوال النفس، وأن الشريعة تتعامل مع الضعف
البشري تعامل المربي الرحيم لا القاضي المتربّص، وهذا يوقظ في العبد حسّ الانتماء
لإسلامه، ويمنعه من الانسحاب الوجداني، ويجعله يقبل على تعلّم أحكام الله في أطوار
نفسه المتقلّبة، فيلتزمها ما استطاع، فيكون من المفلحين بتوفيق الله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً