الافتقار إلى الله زاد العلماء الربانيين

الافتقار إلى الله زاد العلماء الربانيين

اختص الإسلام العلم بفضائل عديدة عظيمة، قال الله تعالى: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (البقرة: 269)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من سلك طريقاً يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا من طرق الجنة» (السنن (3641) عن أبي الدرداء، وهو صحيح).

تكريم الشرع لأهل العلم

وكرَّمت الشريعة أهلَ العلم بدرجات كثيرة رفيعة، قال الله عز وجل: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تتمة الحديث السابق: «.. وإنَّ العلماء ورثَة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا؛ إنَّما ورَّثوا العلمَ، فمَن أخذه أخذ بحظٍّ وافِر».

بين العلم والخشية

وإنما ينال أهل العلم من هذه الفضائل وغيرها بقدر ما يكون للعلم من أثر في قلوبهم وأعمالهم، بهذا يرتفعون عند الله وتسكن علومَهم في قلوب الناس وينتفع بها أهل الأرض، قال الله عزَّ وجلَّ: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر: 28)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنِّي لأعلمكم بالله تعالى وأشدُّكم له خشية».

وقال ابن مسعود: «ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكنَّ العلمَ عن كثرةِ الخشية»، وقال الإمام مالك: «إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله الله في القلب»، وسئل الإمام أحمد عن معروف: هل كان معه علم؟ فقال: «كان معه أصل العلم؛ خشية الله عز وجل».

فما يعلمه العالم ويدرسه الطالب من مسائل ويُحْكِمه، وما يحفظه ويستظهره، وما يجمعه ويرتِّبه ويصنّفه لن يترتب عليه شيء من هذه الدرجات والحسنات وكفارة السيئات إلا بقدر ما يغرس في قلبه من خشية الله عزَّ وجلَّ.

لهذا كان مِن أولى ما يجب أن يحرص عليه العالم في نفسه ويربِّي عليه المعلم طلابه خشية الله والإنابة إليه وتعظيمه والافتقار إليه والذل له والانكسار بين يديه، ومن يفعل هذا فقد أحسن إلى نفسه وإلى طلابه إحسانَ الدارين.

العلماء.. والافتقار إلى الله

ويجب على العالم والطالب أن يعتني بمادة الافتقار هذه في قلبه على الدوام، وكلما ازداد علمًا يجب أن يقابل تلك الزيادة لديه زيادة في الخشية، وأن يورّثه ذلك دوام المسكنة والافتقار، خاصة إذا جلس للتعليم وكثر المنتفعون به وعمَّ الثناء عليه من الخلق، فإن عمله حينئذ يصير مثل الشجرة، وهذه المعاني تصير مثل جذورها، وهذه المظاهر مثل فروعها وأغصانها، فكلما كثرت الفروع والأغصان قابلها رسوخ في الجذور؛ لئلا تميد.

إن الافتقار إلى الله تعالى والانكسار بين يديه مقامٌ ينبغي أن يسبق فيه ذوو العلم غيرَهم، بما يعلمون من عظمة الله وجلاله، وبما يعرفون من فضل الله ونعمائه، وبما يطالعون من قصور في أنفسهم عن الوفاء بالحقوق والواجبات وشكر النعم والمكرمات، وبما يشهدون من أنفسهم من ضرورة وافتقار إلى الله عزَّ وجلَّ في كل لحظة، ولهذا كان أسبق الخلق فيه الأنبياء والمرسلون والصدِّيقون.

موجبات الافتقار إلى الله

إن أهل العلم يشهدون في علومهم –بعد غيرها من النِّعم التي ينعم الله بها على الناس أجمعين- صنوفًا من موجِبات الافتقار والذلَّة لله عز وجل، فمنها: أن الله عز وجل دعاهم لهذه المهمة وأبعد عنها غيرهم، وأن الله عز وجل وفقهم لقبولها وصرف عنها غيرهم، وأنهم أقاموا عليها وملَّها غيرهم، وأنه سهَّلها لهم فوعتها قلوبهم وعقولهم، وأن الله أنطقهم بها فأبانوا وأفصحوا، وأقدرهم على السعي فسعوا وعلى التعليم فعلموا.

وكذلك منها أن الله عز وجل جمع عليهم قلوب الناس فاستمعوا لهم وأنصتوا أو قرؤوا لهم وطالعوا أو جلسوا إليهم وقرؤوا عليهم وتعلموا، وأن الله عز وجل يأجرهم على هذا كله وهو المتفضل به، فمن ذا الذي يرى كل هذه النعم والهبات والمنح والمكرمات ثم لا ينكسر قلبه وتذل نفسه وتنيب وتفتقر إلى الله تعالى كل ذرة فيه؟!

ثم إن هذه الذلة والافتقار وهذه الإنابة والانكسار وهذه الاستكانة والخضوع طريق الخير بزيادة العلم في ذاته ودوام النفع به في نفسه وفي غيره، وهي كذلك الحصن الحصين الذي يمنع صاحبه من فتنة العلم التي تتعدد طرقها إلى القلب من عجب وفخر وعلو وكبر وحب تصدر وحرص على تنافس وادعاء استحقاقات مختلفة، إنها إذن السبيل إلى العلم الذي ينفع والعصمة من العلم الذي لا ينفع.

إن مقام الافتقار إلى الله عز وجل أعظم مقامات العبودية التي تشتمل على القلب واللسان والجوارح، وأولى الناس بهذا المقام والتحقق به هم أهل العلم، فليحرص كل من له بالعلم صلة أن يكون من أهل الافتقار الدائم المتصفين بصفاته والمصعدين في درجاته.

وهذه المعاني من المطلوب أن يدندن حولها المربون والمصلحون والعلماء والدعاة الواعظون والكتَّاب المصنفون، ومن المطلوب -مع هذا- أن يري الأتباعَ من أنفسهم الاتصافَ بها المتبوعون، فيجتمع للأجيال منهم التعليم بالقول والعمل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة