أبو جهل الذي لا نعرفه.. إلى من يقزّمون خصومهم!
أدت الدراما
دوراً في تسطيح العديد من الشخصيات بين ظهورها في شكل بعيد عن جوهرها، أو حصرها في
زاوية واحدة من زوايا ومخايل الشخصية.
وكان من ضمن هذه
الشخصيات شخصية أبي جهل (أبي الحكم عمرو بن هشام)؛ ما ولّد صورة في العقل الجمعي
بجهله وسذاجته وتهوره -وهو كذلك- لكن جوهر شخصيته التي كان يعلمها النبي صلى الله
عليه وسلم، ويقدرها أنه شخصية إدارية من الطراز الأول.
فبنو مخزوم
كانوا حريصين كل الحرص ألا يضيع جاههم في قريش، الذي ورثوه كابراً عن كابر، فوالد
أبي جهل؛ هشام بن المغيرة، كانت قريش تؤرخ لوفاته؛ إذ جعلت موته يوماً لتأريخها،
وكان من كرماء قريش المعدودين.
فشخصية أبي جهل
في الواقع العملي والتاريخي، ليست كما في الدراما، وهذا المقال ليس تمجيداً لمخايل
أبي جهل، بل لتقدير حجم التحديات الصعاب التي كان يواجهها النبي صلى الله عليه
وسلم، فأبو جهل أحد أهم الأشخاص الذين ملؤوا عصر الرسالة صوتاً وصخباً، وكبراً
وتيهاً، فهو فرعون هذه الأمة.
ويمكن اعتباره
أكبر تحدٍّ بشري واجهه صلى الله عليه وسلم، وذلك لحضوره الطاغي، وما كان يتمتع به
من مخايل لم تكن موجودة عند غيره.
إن دراسة الخصوم
وتقديرهم حق قدرهم مفتاح جيد لمن يريد أن تنتصر فكرته، وبدلاً من السخرية والتقليل
منها يجب دراستها، ومعرفة مكامن قوتها وضعفها.
ولقد كان صلى
الله عليه وسلم أعلم بالقبائل والناس من حوله أكثر بهم من أنفسهم، حتى أصحابه
كانوا كذلك، فهو أعلم بهم من أنفسهم، وبما يمتلكونه من طاقات ومهارات، ودراسة هذا
الأمر مهم وجدير بحياة الرسول القائد.
أبو جهل في القرآن
نظراً لحضور
شخصية أبي جهل في المجتمع القرشي ومواجهة دعوة الإسلام، نجد أن القرآن ذكره في
عشرات المواضع، وربما لم يتفوق عليه في الذكر إلا عمه الوليد بن المغيرة المخزومي،
الذي نزلت في حقه 104 آيات -وهو شخصية تستحق الدراسة منفردة لكشف حجم التحديات
وتقدير الخصوم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بينما نزلت في أبي جهل 84 آية،
كما ذكر الماوردي.
وكانت العرب
تكني النمر «أبا جهل»، والنمر أخبث من الأسد، وهو لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ
من شدة غضبه أنه يقتل نفسه.
والعجيب أن أبا
جهل فعل ذلك يوم «بدر»، حينما رأى غيره من سادة قريش الرجوع فغلبهم على الحرب فقتل
نفسه وقتلهم.
مخايل أبي جهل الإدارية
لم يكن أبو جهل
غرّاً في نوادي قريش واجتماعاتها، بل كان حضوره طاغياً في محافلها، إذ بدت عليه
مخايل قلما ظهرت على أحد من جيله، وأدخلته قريش في دار ندوتها -نادي الكبار- وهو
في حداثة سنه.
فقد وصفته
الرواية حينها أنه «ما طرّ (نبت) شاربه، وما استوت لحيته»، وربما لم يشاركه في مثل
هذا الشرف إلا الصحابي حكيم بن حزام، الذي دخل دار الندوة وهو ابن 14 سنة.
لقد كان دعاء
النبي صلى الله عليه وسلم أن يعزّ الله الإسلام بأحب العُمرين إليه، وعندما استجاب
الله لدعائه في عمر قال: «لقد كنت شديد الشغب علينا أبا حفص، فدعوت الله أن يعزّ
الإسلام بك أو بأبي جهل بن هشام، ففعل الله ذلك بك، وكنت أحبّ إلى الله».
وقال الماوردي:
إنه لما تآمرت قريش في شأن النبي صلى الله عليه في دار الندوة، قال أبو جهل:
ليجتمع عليه من كل قبيلة رجل، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيرضى حينئذ بنو هاشم
بالدية، فنزلت: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ) (الأنفال: 30).
ولو تأملنا هذه
الخطة نراها تقترب من خطة النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الحجر الأسود، عندما
اختلفت قريش فيمن يحمله ويضعه مكانه عندما كانت تجدد بناء الكعبة، وكان رأي النبي صلى
الله عليه وسلم ومشورته الفذّة بأن يحمل كل فريق طرفاً من الثوب الذي وضع عليه
الحجر، ليمسكوه جميعاً ويضعه هو مكانه.
إنها ذات الفكرة
التي طبقها أبو جهل لاحقاً، ولكن بطريقة معاكسة، لأجل قتل النبي صلى الله عليه
وسلم في حادث الهجرة، وهو رأي لم يفطن إليه أحد من دهاة قريش إلا هو.
غزوة «بدر».. وتقدير الخصوم
عندما خرج أهل
المدينة يستقبلون النبي صلى الله عليه وسلم بنصره في غزوة «بدر»، قال الصحابي سلمة
بن سلامة بن وقش وكان ممن حضر المعركة: ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا به
إلا عجائز صلعاً كالبدن المعقلة فنحرناها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم
قال: «أي ابن أخي، أولئك الملأ -الأشراف والرؤساء- لو رأيتهم لهبتهم، ولو أمروك
لأطعتهم، ولو رأيت فعالك مع فعالهم لاحتقرته، وبئس القوم كانوا لنبيهم».
فمعرفة مخايل
الناس ومهارتهم من الذكاء الفطري، الذي كان يجيده صلى الله عليه وسلم ويوظفه
باقتدار، فقد شتّت صلى الله عليه وسلم بعبقريته العدو يوم «أُحد» حينما حلّت
الهزيمة بالمسلمين وأشاعوا مقتله، فلبس المِغْفَر (الخوذة الحربية) حتى لا يصلوا
إليه، وصارت هذه حاله حتى تعرف عليه الصحابة، وبدأ الأمل والثبات يعود لجيش
المسلمين.
وذات الأمر
صنعته بنو مخزوم أيضاً حينما حلّت بهم الهزيمة في يوم «بدر»، فإنهم أتوا بواحد
منهم وألبسوه خوذة أبي جهل ليظن المسلمون أنه لم يقتل، وذلك لبثّ الأمل والثبات
كمحاولة يائسة وبائسة في جيش المشركين، ولكن الإمام عليّاً رضي الله عنه أنهى حياة
من كان يرتدي خوذة أبي جهل ليحطم نسج هذه الأسطورة.
ولم تتحمل قريش
وقع الهزيمة، بل جعلت عقب المعركة من يحرس جيفة أبي جهل لرمزيتها، ولحضوره الطاغي
والمستمر في قريش، الذي أنهاه صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء.
إنهاء رمزية أبي جهل الأخيرة
بنهاية أسطورة
أبي جهل سكنت نفس الإسلام، إذ ظلت رمزيته عالقة في ذهن وسردية قريش، وكان النبي
صلى الله عليه سلم يعلم ذلك، لذلك نراه يحتفظ بجمله، الذي كان ضمن الغنائم التي
حصل عليها المسلمون في غزوة «بدر» الكبرى.
احتفظ به صلى
الله عليه وسلم لمدة 5 سنوات كاملة، ليقدّمه ضمن الهدي؛ الذي ساقه معه ليغيظ به
قريش، ويروا دابة أبي جهل الفارهة المحلّاة بالفضة، ضمن هدي النبي صلى الله عليه
وسلم، الذي سيقدم قرباناً إلى الله في أول زيارة لبيت الله الحرام.
وهذا الفعل في
غاية الترتيب الدبلوماسي الذي يمكن أن يراعي ويوظف من القيادة الحكيمة الواعية في
المحافل والمراسم الدولية في تمرير الرسائل والاعتبارات التاريخية.
إن رمزية أبي
جهل ظلت مستمرة لتنتهي كاملة بإسلام ابنه عكرمة، حتى إنه صلى الله عليه وسلم رأى
مناماً أنه دخل الجنة ورأى فيها نخلة وعِذْق (الجزء الذي يحمل ثمار البلح) منها قد
تدلّى فأعجبه، فلما سأل عنه قيل: هذا العِذْق لأبي جهل، فقال صلى الله عليه وسلم: «كلا
والذي نفسي بيده لن يدخلها إلا نفس مؤمنة»، فلما جاء عكرمة مسلماً تأول صلى الله
عليه وسلم العذق الذي رآه في المنام بعكرمة، لينضم إلى صفوف المسلمين وتنقطع به
علاقة أبي جهل شرعاً في الدنيا والآخرة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً