آية الكرسي.. 10 وقفات تدبُّرية مع أعظم آية في القرآن

عزة مختار

16 أكتوبر 2026

64

صورة تعبيرية لفتاة تقرأ أية الكرسي

تُعدّ «آية الكرسي» (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: 255) أعظم آيةٍ في القرآن الكريم؛ لما اشتملت عليه من توحيد خالص، وتنزيهٍ للمولى عز وجل، وتبيان لصفات جلاله وكماله، ولا تقتصر بركة هذه الآية على المداومة على تلاوتها بألسنتنا، بل تتعداها إلى استشعار معانيها واستحضار عظمتها في قلوبنا.

وفيما يلي 10 وقفات إيمانية وتدبرية توضح سرّ هذه العظمة وأثرها في حياة المسلم:

1- آية الكرسي الآية الأعظم بشهادة النبوة:

ثبت في الحديث الصحيح أن «آية الكرسي» هي أعظم آيات كتاب الله؛ فعن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟»، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟»، قال: قلت: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، فضرب في صدري وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر» (رواه مسلم).

2- حرز حصين وحفظ من الشيطان:

تُشكّل قراءتهاعند النوم حماية إلهية للمسلم؛ ففي حديث أبي هريرة عندما وكّله النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فعلّمه الشيطان أن يقرأ «آية الكرسي» عندما يأوي إلى فراشه ليكون عليه من الله حافظ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان» (رواه البخاري).

3- باب عظيم للجنة بعد الصلاة:

عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» (رواه النسائي)؛ وهذا يدل على أن أثر الصلاة لا ينتهي بالتسليم، بل يمتد بالذكر والتلاوة لاستحضار معاني التوحيد والعظمة.

4- تجديد معنى التوحيد في القلب:

تبدأ الآية بقوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، وهي الكلمات التي تُجَمِّع أصل الدين ودعوة الأنبياء؛ أي إفراد الله بالعبادة ونفيها عمن سواه، يقول ابن كثير: «هي إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق»(1)، ويقول السعدي: «أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى»(2).

5- ترسيخ حقيقة «الْحَي الْقَيُّوم»:

يدل هذان الأسماء الكريمان على سائر الأسماء الحسنى؛ فالحيّ هو من له الحياة الكاملة المستلزمة لصفات الذات كالعلم والقدرة والسمع والبصر، والقيّوم هو القائم بنفسه المُقيم لغيره(3)، وحين يتأمل المسلم هذا المعنى، يدرك ضآلة قواه المحدودة، فيعمل ويسعى دون أن يدخله الغرور أو الاستغناء عن ربه.

6- طمأنينة القلب.. «لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ»:

«السِّنة» النعاس أو النوم الخفيف، وقد نفاها الله عن نفسه لأنه منزه عن الآفات والتغير(4)، يتجلى هنا الفرق الجوهري بين الخالق والمخلوق؛ فالإنسان يضعف ويغيب بالنوم، بينما الرب سبحانه لا يغفل ولا يغيب عن علمه شيء؛ ما يورث القلب راحة وطمأنينة بأن تدبير الكون في يد من لا تنام عينه.

7- التحرر من وهْم امتلاك الأشياء:

قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)؛ يُقرر أن الملك كله لله خلقاً وتدبيراً(5)؛ وهذا المعنى يغير نظر الإنسان للمال والجاه والمنصب؛ فما في أيدينا هو استخلاف ونعمة من الله، لا مسوغاً للتكبر على الخلق أو ظلمهم.

8- الخضوع لجلال الألوهية:

قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) سؤال استنكاري يفيض بالجلال والرهبة، يقول سيد قطب: «سؤال استنكاري يوحي بأن الأمر لن يكون، فمن هذا الذي يجرؤ على النطق بغير إذن؟ فالعبيد جميعاً يقفون في حضرة الألوهية موقف العبودية لا يتعدونه..»(6).

وهذا المعنى يصحح علاقة العبد بربه، ويمنعه من الغلو في المخلوقين أو الاعتقاد بأن لأحدٍ سلطة مستقلة دون إذن الله.

9- التواضع أمام علم الله المحيط:

تضعنا آية (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) أمام حقيقة كبرى؛ أن علم الله شامل ومحيط، وعلم البشر محدود بما سمح الله به(7)، وهذا التواضع المعرفي يجعل المسلم أقل غروراً بجهله، وأكثر تثبتاً من الأخبار، وأبعد ما يكون عن الاستعجال في إطلاق الأحكام.

10- استحضار العظمة التي لا يعجزها حفظ الكون:

تُختتم الآية بقوله تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)؛ فالكرسي وسع السماوات والأرض، ولا يثقله أو يعجزه حفظهما(8)، وتجمع هذه الخاتمة بين سعة الملك، وكمال القدرة، وعظمة العليّ القدير.

الهوامش
  • 1 تفسير القرآن العظيم لابن كثير.
  • 2 تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن).
  • 3 المرجع السابق.
  • 4 تفسير البغوي (معالم التنزيل).
  • 5 المرجع السابق.
  • 6 في ظلال القرآن، سيد قطب، ج1، ص287.
  • 7 المرجع السابق، ص289.
  • 8 تفسير البغوي.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة