العنوان إيران.. إصلاح أم فوضى؟
الكاتب محمد ناصري
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-2000
مشاهدات 72
نشر في العدد 1407
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 04-يوليو-2000
▪ كان «حزب الله» الإيراني يرى أن واجبه الديني يقتضي منه الدفاع عن «مقدسات الثورة» مهما كان الثمن.. لكنه أصبح اليوم يقبل بوجود نوع من التفاهم والحوار مع الأحزاب الأخرى
▪ كل طرف يفهم الإصلاح وفق ما يريده: الشباب.. المرأة... عامة الناس وحتى الغرب
▪ المبالغة في الدعاية أهلت إيران لتصدير سيارات كهربائية.. لا تملك في الأصل مصنعًا لإنتاجها!
▪ حارب الإصلاحيون على جبهة الصحافة.. فسارع المحافظون بالرد عليهم في البرلمان قبل أن يفقدوا الأغلبية فيه
استغرقت إيران أكثر من عشرين سنة للانتقال من مرحلة تفرد حزب واحد «الحزب الجمهوري الإسلامي» بالسلطة بفعل ثورة الشعب، لتدخل مرحلة تعددية الأحزاب التي تقترب بها من الديمقراطية، المرور بهذه المرحلة لم يكن بالأمر السهل، حيث التخلص من التفرد الحزبي للانتقال إلى الديمقراطية المشروطة، ثم محاولة الدخول في معركة الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. لم يحن بعد زمن التعايش السلمي بين الأحزاب المختلفة في إيران، ومن هنا فقد نشاهد مزيدًا من الاحتكاكات بينها.
وبينما عرف المجتمع الإيراني منذ أمد بعيد الديمقراطية التي اشتهرت به الديمقراطية المشروطة إلا أنه على الصعيد العملي لم تر هذه الديمقراطية نورًا في البلد إلى الآن.
وهناك جدل حاد بين شتى طبقات المجتمع من السياسيين والمثقفين والعلماء ورجل الشارع حول مبادئ ومفاهيم مثل الحرية التي فسرت تفسيرات مختلفة فبينما يفسرها البعض بالحرية من عبودية الاستعمار، يفسرها الآخرون بالحرية الشخصية، ثم هناك جدل حول الحرية المطلقة والحرية مع المسؤولية، وعن أيهما أولى المسؤولية أم الحرية وبعبارة أخرى هل الديمقراطية هي التي تتمتع بالأولوية أم التثقيف والشعور بالمسؤولية ذلك الجدل الذي ثار بين المحافظين، والإصلاحيين في إيران يشكل الخطوط العريضة لكل من الجناحين.. واليوم.
تحاول إيران دخول مرحلة جديدة وحاسمة من تاريخها عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع بمشاركة أحزاب وأجنحة مختلفة بوجهات نظر متعددة، وهذا الأمر يوحي بأمور:
أولًا: أن زعماء إيران يرحبون بإرادة الشعب، لكن بشروط، وهذا يعتبر تنازلًا عما كان عليه النظام قبل ذلك، فمن صميم مبادئ الثورة مراعاة مصلحة النظام الجمهوري وفق نظرة ولاية الفقيه النافذ المشيئة، والذي يجب الولاء له ومتابعته، لكن الجيل المعاصر يتساءل: لماذا تقدم مصالح النظام على مصالح الشعب؟ وأيهما أهم مصلحة الشعب أم مصلحة النظام؟ وبعبارة أخرى إن ولاية الفقيه تعرضت للمساءلة.
ثانيًا: أدرك زعماء إيران أن المناخ السياسي السائد ليس لصالح الشعب والنظام لا سيما أنه لیست هناك ثمة مبررات للركود والتراجع الاقتصادي وظاهرة البطالة والتضخم.
ثالثًا: خاضت الأحزاب- لا سيما المعارضة الانتخابات تحت شعارات براقة، مما حول المناخ لصالحها، ومن ثم يمكن القول إن نتائج الانتخابات غير معبرة بالتأكيد عن حقيقة إرادة الشعب.
▪ من أين جاءت هذه الأحزاب؟
كان الحزب الجمهوري الإسلامي محتاطًا للغاية للوقوف دون انتشار الحزبية، ولذلك غابت الحزبية في الثمانينيات ولم تظهر حتى منتصف التسعينيات، حيث تشكلت أحزاب وأجنحة مختلفة بفعل انعطاف النظام نحو الانفتاح السياسي واستطاعت هذه الأحزاب أن تخوض معركة الانتخابات بكل قوة ونشاط، ولعل ذلك يرجع إلى أن إيران لا تستطيع تجنب الحزبية بالنظر إلى تاريخها الطويل وتجاربها في ساحة العمل الحزبي.
يقول الدكتور محمد علي كاتوزيان- الأستاذ بجامعة أكسفورد-: التحزب في إيران له تاريخ طويل، ومن هذا التحزب في العصور السابقة- أي قبل مائة عام- قبائل حيدر وشيخي وبالا سري وغيرها، بيد أن التحزب أخذ طابعًا عصريًا وأوروبيًا بعد الانقلاب المشروط في مطلع القرن العشرين إن تكون الأحزاب إذن أمر طبيعي!
الأجنحة السياسية التي شاركت في الانتخابات في أواسط التسعينيات ثم في الانتخابات الأخيرة هي:
أولًا: حزب الله، وهو من أقدم أحزاب ما بعد الثورة وكان في بداية الأمر خارج نطاق الحكومة، وقد تأسس من أجل حفظ الثورة من الجناح الليبرالي وأنصار النظام السابق والمنتمون إلى حزب الله هم منا الطبقة الدنيا والمستضعفة.
حزب الله لا يوافق على مبدأ الحوار مع الأحزاب الأخرى، ويرى أن واجبه الديني يقتضي منه الدفاع عن مبادئ الثورة التي يسميها به مقدسات الثورة، مهما كان الثمن، مع ذلك فمنذ عام ١٩٩٦م حدث تغيير ملموس في فكر حزب الله حيث أصبح يرى ضرورة وجود نوع من التفاهم والحوار في الساحة السياسية مع الأحزاب الأخرى.
ثانيًا: الاتجاه الليبرالي: وهو تجمع حزبي ذو اتجاه معارض كان تحت قيادة المهندس مهدي بازرجان، وقد عاش في الساحة السياسية لمدة تسعة أشهر، ثم اختفى عن الساحة إلى أن ظهر في منتصف التسعينيات، وإن لم يشارك في انتخابات عام ١٩٩٤م نظرًا للضغوط التي واجهته من حزب الله والجناح اليميني، بيد أنه قرر المشاركة في انتخابات عام ۱۹۹۷م بعدما انتشرت أفكاره في المجتمع الإيراني.
ثالثًا: جناح اليمين: في عام ١٩٩٤م حصل انشقاق على مستوى القادة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي مما تسبب في ظهور جناحي اليمين والوسط، وكلاهما ابتعد عن مركز الحكومة، وسيطر جناح اليمين على البرلمان الرابع تحت شعار الدفاع عن قيادة الثورة ورئيس الجمهورية مقابل جناح المتشددين.
رابعًا: جناح الوسط إثر انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية عام ١٩٨٨م وتغيير الاستراتيجية العسكرية والسياسية تقلص نفوذ المتشددين في مواجهة البراجماتيين الذين شكلوا جناح الوسط وبنوا سياستهم على إعادة بناء الاقتصاد واستئناف العلاقات الخارجية مع العالم.
خامسًا: جناح اليسار: ظهر هذا الجناح الحقيقة عبارة في انتخابات عام ١٩٩٤م، وهم في الحقية عن المجددين في وجهات نظر واستراتيجية حزب الله، وقد كانت التغييرات جوهرية للحد الذي أدى إلى تشكيل جناح جديد ذي شخصية مستقلة ويهتم هذا الجناح بقضايا حقوق الإنسان واحترام سيادة الدستور والحريات ويختلف جناح اليسار مع جناح اليمين بسبب احتكار هذا الأخير للسلطة، كما يختلف مع حزب الله لأنه يؤيد جناح اليمين، وأقرب جناح إلى اليسار هو الوسط، ومن هنا فلا يعارضه بشكل مباشر، ويشكل جناح اليسار العمود الفقري للإصلاحيين.
▪ الانتخابات بعد الثورة
منذ بدء الثورة الإيرانية عام ۱۹۷۸م، أجريت الانتخابات الرئاسية أكثر من مرة، بيد أن الانتخابات الحقيقية تبدأ من البرلمان الخامس عام ١٩٩٤م، حينما أجريت الانتخابات بمشاركة مرشحين متنافسين، وفي ذلك العام وضع أساس الأجنحة المختلفة، وبحلول عام ۱۹۹۷م خاضت الأحزاب الانتخابات بشكل فعال ونشيط، وفي عام ۲۰۰۰م ساد جو التنافس الشفاف الإيجابي، حيث لكل حزب مجال الإبراز برامجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أما شأن الانتخابات السابقة فلم يكن على النحو المطلوب، ففي أول انتخابات عام 1978م، بني صدر رئيسُا للجمهورية في جو «ثوري» انتخب محمد علي رجائي عام 1981م على عجالة و انتخب على خامئني في جو متأثر بشكل مباشر بالحرب، وانتخب علي هاشمي رفسنجاني بعد الحرب وشعار إعادة البناء. وفي كل هذه الانتخابات كانت الظروف غير عادية ولم تكن ثمة منافسة حقيقية بل شكلية فارغة من المضمون بين شتى المرشحين لذلك كان المرشح الحكومي يحوز على نسبة أكثر من ٩٠% من الأصوات.
▪ الإصلاحيون مقابل المحافظين
الاستقطاب الحاد بين من اشتهروا به «المحافظين»، و«الإصلاحيين»، ليس بجديد في تاريخ إيران المعاصر، وقد يستمر في المستقبل بالتعامل بين شتى الأحزاب في إيران- كما يقول الدكتور كاتوزيان- تعامل حذفي، أو إقصائي أي أن القوى التي تسيطر على السلطة تحاول أن تقمع المعارضة الضعيفة، حتى الذين لهم نفس الاتجاه لا يستطيعون تحمل أصحابهم، وفي الماضي وصلت المنازعات حدًا أنه بعد الحرب العالمية الأولى أعرب البعض عن خشيته من أن تنهار إيران أو تتجزأ نتيجة الاختلافات هذه ويسبب هذه المخاوف اتفقت أطراف الصراع- آنذاك- على قبول رضا خان بهلوي حاكمًا لإيران وفي بداية هذا القرن، وبعد وضع الدستور كانت هناك تصادمات بين شتى الأحزاب وحتى الولايات، كما في أذربيجان وكردستان، وقبائل فارس، كما ساد بين أعضاء البرلمان تعامل حذفي وخصومة شديدة، ويبرز التحزب والتفرق غالبًا عندما تضعف القوة المركزية، وعلى الرغم من أن الدستور الإيراني وضع خلال الثورة المشروطة في مطلع هذا القرن، واتفق الجميع على تدوين الدستور الذي منحت على أساسه الحريات، فإن ذلك لم يمنع من التمادي في الاختلافات، وعند العمل توجه الناس نحو ما تعودوا عليه فحلت الفوضى محل الحرية، وبدلًا من تخلص المجتمع من الحاكم المستبد سادت الاضطرابات، وتصرف كل حسبما يحلو له واليوم يخشى من تكرار ما حدث في الماضي، صحيح أن الجميع يحتاط ويحاول تجنب الوقوع في الورطة، ولكن هل الأمر بأيديهم.
▪ من أسباب ضعف المحافظين
بعد أن تفرد المحافظون بالحكم دون أن يحققوا ما كان يحلم به المجتمع الإيراني من العيش المريح في ظل النظام الجمهوري وشعاريه الاستقلال، والحرية، فضل الشعب التغيير واختار لونًا آخر، وإذ جاءت نتائج الانتخابات لغير صالح المحافظين، فإن هناك أسبابًا أدت إلى خسارتهم المعركة، وفتحت الطريق أمام الإصلاحيين، هناك جدل حول ما إذا كان ما حدث بعد انتصارًا حقيقيًا للإصلاحيين أم أنها بداية لمعرفة هويتهم والكشف عن ماهيتهم؟ وهل الشعب اختارهم نتيجة الوعي السياسي، أم لمجرد خوض تجربة جديدة على كل، لعل أهم أسباب خسارة المحافظين تتلخص فيما يلي:
1- إن الشعب الإيراني يريد التغيير كائنًا من كان فاعله ومحققه، وحيث إنه يستبعد التغيير بأيدي المحافظين فقد صوت لصالح الإصلاحيين الذين يرفعون شعار التغيير.
2- أن حصيلة عشرين عامًا من حكم المحافظين كانت أقل من توقعات الشعب.
3- إتمامًا للحجة- حجة الشعب على الإصلاحيين ولكي يتيحوا لهم فرصة ليقدموا ما عندهم من الدعاوي العريضة وينفذوا وعودهم بشأن إصلاح ما قصر فيه من كان قبلهم.
4- نقص ملحوظ فيما يتعلق بالحريات المشروعة وقد أثارت ذلك الصحافة في السنوات الماضية، وادعت أن المحافظين اغتصبوا الحرية.
5- تبني المحافظين سياسة مبنية على الحماسة الناتجة عن الثورة- والتي لا تعني دائمًا الصواب أو القدرة على حل المشكلات المتصاعدة والمتراكمة ويرى المحللون أن الحماسة- التي تكثر في المجتمع الإيراني بوفرة- لعبت دورها في انتخاب الإصلاحيين أيضًا، وذلك تحت تأثير الشعارات البراقة التي رفق رفعوها، يقول سيد حسن مرعشي مندوب ولاية كرمان بالرغم من الكثير من الإيجابيات والمشاركة الشعبية لا تزال السياسة تعاني من التهيج والحماسة.
6- الاحتمال الأوفر حظًا وفي الحقيقة يبهم لدى الكثير ما هو الأصلح، ولذلك فهم يصوتون الصالح من يحتمل أن يغير شيئًا نحو الأحسن وبعبارة أخرى فإن السياسة تابعة للتخمين.
7- وهناك أسباب اجتماعية أخرى كتغيير المجتمع من التقليدية إلى الصناعية، ولعل لذلك دورًا في تغيير المجتمع عما كان عليه قبل اثنتين وعشرين سنة..
8- وأخيرًا لعبت وسائل الإعلام الغربية دورًا في تحسين وجه الإصلاحيين.
ويرى البعض أنه ليس هناك في حقيقة الأمر انتصار أو انكسار حقيقي لأي من الطرفين ويقول الدكتور صادقي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيراز عدم انتصار جناح اليمين لا يعني بالضرورة انتصار جناح اليسار، وبرغم ذلك كله نجد كبار المحافظين يعترفون بالهزيمة أمام الإصلاحيين، وذلك لعلل داخل المحافظين، يقول حجة الإسلام نيازي رئيس القوة القضائية في القوات المسلحة: عدم الحصول على الأصوات درس للذين فشلوا ولغيرهم، ويجب النظر فيما فعلوه سابقًا.
▪ ما الإصلاح؟
عند الحديث عن مصطلح الإصلاح، نجد أن لكل تفسيره الخاص، فالإصلاح عند الشباب يعني أن المجتمع الإيراني اليوم مجتمع شباب، بمعنى أن ٥٠٪ من ٦٢ مليون إيراني تحت سن ٤٠ عامًا.
ومن هنا ينبغي أن يكون للشباب دور كبير في تعيين مصير المجتمع «الإصلاح» عند الشباب يعني التغيير الذي يجب أن يحدث وخاصة في مواجهة مشكلات الشباب المتزايدة والمتصاعدة فهناك ٥٠ من مجموع مليونين من المدمنين على المخدرات من الشباب، وبعبارة أخرى فإن مصابي المخدرات أكثر من مصابي الحرب- والمخدرات سوق رائجة في إيران نظرًا لفوائدها المادية.. وهناك ۲۳% من الشعب يعاني من اضطرابات خفيفة، و۲۱% يعاني من اضطرابات نفسية حادة. وكذلك يلاحظ ارتفاع نسبة حوادث الانتحار بمعدل ١٠٩% عما كان عليه في العام الماضي، ثم إن فقدان أي برنامج ذي هدف موجه للشباب- على نحو ما ينبغي- أو اتخاذ موقف مسؤول تجاههم يساهم في دفع الشباب للبحث عن البدائل والحلول والتركي والحلول والتفكير بضرورة التغيير، ويرى الشباب أن النظام مسؤول عن هذه الظروف المتدنية.
الظاهرة الأخرى التي تستبد بالشباب هي البطالة، إلى هذا أشار علي أكبر هاشمي رفسنجاني قائلًا: «قلة فرص العمل للشباب» هي جل وأساس المشكلات للأسر والنظام والشباب اليوم وأعون بحقوقهم أكثر من أي زمن مضى يفسر الدكتور عباس خير آبادي ذلك بأن قادة الثورة قرروا ضرورة تعرف الشباب على السياسة، بعبارة أخرى يجب أن يكون الجامعيون سياسيين أيضًا، وعلى صعيد آخر فإن تشكيل الأحزاب والجو الديمقراطي ساعد على نشر الأفكار السياسية ولهذا الأمر آثاره في المجتمع على المستويين السياسي والاجتماعي، فهناك إقبال شديد من الشباب على قراءة الكتب السياسية والدليل على ذلك رواج سوق الكتب السياسية فحسب صحيفة «خراسان» فإنه على الرغم من أن سوق الكتاب لا يتمتع بالرواج في هذه السنوات في إيران، إلا أن تداول الكتب السياسية أخذ في التصاعد المطرد في ثلاث السنوات الماضية ولا سيما بين الشباب وطلاب الجامعات والمثقفين ومع أن الشباب الإيرانيين اليوم يتميزون بثقافة أحسن، إلا أن المعلومات لديهم تكون من قبيل الثقافة المجردة. يقول باحث إيراني إن المعلومات لدى الشباب غزيرة ومكثفة، لكن الأخلاق ذائبة ومن هنا يرى الشباب أكثر من سبب للتغيير.
الإصلاح عند المرأة الإيرانية: المرأة الإيرانية تريد المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية، وقد لوحظ ارتفاع نسب مشاركة النساء في الانتخابات الأخيرة، وتحلم المرأة الإيرانية بأبعد من ذلك، فهي تجهز نفسها لتسلم المهمة، إن ٥٦% من المرشحين لدخول الجامعات من البنات، وتشجع الصحف المرأة الإيرانية على المشاركة في الحياة الاجتماعية بشكل فعال، ومن هذا المنطلق تفضل المرأة الإيرانية التجربة الجديدة وتريد مناخًا يسمح لها بإنجاز ذلك.
الإصلاح عند عامة الناس: نجد عامة الناس يفضلون إصلاحًا ما، حيث قد غيرت الظروف الاجتماعية والاقتصادية الشعب عما كان عليه في السنوات الأولى من الثورة يقول المهندس آيتي نائب محافظة بيرجند بولاية خراسان فوز الإصلاحيين في أول معانيه يستدعي من المحافظين إعادة النظر في تفكيرهم نحو الجامعة والسياسات الداخلية والخارجية والتحولات التي برزت في العقد الثالث من الثورة ولا يزال المحافظون يتصورون أن إيران اليوم هي نفس إيران قبل عشرين سنة.. ومن هذا المنطق ينبع خطوهم.
الإصلاح والغرب: الإصلاح عند الغرب غير الذي يفهمه الشعب الإيراني، فمن الغرب من يفهم أن الإصلاح يعني التنازل عن كل الالتزامات نحو الدين والأخلاق الاجتماعية والتحرر الفردي إلى أبعد حد ممكن، ويحلم لإيران بإصلاحات يريدها هو:
كريستين أمانبور- مراسلة شبكة سي إن. إن الإخبارية- وهي إيرانية الأصل- أعدت تقريرًا بعد أسبوع واحد من الانتخابات في إيران وأخذت لقطات من حفل أقيم بمناسبة بلوغ أبيها سن الـ ۸۰ ترى فيه فتيات غير محجبات يرقصن، وتظن أمانبور أن ذلك يمثل الإصلاحات التي يريدها الشعب الإيراني.. ولا شك أنه تفسير تعسفي مجحف وغير مبني على الحقيقة، فضلًا عن أنه أمر فردي لا يعكس حقيقة ما يجري في الساحة والتيارات السائدة في الشارع الشيء نفسه بالنسبة لتصوير رجل ذهب مع كلبه إلى صناديق الاقتراع. ومن الغربيين من يفهم أن الإصلاحيين سيتنازلون عن أسس الثورة ومصالح إيران الصالح الغرب.
وقد صرح كمال خرازي وزير الخارجية الإيرانية بأن ظنون الولايات المتحدة بشأن تنازل خاتمي والإصلاحيين عن المبادئ الأساسية مبنية على خطأ، بينما يحاول الآخرون تشويش أذهان الناس بطرح تفاسير أخرى لمصطلح الثورة، وأنهم أكثر إنصافًا للحقيقة وأقل إضرارًا بالشعب الإيراني.
الإصلاح وعلماء الغرب: أمريكا المتمثلة في مفكريها وعلمائها تعتقد أن العالم يتعامل على نحو أحسن مع إيران تحت زعامة الإصلاحيين يستنبط الأمر على سبيل المثال- من رسالة مائة مفكر أمريكي- من بينهم ١٣ من الحاصلين على جائزة نوبل- إلى خاتمي يرحبون بحوار الحضارات.. يقول أمير سلطاني الذي ابتكر فكرة الرسالة: إن أمريكا خاضت حربًا مع اليابان وفيتنام، لكنها اليوم تتمتع بعلاقات حسنة مع كلا البلدين. ومن هنا يجب نسيان الماضي واستئناف العلاقات بين إيران وأمريكا.. قطع العلاقات لا يثمر شيئًا ولا سيما أن عام ٢٠٠١م اختير عامًا لحوار الحضارات.
الإصلاحيون من الشعار إلى العمل: هل بمقدور الإصلاحيين تنفيذ ما وعدوا به الشعب أم إن وعودهم كانت نوعًا من الخدعة السياسية المعروفة في العالم الثالث وبذلك يحطمون أمال الذين صوتوا لصالحهم إن طرح الشعارات ليس بجديد في كافة بلاد العالم الثالث بما فيها إيران ومن هنا فهناك هوة واسعة بين الشعار والعمل وهناك أمثلة حية على الصعيد السياسي الإيراني للشعارات الجذابة التي تكون في أحيان كثيرة فارغة المضمون، ففي أوائل الثورة وفي اجتماع كبير في جامعة طهران كان أحد قادة الثورة يتكلم ويتحدى مهدي بازرجان رئيس الوزراء- آنذاك- وكان من بين مطالباته توفير الماء والكهرباء بالمجان لكل زارع في حين أن إيران تعاني من نقص حاد في الماء، الماء وجعل الماء مجانًا.. يعني صرف المياه بلا حدود، فمن أين سيوفر هذا الكم من الماء هذا التحدي كان مغرضًا ومتعسفًا إن الدستور الذي دون في إيران في مطلع هذا القرن كان أكثر تطورًا وشمولًا حتى من دساتير البلاد الأوروبية التي ابتدعت الديمقراطية، بما فيها ألمانيا وفرنسا والنمسا، مع أن النمسا آنذاك كانت امبراطورية عملاقة فمن الطبيعي أن الكلام أسهل من العمل وهناك تقرير اقتصادي بشر إن إيران ستصدر سيارات كهربائية إلى الخارج، ثم يكشف المتتبع أن إيران لا تمتلك سيارات كهربائية فضلًا عن امتلاك مصنع سيارات من هذا النوع فكيف بتصديرها قبل برهة من الزمن كانت هناك دعاوى بأن السيارات المصنعة في إيران من أدق وأصلح السيارات في العالم وأكثرها راحة.. ثم يعترف المسؤولون اليوم بأن سيارة «بيكان الإيرانية».
الصنع الشهيرة التي تملا شوارع إيران من أسوأ السيارات وأنه بتعبير اقتصادي إيراني لا يمكن تصديرها إلا إلى بلد لم ير السيارة الغاية الآن، ومن هنا فلا يزال الطريق شاقًا وطويلًا قبل أن ينال الإصلاحيون الثقة من الشعب أو يحققوا ما وعدوا به.
▪ الثورة ذاتها هي الإصلاح
ردًا على الشعارات البراقة للإصلاحيين، قال آيت الله علي خامنئي قائد الثورة الإيرانية في إحدى خطبه بجامعة طهران إن الثورة ذاتها هي الإصلاح، حيث إن الثورة قامت بإصلاح ما كان أفسده نظام الشاه.. وهذا الإصلاح ما نريده نحن ويريده فخامة رئيس الجمهورية محمد خاتمي نفسه، وهذا هو الإصلاح الحقيقي.. إلا أنه لا داعي لرفع هذا الشعار لضرب النظام الجمهوري الإسلامي أما الإصلاح الأمريكي، ذلك الذي يريده الغرب في أكثر من دولة كالصين والهند وروسيا.. فذلك مرفوض، يجب كشف الستار عنه.
آليات الصراع الحزبي منذ بداية الانتخابات بل ومنذ أن طرحت قضية الحزبية بعد فوز الإصلاحيين في انتخابات عام ١٩٩٧م يلاحظ اندلاع نوع من الحرب الباردة بين الطرفين وكل منهما يتشبث بسلاحه، فبينما يتمتع المحافظون بحماية الجيش والقوى المسلحة ويسيطرون على شبكات التلفاز، ويحسنون استغلال المناسبات الدينية وما أكثرها، نرى أن الإصلاحيين يتسلحون بالصحف والجرائد التي استثمروا فيها ويرون أن لها دورًا في السياسة والاقتصاد وتثقيف الشعب والمشاركة في اتخاذ القرارات الرئيسة ومد جسر للتفاهم مع الشعب وتكبير النقاط السوداء، أما المحافظون فيعتبرونها وسيلة لثورة ثقافية غير مشروعة بحماية الغرب ودعمه بعدما عجز عن القيام بثورة عسكرية الهدف هو تدمير جامعة إيران على حد تعبير علي أكبر ناطق نوري وسلاح الصحافة حاد ومؤثر ويمكن أن يخدم الصالح البلد أو ضده، ونجد على الصعيد الآخر أنه قد دخلت تحت غطاء هذا السلاح عناصر تضر البلد. وقد لجأ المحافظون إلى تقييد الصحف بل وحتى إغلاقها لتجريد الإصلاحيين من أسلحتهم فعدل البرلمان قانون المطبوعات في أبريل الماضي قبل أن يحتل أعضاء المجلس السادس مقاعدهم في البرلمان، وذلك عبر إضافة مادة جديدة بخصوص قانون الصحافة، بموجبه يكون رئيس تحرير الصحيفة مسؤولًا عما ينشر بالإضافة إلى مسؤولية الكاتب، ويعتبر المؤيدون الأمر بمثابة تحديد المسؤولية الصحيفة تجاه ما ينشر فيها وهو أمر إيجابي، بينما يرى المعارضون في القانون الجديد نوعًا من التقييد للنشر ولحرية الرأي، ولم يكتف المحافظون بهذا القدر من العمل ضد الإصلاحيين بل قاموا بإغلاق ١٦ صحيفة كانت تنتمي للإصلاحيين، بيد أن الإصلاحيين لم يسلموا فقد بادروا بإصدار غيرها، كما توسلت عناصر من المحافظين بعمل غير مشروع، وهو ما اشتهر فيما بعد به الاغتيالات المسلسلة، وكان ضحايا هذه الاغتيالات الصحفيون المشهورون والكتاب العلمانيون، ويدعي الإصلاحيون أنه لو لم يكشف الغطاء عن هذا المسلسل لاستمر.
عام الوحدة وبروز العاصفة: وفي مواجهة الخلافات التي برزت إثر الانتخابات، وما اتخذ كل جناح من موقف مفرط و اتجاه معاكس تجاه الآخر، حاول المصلحون فعل شيء لتقريب الفجوة، فسمي العام الحالي الهجري الشمسي وفق التقويم السائد في إيران بـ«عام الوحدة» لكن حدث أن حمل العام عام في طياته أزمات متتالية بدءًا من الانتخابات ومرورًا بظواهر العنف وأخيرًا بالحرب الباردة التي ذهبت ضحيتها الصحف وحكم عليها بالتعطيل المؤقت، وبعد أن جاءت نتائج الانتخابات لصالح الإصلاحيين، وما حدث من محاولة لاغتيال سعيد حجاریان حان دور الإصلاحيين لتوجيه السهام نحو المحافظين الذين في زعمهم.. لم يتوانوا يومًا عن ضرب منافسيهم بشتى الأساليب المشروعة وغير المشروعة، وكان يبدو أن التيار العام لصالحهم. بيد أن حادثًا آخر حدث فكان سببًا آخر لضرب الإصلاحيين في الصميم، وهو مؤتمر برلين.
▪ مؤتمر برلين
حدثت زوبعة بين المحافظين والإصلاحيين في أمر قد يكون غاية في البساطة في أي بلد غربي يتمتع بالديمقراطية، إلا أن الأمر كان مختلفًا فيما يتعلق بإيران، ففي الثامن من شهر أبريل الماضي قام حزب الخضر الألماني في برلين بدعوة عدد من المثقفين والكتاب الإيرانيين من الإصلاحيين والمعارضين للحكومة بمن فيهم أكبر كنجي الرجل الثاني والصحفي الشهير بعد سعيد حجاریان وعزت الله سحابي، وحجة الله يوسف أشكوري وهو من علماء الدين، وكان موضوع المؤتمر دراسة ومناقشة إيران بعد الانتخابات، ونوقشت فيه قضايا غير مسبوقة ووضعت مقدسات الثورة بتعبير الصحافة الإيرانية المتحفظة- موضع التساؤل لم يعرف عامة الناس عما جرى في هذا المؤتمر إلا بعد أن قام التلفاز الإيراني ببث لقطات من المؤتمر الذي عصفت به الفوضى وتعرضت شخصية يوسفي أشكوري وهو يحمل رتبة دينية- للسخرية فهنا حانت الفرصة للمحافظين للانتقام والهجوم على الإصلاحيين فوقعت عدة مظاهرات في شتى المدن الإيرانية لصالح المحافظين وشجبًا المؤتمر برلين.
▪ الآثار المترتبة على الخلافات ومستقبل إيران
يعرف الإيرانيون جيدًا أن أي اضطراب أو أزمة ستعقبها مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية، إذ يمكن أن تؤدي الحرب النفسية بين الجناحين إلى حرب أهلية ولا سيما أن الطرفين يمضيان إلى حد بعيد في الخصومة يقول الدكتور صادقي أستاذ العلوم السياسية بجامعة شیراز نجد أن أحد الجناحين من أجل تشويه صورة منافسه يتوسل بعناصر من الأعداء، وهنا تكمن مشكلة البلد والمجتمع والشعب في المستقبل. وقد امتد الشقاق إلى أجهزة الدولة فهناك تعارض بين المؤسسات التي وقعت تحت أيدي الإصلاحيين وبين القوى القضائية والتنفيذية، وبالفعل لهذه الاختلافات آثارها السلبية في المجتمع.
وعلى سبيل المثال وقعت مواجهات بمدينة رشت يوم عاشوراء وهذا أمر غير مسبوق لا سيما في مثل هذه المناسبات التي تصطبغ بصبغة مقدسة في المجتمع الإيراني وقد استدعى الأمر تدخل مجمع تشخيص مصلحة النظام حيث دعا الجانبين المحافظين والإصلاحيين والشعب ليكونوا يقظين ويجهضوا مخططات العدو المتربص الذي يحاول أن يصطاد في الماء العكر، وإذا استمر الصراع على هذا النحو، وإذا لم يتعلم كلا الطرفين ثقافة التسامح والحوار، فإن ذلك لن يضر النظام الجمهوري والإصلاحيين فحسب بل يضر إيران أيما إضرار وقد تدخل إيران في معارك لا يعلم مداها إلا الله. وقد تكون هذه ثغرة يريد الغرب- ولا سيما الولايات المتحدة- اختراقها والنفوذ منها للانتقام من إيران ولطالما حاولت وتحلم بفعل ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل