العنوان إيران: حرب.. وثورة للتصدير
الكاتب محمد عبدالهادى
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1984
مشاهدات 57
نشر في العدد 686
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 09-أكتوبر-1984
لا يدري المسلمون في العالم سببًا لإصرار حكام إيران على استمرار الحرب في الخليج سوی ما كان يطلقه مرارًا بعض المسؤولين الإيرانيين عن مهمة الثورة.. وبرنامج تصديرها إلى العالم الإسلامي، وكثير من المسؤولين في طهران كانوا قد أبانوا عن هذا الربط بين ما أسموه «رسالة الثورة» وحربهم مع العراق.. ولعل هنالك حيثيات عديدة تؤكد أن ما يسمى بمسألة «تصدير الثورة» أمر ثابت في عقلية الحاكم الإيراني، وإن أبعد شعار التصدير عن الواجهة مؤقتًا.
ويسلك الإيرانيون مسالك شتى في المرحلة الأولى لتصدير ثورتهم إلى العالم الإسلامي.. ومن ذلك تنشيط البعثات الديبلوماسية في العالم الإسلامي وأوربا لربط بعض أبناء الدول الإسلامية الأخرى بالفكرة الإيرانية..
وقد برز مثل هذا النشاط في بلدان مختلفة من العالم.. ومن ذلك ماليزيا وإندونيسيا وبعض البلدان الأفريقية إضافة إلى نشاط البعثات الديبلوماسية الإيرانية وأعوانها في أوروبا، ويحرص المبشرون بالفكرة الإيرانية على اتخاذ مسالك شتى منها توزيع المنشورات التي تزكي نظام إيران.. ونشر صور الخميني.. وإهداء الكتب والمجلات الصادرة في إيران للتبشير بالفكرة والثورة.. والأهم من كل هذا إغراء بعض الطلبة من أبناء الدول العربية والإسلامية بزيارة إيران.. أو التسجيل في جامعاتها بعد أن أوصدت في وجوههم أبواب الجامعات في بلادهم.. وقد يرتقي النشاط مع هؤلاء إلى محاولة ضمهم في أجهزة الاستخبارات الإيرانية التي تنشط بين الطلاب العرب والمسلمين في عدد من العواصم الأوروبية.
مراحل
إن هنالك مرحلية في سلوك «التبشير» الإيراني بالثورة.. تبدأ بحوار حول تقريب وجهات النظر بين المسلمين.. وتنتهي بالضغط المتنوع على الإنسان لتغيير مذهبه.. وفي شمال طهران أسس مكتب كبير قرب «المجمع الرياضي» يحتوي على فريق عمل خاص أخذ على عاتقه مسألة تقريب وجهات النظر بين الإيرانيين وغيرهم، لكن من المرجح أن الإيرانيين لن ينجحوا بهذه الخطة لتصدير الثورة وذلك لسببين أساسيين:
- الأثر المذهبي الذي يشكل حدًا فاصلًا بين ما هو إيراني على مذهب الخميني.. وبين أبناء العالم الإسلامي -ومعظمهم من المذهب السني- ويحملون ردة فعل سلبية تجاه كل محاولات التبشير بالفكرة الإيرانية.. ويشمل ذلك المستوى السياسي والعقدي معًا.
- الخلافات الواسعة بين المخططين لتصدير الثورة في إيران.. فمنذ البداية.. تم اعتقال آية الله صادق روحاني بتهمة تصدير الثورة لحسابه الخاص، حيث ارتبط به بعض المواطنين في البحرين للقيام بنشاط ما دون الارتباط بالخميني.. ومما يزيد الاعتقاد بأن خطط تصدير الثورة بدأت بداية متخبطة باغتيال زعيمين من زعماء فرق العمل الخاص بتصدير الثورة منذ المرحلة الأولى وهما «آية الله مطهري» و «آية الله محمد مفتاح».
نشاط جديد
ومع استمرار الحرب الدموية.. عاود الإيرانيون نشاطهم في توزيع أفكارهم في مواقع مختلفة من العالم الخارجي، وقد تسلم قيادة مجموعة عمل تصدير الثورة الإيرانية «علي حميدية» الذي يدعى في إيران بـ«حجة الإسلام»، ويساعده في عمله اثنان من الخبراء.. هما «محمد باقر وفهدي يمسل» وهما ممن تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هذه المرحلة ارتكز النشاط الإيراني في حمل فكرة الثورة على محورين أساسيين:
المحور الأول.. العالم الإسلامي:
تنشط في بعض بلدان العالم الإسلامي بعثات إیران الديبلوماسية منتهزة كل مناسبة لطرح الفكرة الإيرانية.. والواضح في الأمر أن الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي لا تستجيب لهذا النشاط الإيراني.. وإذا كانت بعض السفارات الإيرانية في بعض دول شرق آسيا قد نشطت في الفترات الأخيرة.. إلا أنها لقيت كثيرًا من الرفض من الحركات الإسلامية السنية هناك، وذلك لفوارق الاعتقاد الشرعي بين الطرفين.. وقد اعتبرت بعض الحكومات هنالك النشاط الإيراني هذا شكلًا من أشكال التدخل السياسي في شئونها، حيث حصل مثل هذا في ماليزيا.. وفي لقاء بين وزير الخارجية الماليزي «شفيع غزالي» مع نظيره الإيراني «علي أكبر ولايتي» في أواخر عام 1983 قال غزالي: «إن بلاده تريد ضبط تدفق الزوار بين البلدين»، كذلك فقد اتهم رئيس الوزراء الماليزي «ناتوك موسى حاتم» إیران بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده علمًا بأن الاتجاهات الإسلامية السنية في ماليزيا وغيرها لم تبد أي تعاطف مع الفكرة الإيرانية.
المحور الثاني.. العالم الغربي :
حيث النشاط الأساسي للبعثات الديبلوماسية الإيرانية.. وهنا يمكن أن نستشهد بما حصل مع بعض الشباب المسلم.. ومنهم شابان اعتقلتهما السلطات الفرنسية قبل خمسة شهور ثم أطلقت سراحهما وهما عبد الإله زياد وعبد الإله السلماني وكلاهما من المغرب، ويظن أن سبب اعتقالهما كان عائدًا إلى وشاية من بعض الأطراف الإيرانية.. وكانت مجموعة المغاربة الإسلاميين في «فرنسا» قد أصدرت في باريس بيانًا لخصت فيه محاولات البعثة الإيرانية في الاتصال مع الشابين وشجبت الموقف الإيراني منهما حيث عرضت عليهما السفارة أن يكونا جاسوسين لصالح إيران، وأن يبدلا مذهبهما مقابل إغراءات مالية مع إصدار نشرة دورية باسمهما يكتبها بعض الحاملين للجنسية العراقية من أعضاء حزب الدعوة وهم مجندون في البوليس الإيراني.
وقد أوضح بيان الإخوة المغاربة أن السفارة الإيرانية أصدرت باسم الإسلاميين المغاربة بيانًا في الثاني والعشرين من شهر رمضان الماضي، 1404 ادعت فيه أن الحركة الإسلامية في المغرب تؤيد الدولة الإيرانية.. وقد أوضح الإخوة المغاربة في بيانهم بطلان البيان الصادر عن السفارة الإيرانية وذكروا بموقفهم الثابت الذي يدعو إيران قبل كل شيء إلى نبذ «الخرافية والضلالات والشركيات..».
كذلك فقد استنكر بيان الإخوة المغاربة التصرفات الشاذة للسفارة الإيرانية بما تفعله إلى جانب إصدار البيانات المزورة التي تظهر بعض الحركات الإسلامية مؤيدة لثورة إيران، وألح بيان الإخوة المغاربة على استنكار محاولات إیران لتحريف الشباب الإسلامي وتجنيده للجاسوسية.
على أن ثبوت عدم تورط الأخوين المغربيين مع البعثة الإيرانية كان سببًا من أسباب إطلاق سراحهما إلى جانب ما بذلته جمعية العمال المغاربة واتحاد الطلبة المغربي من جهود للإفراج عنهما.. لكنّ هذين الشخصين كتبا ما يلقي الضوء على طريقة الإيرانيين في ربط العملاء من أجل تصدير الثورة والتبشير بها.. وهذا جزء من الرسالة التي دونت بعد خروجهما من السجن.
تقول الرسالة:
«نريد أن نبين لكم أمرًا خطيرًا يتهدد عقيدة المسلمين وكرامتهم وأبناءهم، وهذا الأمر يتعلق بتصرف دولة إيران بواسطة سفرائها وعملائها.. فقد طلب منا مسؤول السفارة الذي قابلنا أن نزور شخصًا يعمل في اليونسكو بباريس وذكر لنا أنه هو المسؤول عن الدعوة الشيعية بفرنسا.. وقد جاءنا بعد أيام الشخص المقصود وحدد لنا عروضًا مهينة لكرامتنا ومخلة بشرفنا ومتعارضة مع ديننا وهذه العروض هي:
- أن الدولة الإيرانية تريد أن تتعامل معنا على أساس أنها هي دولة الإسلام الوحيدة في الأرض، وهي محتاجة إلى مناضلين في جهاز الأمن الخارجي، وهي تعرض علينا أن نعمل في هذا الجهاز بحيث نقوم بمهمة التجسس.
- تخصص إیران لنا مرتبًا مغريًا لقاء مهمتنا مع اشتراط تبديل المذهب الاعتقادي».
وقد أفاد الرجل أن البعثات الديبلوماسية في أوروبا تصدر لعملائها صحفًا بأسمائهم «وهي في هذا تستغل فيهم نزعة حب الظهور والرغبة في جمع المال».
مهمة عسيرة
ويبدو أن الإيرانيين ومبشريهم يواجهون مهمة عسيرة في أوربا، فعلى إثر الحادث السابق.. أصدر الإسلاميون المغاربة في فرنسا بياناتهم رافضين تصرفات البعثات الإيرانية التي تحاول استغلال فقر بعض الشباب وعوزهم المالي.. والمعتقد على هذا الجانب أن أصحاب العقيدة السنية الواضحة، لا يستجيبون لكل المحاولات الإيرانية بسبب الوعي العقدي الذي يتحلون به إضافة إلى ردة الفعل السلبية التي أصابت الشباب المسلم في أوروبا تجاه إيران التي وضع ممثلوها وحاملو ثورتها نصب أعينهم التدخل في عقائد التجمعات السنية هناك.
أما على الجانب السياسي فإن معظم الجاليات الإسلامية في العالم الغربي غير راضية عن السلوك السياسي لإيران ولا سيما فيما يتعلق بالإصرار على استمرار الحرب في الخليج، وقد عبرت الحركة الإسلامية في أوروبا والعالم الإسلامي مرارًا عن استيائها من استمرار هذه الحرب.. فهل تعي إيران ذلك وتعدل عن سياستها في استمرار إشعال نار الخليج التي تحرق شعوب المنطقة بنارها.. وهل تعدل أيضًا عن الاستمرار في تنشيط بعثاتها التي تتدخل في عقائد الناس؟ نأمل ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل