العنوان إيران بعد فوز الإصلاحيين مراجعات لا تراجعات
الكاتب حازم غراب
تاريخ النشر الثلاثاء 29-فبراير-2000
مشاهدات 92
نشر في العدد 1390
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 29-فبراير-2000
برغم نشوة الحل الديمقراطي السلمي للتنافس على السلطة في إيران، وبرغم الاحتفال العاقل للإصلاحيين بفوزهم بما يزيد على ثلثي البرلمان الجديد تقوم النخب الثقافية والسياسية المتعددة بعملية مراجعة لأشياء كثيرة، بل ولبعض المبادئ التقليدية التي قامت عليها الجمهورية في إيران .
صحيح أن فترة السنوات الأربع السابقة، وتحديدًا منذ مجيء الرئيس خاتمي لموقع الرئاسة، شهدت مراجعات شاملة وتجديدًا فكريًا تكرس وتدعم بنتيجة الانتخابات الباهرة هذه، إلا أن المراجعات التي بدأت بالفعل في إيران تشمل ما يردده الإصلاحيون أنفسهم وأدى إلى فوزهم الساحق، وتشمل كيفية التعامل مع المعارضة المحافظة الأقلية داخل البرلمان وفي كل المواقع المؤثرة في حياة الشعب الإيراني.
ثمة توقعات أكيدة تتنبأ بأن الإصلاحيين مثلًا لابد أن يراجعوا أنفسهم برغم نشوة النصر في الاجتهادات الخاصة بالانفتاح على الغرب، وفي إعطاء هذه المساحة الواسعة، من الحريات للشباب، والتي قد تقود إلى نوع من الانفلات خارج الدائرة الأخلاقية الإسلامية.
الإصلاحيون بعد الفوز حريصون على إيقاف أي مظاهر جديدة لاستفزاز المتشددين سواء على مستوى الأفكار أو مستوى الحركة بل ويعلم الإصلاحيون أن من بين الذين فازوا داخل ركبهم أناسًا متطرفين في خصومتهم السياسية ضد المحافظين المتشددين.
إن نظرية ولاية الفقيه ذاتها، وهي أساس النظرية السياسية في إيران تتعرض منذ بضع سنوات لمحاولات من داخل الدائرة الفقهية ذاتها لمراجعات أو اجتهادات أدت ببعض أصحابها إلى السجن كالدكتور محسن كاديوار وعبد الله نوري ولا يستبعد بعض المحللين أن نتيجة الانتخابات قد تكرس ما يدعو إليه المجتهدون الجدد من إزالة بعض ما يضيفه المتشددون على المفهوم من أفكار يراها الإصلاحيون متعارضة مع الدستور ومع الحق في المساواة بين المواطنين.
وعلى الطرف الآخر سيقوم المحافظون بمراجعات مهمة لمناهجهم، ويذكر للمتشددين عبر السنوات العشرين الماضية نجاحهم في جذب انتباه وعقول النشء إلى الأخلاق الحميدة من حيث الشكل والمظاهر، ومن حيث الهوية الثقافية ومن حيث التعبئة القومية في مواجهة الأخطار الخارجية، ويكفي أن المؤسسة الشيعية استطاعت خلال سنوات الحرب مع العراق أن تحشد ليس فقط الشباب بل الصبية الصغار للتصدي للهجمة على الثورة والوطن.
على أن ما يجمع عليه الجميع هنا سواء من الإصلاحيين أو المتشددين المحافظين هو أن صمام الأمان في عملية الصراع السياسي هو مرشد الثورة، فعنده تتوقف وتتلاشى أي محاولات أو قوانين أو أفكار قد يشك في أنها يمكن أن تخرج بإيران من الدائرة التي دخلتها منذ الثورة على الشاه.
وإذا توقفنا بصورة تفصيلية بعض الشيء أمام المشهد الانتخابي ونتائجه، فإنه يمكننا القول إنه لم يكن فوز التيار الإصلاحي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة مفاجئاً، لكن المفاجأة تكمن في فوز هذا التيار بأغلبية مطلقة وشبه كاسحة تتيح له إدارة واحدة من أهم المؤسسات دون منافس ولم يبق أمام الإصلاحيين إلا مواصلة المزيد من حشد الأصوات في المرحلة الثانية من الانتخابات، والتي يجرى التصويت فيها على ما يقرب من ٢٥% من المقاعد.
كما أن النتائج التي حصل عليها بعض الشخصيات البارزة في قائمة المحافظين، مثلت هي الأخرى مفاجأة، فقد حصل الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني على المرتبة السابعة والعشرين كما حصلت ابنته فائزة رفسنجاني على المرتبة السابعة والثلاثين، وهو ما يعني انتقالهما إلى المرحلة الثانية من الانتخابات، وفي قائمة الإصلاحيين جاء رضا خاتمي شقيق الرئيس على رأس قائمة الفائزين في طهران. كما تقدمت زوجة وزير الثقافة الإصلاحي على شقيق مرشد الجمهورية.
من هنا أصبح واضحًا أن الانتخابات السادسة في تاريخ الجمهورية، تمثل نقطة تحول كبيرة في السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية بعد أن أصبحت أهم مؤسستين في البلاد. الرئاسة والبرلمان تحت إدارة الإصلاحيين.
هذا التحول الذي نقصده نابع من فكر وتوجه التيار الإصلاحي القائم على ضرورة التطوير والتحديث في شتى المجالات على صعيد الحريات والإصلاح الاقتصادي وتحسين العلاقات مع المجموعة الأوروبية، واستئناف الحوار مع الولايات المتحدة.. وذلك في مواجهة فكر وتوجه معاكسين تمامًا من جانب التيار المحافظ الذي ظل يدعو منذ قيام الثورة قبل عشرين عاماً إلى التشدد في العلاقات مع الغرب عموماً، والعداء الشديد للولايات المتحدة بالقدر نفسه من التشدد الداخلي في التعامل مع أي شكل من أشكال الانتقاد أو الاجتهاد في مبادئ الثورة.
وإذا كان الإصلاحيون قد قطعوا شوطًا كبيرًا في سبيل الإمساك بزمام السلطة في
البلاد، إلا أن المحافظين لن يتواروا تمامًا عن الساحة خاصة أنهم ما زالوا يمسكون بزمام مؤسسات مهمة مثل مؤسسة القضاء وهو ما يترك الباب مفتوحًا لجولات أخرى من المناقشة.