; «با أمريكانا» الهيمنة المطلقة في عالم مختل التوازن | مجلة المجتمع

العنوان «با أمريكانا» الهيمنة المطلقة في عالم مختل التوازن

الكاتب عبد السلام المدني

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997

مشاهدات 77

نشر في العدد 1253

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 10-يونيو-1997

هل نعيش بالفعل عصر الهيمنة الأمريكية؟ وهل توافق انتهاء عصر الحرب الباردة مع قدوم ما يسمى بـ «عصر السلام الأمريكي» Pax Americana?.

قبل الدخول في حديث مفصل عن الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط والعالم الإسلامي يجدر بنا بناء الإطار العام الذي تدور فيه الأوضاع العالمية من وجهة النظر الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة.

إن دور الولايات المتحدة الأمريكية فيما اصطلح على تسميته تجاوزًا «النظام العالمي الجديد»، يمثل في حقيقته تزاوجًا بين مفهومين متعارضين في السياسة الخارجية الأمريكية: 

المفهوم الجيفرسوني الولسوني الذي صاغه الرئيسان الأمريكيان توماس جيفرسون وودرو ولسون عندما حملا ما عرف بالطموحات العظمي «Grand Ambitions» وسعيًا إلى تحقيقها بإصرار وبكل الوسائل والإجراءات ما دون الحرب.

وهناك المفهوم الهاملتوني الكابوتي الذي صاغه ألكسندر هاملتون وهنري كابوت، والذي يتلخص في عدم اعتماد طموحات كبيرة في تحقيق أهداف السياسة الخارجية، مؤكدين إصرارهما على ارتباط السياسة الخارجية بمصالح وطنية محدودة.

ولكنهما رأيا أيضاً -ومن منظور السياسة الواقعية- الحاجة إلى الاستعداد العسكري؛ نظرًا لاعتقادهما بأن القوة العسكرية ستبقى الحكم الرئيسي في حل المنازعات بين الأمم (1).

 وإذا قلنا بأن رؤية الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش للدور الاستراتيجي الأمريكي قد احتضنت الآمال العالمية (جفرسونية-ولسونية) فإنها قد احتضنت كذلك التقليد (الهاملتوني. الكابوتي) الذي دعا إلى تدعيم القوة العسكرية، فمثلت رؤيته بذلك المولود الحقيقي لكلا التقليدين. 

وتقترب الإدارة الأمريكية الحالية من الاتجاه الواقعي في إدارة النظام العالمي الجديد، فالواقعيون الجدد في الإدارة يعترفون بأن هناك نظاماً دولياً جديداً، إلا أنهم يؤكدون أنه لم يبدأ مع حرب الخليج، إنما هو وليد طبيعة توزيع القوى بين «Distribution Of Power Among Nations»(۲).

وحاول جوزيف ناي حسم القوى الذي يشير إليها هؤلاء الواقعيون الجدد، والدور الذي يمكن أن تلعبه في عالمنا المعاصر، ستستمر معاناة روسيا كنتيجة للضعف الاقتصادي الذي ستأخذ عملية إصلاحه عقودًا، وليس سنوات، أما الصين فهي دولة نامية، وذلك على الرغم من معدلات النمو المشجعة، وأما أوروبا فإنها تكافئ الولايات المتحدة تقريبًا سكانيًا واقتصاديًا، ومن ناحية توفر المصادر، إلا أنها تفتقد الوحدة السياسية التي تمكنها من العمل كقوة عالمية واحدة، أما اليابان فهي تحمل القوة الاقتصادية والتقنية، إلا أن مكانتها في مجال مصادر القوة محدودة في الحقل العسكري وفي الإطارين الحضاري والأيديولوجي؛ حيث تقوم دعواها على قاعدة اللينة «Softpower»(۳).

إن الشرق الأوسط كان الساحة الأولى لإظهار الهيمنة الأمريكية الكاملة بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة عندما قادت الولايات المتحدة أكبر تدخل عسكري عالمي منذ الحرب العالمية الثانية، منذ ذلك الحين أصرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة -بوش ثم كلينتون- على جعل مختلف أنواع النشاطات الإستراتيجية تحت السيطرة المطلقة تقريباً للولايات المتحدة، وهذا يعني قيام نظام عالمي جديد تحت الزعامة الأمريكية تمارس فيه دور الشرطي، وتفرض ما يسمى بالسلام الأمريكي.

لقد لفت النزاع في الخليج النظر إلى حدود الآمال التي بناها البعض على وجود وجهة نظر أوروبية مختلفة عن النظرة الأمريكية للنظام العالمي، فبريطانيا لم يعد لها سياسة عربية خاصة بها، إذ اختار المجتمع البريطاني الولاء غير المشروط للولايات المتحدة، أما ألمانيا فليست لها سياسة عربية في السابق، ويبدو أنها لا تسعى إلى تطوير واحدة على المدى المنظور، وتبقى فرنسا التي ورثت إمبراطورية استعمارية تعيش ظروفاً اقتصادية ومالية لا تسمح لها بتطوير سياسة خاصة بها، الأمر إلى جعلها تتصرف على الصعيد السياسي كقوة داعمة لإستراتيجية الهيمنة الأمريكية.

هذا كله يؤكد أن المنطقة العربية كلها هي في الحقيقة دائرة نفوذ أمريكية، تم تأكيد ذلك بعد حرب الخليج لكل من كان لديه شك أو أمل في لعب الورقة الأوروبية بعد الورقة السوفييتية.

من هنا ندرك طرح مايكل هدسون عندما قال إن الولايات المتحدة برزت بصفتها المهيمن الوحيد غير المنازع على المنطقة، وأن هذه الهيمنة ستستمر في المستقبل، ويمكنها مواجهة أي تحد إقليمي لها مادامت الولايات المتحدة قادرة على:

  1. الظهور وكأنها جادة في الوصول إلى نوع من السلام في الشرق الأوسط، يضمن على الأقل نوعًا من العدالة للفلسطينيين.
  2. ممارسة ضغوط اقتصادية هائلة على الحكومات العربية المفلسة والفاقدة للشرعية، والتي تثير سخطًا واستياء شعبيًا ضدها (٤).
  3. ومما يؤكد أيضاً قناعة الولايات المتحدة بأن العالم العربي هو منطقة نفوذ أمريكية ويجب أن تبقى كذلك- ما ورد في تقرير التوجيه الحربي الذي أعده رؤساء هيئات الأركان الأمريكية المشتركة تحت إشراف نائب وزير الدفاع الأمريكي للشئون السياسية (بول وولفتز)، أكدت الخطة أن على الولايات المتحدة في المرحلة القادمة أن تمنع أية دولة أخرى من الهيمنة على أربع مناطق بشكل خاص أوروبا الغربية، آسيا الشرقية، مناطق الاتحاد السوفييتي، جنوب شرق آسيا.

أما الشرق الأوسط فلقد تجاوزت الإستراتيجية منطق المنع إلى منطق السيطرة؛ حيث اعتبر الأمر مسلماً به، فلم يتم ذكره ضمن المناطق الأربع، فأهداف الولايات المتحدة في المنطقة تتجاوز مجرد منع سيطرة الآخرين عليها إلى هدف أكبر هو السيطرة الأمريكية التامة عليها (٥).

الإستراتيجية الأمريكية:

إن قراءة في ورقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي كفيلة بتسليط الضوء على الأهداف والإستراتيجيات التي تسعى الحكومة الأمريكية إلى تحقيقها، ونحب هنا أن نركز على منطقة الشرق الأوسط.

تقول الورقة تحت عنوان: ماذا نريد أمننا القومي ومصالحنا وأهدافنا عالمياً وإقليميًا: «من خلال إستراتيجية المشاركة والقيادة نريد استقرارًا عالميًا وإقليميًا يشجع التغيير السلمي والتطور والنمو، وفي هذا المجال لدينا أربع أهداف يعين بعضها بعضاً، هذه الأهداف هي التي توجه جهودنا في مجال الأمن القومي:

  1. حماية الولايات المتحدة ومواطنيها.
  2. الالتزام بالمعاهدات والمواثيق واتفاقيات الحماية الجماعية.
  3. منع أية قوة معادية (غير صديقة) من الهيمنة أو التحكم في أي منطقة لنا فيها مصالح حيوية. 
  4. العمل على التقليل من الأسباب المؤدية إلى عدم الاستقرار الإقليمي، وتحديد انتشار التكنولوجيا العسكرية وأسلحة الدمار الشامل».

     وتحت عنوان: «كيف تصنع المستقبل» أشارت الورقة إلى منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ووضعت الأهداف التالية:

  1.  سنبقي على انتشار لقواتنا في المنطقة وتوسع اتفاقيات الدفاع المشترك، واتفاقيات تخزين الذخيرة والمعدات، وعمل المناورات المشتركة من أجل الدفاع عن سيادة واستقلال شركائنا في المنطقة.
  2. سنستمر في العمل على تأكيد حقنا في الوصول إلى منابع النفط، وردع الاتجاهات الساعية نحو الحرب، ومحاربة الإرهاب والتخريب وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة.

     ومراجعة لبعض الإصدارات الأخرى يمكننا أن نسجل عدة أهداف أكثر تحديداً في بعض الجوانب:

  1. الحفاظ على توازن قوي عالمي، وتوازنات إقليمية فرعية للقوة تكون مناسبة للولايات المتحدة ولحلفائها.
  2. تنمية نظام تجاري ومالي يساير الرخاء الاقتصادي، ويتبع الرؤية الرأسمالية. 
  3. دعم الانتشار التدريجي للأنظمة والسياسية ذات الطبيعة المفتوحة.
  4.  إدارة عملية التغيير وحالات اللا استقرار بطريقة لا تهدد القيم الأساسية الأمريكية.

كان الشرق الأوسط الساحة الأولى لإظهار الهيمنة الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة، والنزاع في الخليج لفت النظر إلى وجود وجهة نظر أوروبية مختلفة.

تحديات تواجه الهيمنة الأمريكية:

محللو كلية الحرب في كارليل بولاية بنسلفانيا طرحوا عدة تحديات تواجه الهيمنة الأمريكية، أو تعرقلها فذكروا:

  1.  نشوء مراكز جديدة للقوة في العالم، وهي: ألمانيا الموحدة، وأوروبا الموحدة، واليابان، والصين.
  2. تزايد حدة الصراعات الإقليمية في المناطق المختلفة، ودخول مصادر جديدة لهذه الصراعات، مثل: الموارد المائية المحدودة، والأسباب العرقية، وازدياد الأوضاع الاقتصادية في العديد من الدول، والتي تدفع ببعض القيادات المغامرة إلى افتعال الأزمات الإقليمية.
  3. التغير السلبي في أوضاع حقوق الإنسان في العالم الثالث.

وفي مواجهة هذه التحديات ومن أجل تحقيق الأهداف والمصالح التي حددتها إستراتيجية الأمن القومي- اقترح رئيس وحدة سياسة الأمن المستقبلي في الكلية المذكورة عناصر المواجهة الأمريكية، أو بمعنى آخر وسائل تحقيق الأهداف التي ذكرت آنفًا، ومواجهة المخاطر التي حددها محللو الكلية، كما حددها غيرهم أيضاً، ومن هذه العناصر:

  1. استمرار العمل بسياسة الردع الفوري.
  2. إحياء وتكثيف العمل بسياسة الأمن الجماعي.
  3. بلورة مبدأ المساعدة الأمنية. 
  4. مواجهة الإرهاب المضاد للمصالح الأمريكية وتوقع زيادته.
  5. العمل بسياسة ضبط التسليح في العالم وفق عمل جماعي تقوده الولايات المتحدة. 

أما فيما يخص الشرق الأوسط فقد حدد انجلیهاردت المسؤول عن بحوث الشرق الأوسط في وزارة الدفاع الإستراتيجية الأمريكية بالإضافة إلى ما تم ذكره فيما يلي:

  • نشر السلام مع إسرائيل.
  • إعادة صياغة التوازن الإقليمي في المنطقة.
  •  العمل على تحرير الاقتصاد في دول المنطقة، وربط المساعدات الأمريكية بتلك السياسات. 
  • نشر المشاركة الشعبية (ضمن ضوابط لا تخل بالاستقرار والأمن). 

لكن ما هي المصالح الأمريكية الحقيقة؟ إننا إذا ما أردنا التعرف على المصالح الأمريكية في العالم، وتحديدها بشيء من الدقة نجد صعوبة؛ فالفكر الإستراتيجي الأمريكي يعج بالعديد من القضايا التي يعتبرها مصالح أمريكية مهمة، وإذا كان البعض ينظر إلى النفط في الشرق الأوسط باعتباره المصلحة الأهم للولايات المتحدة، فينظر إلى هذه القائمة من المصالح التي تؤكد تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية في بعضها البعض بدرجة يصعب فرزها:

  •  المواد الخام.
  • المعادن النادرة.
  • كبح الاضطراب.
  • الحفاظ على أمن المنافذ للأسواق ولو بالقوة. 
  • الحفاظ على مصالحنا الحيوية في كل أنحاء العالم ولو بالقوة العسكرية.
  • نشر الليبرالية واقتصاد السوق.
  • نشر القيم الأمريكية وإعلاء القيم المعنوية الحرة.

والقائمة طويلة وبها الكثير من التفصيل في مختلف الجوانب.

وقد ظهر هارولد براون وزير الدفاع الأمريكي السابق بمقولة ما أسماه (الاضطراب العالمي): «إن الطريقة التي اتسع بها اقتصادنا تعني أننا بلغنا حد الاعتماد -بدرجة غير قليلة- على الواردات والصادرات، وعلى الأرباح من الاستثمارات عبر البحار من أجل رفاهنا المادي»، ومن ثم فقد اعتبر حالة اللا استقرار في أي منطقة تشكل خطرًا على هذا الرفاه المادي بشكل أو آخر تستدعي التدخل الأمريكي، ذلك هو عصر السلام الأمريكي، أو بمعنى أدق السلام للأمريكيين.

المراجع:

  1. Dabid Hender ‘The Rnobation Of Amercian foreign policy”foreign af-fairs,vol.71.no.2spring 1992,p55.
  2. المرجع السابق.
  3. Joseph s.nye” wgat bew wirkd ir-der? Foreign affairs, vol 71,no 2 spring 1992.p.83-84.
  4. Michacl c hudsion” the middle east under pax Americana, how new. How, orderly?” third world quarterly, vol. 13, no.2 1992.
  5.  بول وولفنز «خطة التوجيه الحربي»، وزارة الدفاع الأمريكية مارس-إبريل ۱۹۹۲م.
الرابط المختصر :