; .. وللنساء دور | مجلة المجتمع

العنوان .. وللنساء دور

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-2005

مشاهدات 1

نشر في العدد 1663

نشر في الصفحة 58

السبت 06-أغسطس-2005

.. وللنساء دور

د. علي الحمادي

يرى البعض أن الرجال وحدهم هم صناع التأثير، وهم أهل الهمة والمجد، ومن بأيديهم عمل كل شيء، وهم بناة الحضارات ورواد الجهاد والعلم والمال، وهم أهل المنافسة والاجتهاد، وهم الذين سطر التاريخ لهم ودون عنهم وأشاد بهم.

ويقول هؤلاء، إن النساء دون ذلك بكثير، ولا يصلحن لشيء من ذلك وما وجدت المرأة إلا للبيت وخدمته، وللمتعة والشهوة، وذهب البعض ليغالي في رأيه وينظر إلى النساء نظرة تشاؤمية كتشاؤم أهل الجاهلية، كما في قول علقمة الفحل:

 فــــــــــــــإن تسألـــــــــــــوني بالنســـــــــــــــــــــــاء                 فإنني بصير بأدواء النساء طبيب  إذا شاب رأس المرء أو قل ماله               فليس لـــــــــه في ودهــــــــن نـــــــــــــــــصيـب

 هنا أقول: لا يمكن للمرأة أن تعرف نعمة الله عليها، حتى ترجع إلى الوراء، لتسأل التاريخ وتستنطقه: كيف كانت المرأة تعيش؟ وكيف كانت تعامل؟ كما لا يعرف فضل الإسلام إلا من درس حياة الجاهلية والجاهليين.

لقد كانت المرأة في الجاهلية مهانة ذليلة تقاسي أنواع الظلم والهوان؛ ينظر إليها على أنها كارثة أو بلية، وليس أدل على ذلك التصوير الرائع الذي صور القرآن به حالة الرجل وهو يتلقى البشارة بولادة الأنثى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ﴾(النحل:58).

فجاء الإسلام ليحرر المرأة من هذا الظلم والجهل الذي عانت منه وكرمها أيّما تكريم، فاعترف بإنسانيتها وجعلها صنو الرجل، وشقيقته في الكرامة والإنسانية كما قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ﴾(النحل: ۹۷).

وحين شرع الله «حقوق المرأة» أنزل سورة كاملة، وهي من السور الطوال في القرآن الكريم، تسمى سورة النساء، وابتدأها الله تعالى بهذا البدء الكريم الذي لفت فيه الأنظار إلى تكريم الله للإنسانية، وعنايته بالجنس البشري فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾(النساء:1).

وبعد أن اهتم الإسلام بالمرأة وتربيتها، انطلقت هي والرجل جنبًا إلى جنب لتساهم في بناء الأمة الإسلامية وكان لها دور لا يستهان به منذ صدر الإسلام في بناء هذه الأمة في عهد رسول الله سواء في ميدان العلم أو العمل أو الجهاد أو غيره.

وقد كان يبايع الرجال والنساء على حد سواء، امتثالًا لأمر الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾(الممتحنة:1).

فمنذ جاء الإسلام فتح الباب للمرأة لأن تساهم في الدعوة إلى الله، وليكون لها الدور المميز في صناعة التأثير في هذه الحياة، وكفاها فخرا أن أول من أسلم بهذه الرسالة وأمن بها وبرسولها هي خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ.

لقد انبرت خديجة رضي الله عنها تواسي رسول الله ﷺ وتؤيده وتدعمه بمالها وبمواقفها العظيمة، خاصة حينما حوصر النبي ﷺ في الشعب، فقد حوصرت معه رغم ما عندها من مال وفير وتجارة كبيرة وشرف في النسب، إلا أنها فضلت التضحية مع النبي ﷺ، حتى قال فيها ﷺ:«أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران» رضي الله عنهن أجمعين.

وفي مجال التضحية والجهاد في سبيل الله كان ولا يزال للمرأة دو كبير لا ينكر، وحسبنا أن أول شهيدة في الإسلام، والتي لم يسبقها أح من الرجال، هي سمية بنت خباط، أم عمار بن ياسر.

ولنتأمل تلك البطولة النادرة والهمة العجيبة والتضحية الفائق الخولة بنت الأزور رضي الله عنها وما قدمته هذه المرأة من جهاد في الإسلام. يروى أنه لما أسر ضرار بن الأزور في وقعة أجنادين سار خالد .. الوليد في طليعة من جنده لاستنقاذه، فبينا هو في الطريق مر به فار معتقل رمحه لا يبين منه إلا الحدق، وهو يقذف بنفسه، ولا يلوي على .. وراءه، فلما نظر إليه خالد قال: ليت شعري!! من هذا الفارس ؟! وايم ..! إنه لفارس.

ثم اتبعه خالد والناس من ورائه حتى أدرك جند الروم فح عليهم، وأمعن بين صفوفهم، وصاح بين جوانبهم، حتى زعزع كتائب وحطم مواكبهم، فلم تكن غير جولة جائل حتى خرج وسنانه ما بالدماء. وقد قتل رجالاً، وجندل أبطالًا.

 ثم عرض نفسه للموت ثانية، فاخترق صفوف القوم غير مكت وخامر المسلمين من القلق والإشفاق عليه شيء كثير، وظنه أناس خا حتى إذا قدم خالد، قال له رافع بن عميرة من الفارس الذي تة أمامك، فلقد بذل نفسه ومهجته؟ فقال خالد: والله لأنا أشد .. وإعجابًا لما ظهر من خلاله وشمائله.

 وبينما القوم في حديثهم، خرج الفارس كأنه الشهاب الثاقب وال حتى قدم على المسلمين، فأحاطوا به وناشدوه كشف اسمه ورفع له تعدو في أثره، وكلما اقترب أحد منه ألوى عليه، فأنهل رمحه في ص و ناشده ذلك خالد وهو أمير القوم وقائدهم، فلم يحر جوابًا، فلما .. خالد أجابه وهو ملثم، فقال: أيها الأمير، إني لم أعرض عنك إلا .. منك لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور، وإنما .. على ذلك أني محرقة الكبد، وزائدة الكمد.

فقال خالد: من أنت؟ قالت: أنا خولة بنت الأزور، كنت مع نساء ا فأتاني آت بأن أخي أسير، فركبت وفعلت ما رأيت هنالك صاح خا جنده، فحملوا وحملت معهم خولة، وعظم على الروم ما نزل بهم فانقلبوا على أعقابهم.

وكانت تجول في كل مكان علها تعرف أين ذهب القوم بأخيها .. له أثرًا، ولا وقفت له على خبر على أنها لم تزل على جهاده استنقذ لها أخوها.

وها نحن اليوم نرى في فلسطين المباركة نماذج متع الخنساوات اللواتي يرسلن أولادهن إلى الجهاد، وينظر العالم باس شديد إلى تلك الظاهرة الغريبة في عالم يحب الدنيا ويكره الموت .. فبالإسلام صنعت المرأة أسمى وأرقى أنواع التأثير، وتركت لها .. مباركة في التاريخ، وبه شقت طريقها للمستقبل.

وبالفهم الصحيح للإسلام صانت المرأة المسلمة دينها وع وأحسنت معاشرة زوجها، وأبدعت في تربية أبنائها، وكانت .. صادقًا للأسرة المنتجة المؤثرة.

الرابط المختصر :