; «وزن» الصوت المسلم في الانتخابات الرئاسية الفرنسية | مجلة المجتمع

العنوان «وزن» الصوت المسلم في الانتخابات الرئاسية الفرنسية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2012

مشاهدات 68

نشر في العدد 2003

نشر في الصفحة 24

السبت 19-مايو-2012

  • يقدر عدد المواطنين المسلمين بفرنسا بين ١٠٠٦ ملايين مواطن حسب الجهات الرسمية أو المراكز الإسلامية
  • توظيف «ساركوزي» قضايا مسلمي فرنسا لأغراض سياسية شخصية أشعرهم أنهم مستهدفون فاندفعوا للتصويت ضده لمعاقبته
  • هناك تخوف من تعيين «مانيال فالس» وزيرًا للداخلية لمواقفه الراديكالية ضد مظاهر الالتزام الإسلامي
  • بعض الشباب المسلم بفرنسا نظم حملة على الإنترنت والمواقع الاجتماعية تحت شعار «تحرك وانتخب » لحث المسلمين على التصويت في الانتخابات الرئاسية

بعد هزيمة الرئيس «نيكولا ساركوزي» وانتخاب الرئيس الجديد ، فرانسوا هولاند، مكانه، بدأ المحللون يدرسون تأثير مختلف التيارات والقوى الحية في عملية التصويت لهذا المرشح أو ذاك، ومن بين المسائل التي شدت انتباه الملاحظين أصوات المسلمين في فرنسا سواء كانوا مطبقين أو غير مطبقين لدينهم.

وهناك إجماع على ارتفاع نسبة تصويت المسلمين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة وهذا يعني زيادة اهتمام هذه الشريحة المهمة من المجتمع الفرنسي - التي تقدر بين 6- 10 ملايين حسب الجهات الرسمية أو المراكز الإسلامية - بالمعطى السياسي وخاصة المحطة الانتخابية الرئاسية، بعد أن كان الطابع السائد في صفوف المسلمين هو عدم الاكتراث بمثل هذه المحطات الانتخابية، حيث تقدر النسبة المشاركة في التصويت في الانتخابات الرئاسية سنة ٢٠٠٧م بحوالي 4% من مجموع الناخبين الذين يحق لهم التصويت في صفوف هذه الشريحة.

ويمكن تفسير عودة الاهتمام بعوامل عدة منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي، حركة وعي بعد العزوف السياسي:

فالأسباب الذاتية تعود أساسًا إلى حركة الوعي التي دبت لدى الأقلية المسلمة عمومًا والشباب في صفوفها خصوصًا، بعد أن كان الكثير منهم لا يعيرون اهتمامًا وعازفين عن الحياة السياسة، كما هي الحال في بعض البلاد العربية قبل «الربيع العربي»، والتي كان يغلب على شعوبها العزوف عن كل ما هو سياسي لاقترانه في الذهنية الجماعية بالفساد والتنافس على المصالح الحزبية الضيقة.

 وشملت هذه النظرة السلبية للسياسة الفضاء الأوروبي الغربي الذي لم تسلم الممارسة السياسية داخله من بعض مظاهر الفساد، بل اقترنت في عدة حالات بملفات الفضائح الكبرى السياسية والأخلاقية التي طالت كبار رجال الدولة، ويتم الحديث منذ فترة عن تورط «ساركوزي» في قضايا وفضائح عدة. 

والتقى هذا العزوف عن الشأن السياسي لدى المسلمين مع بروز ظاهرة محدودة، ولكنها مؤثرة، تتمثل في الدعوة إلى مقاطعة المشاركة في الحياة السياسية في الغرب، وأساسًا الإدلاء بالأصوات في العملية الانتخابية انطلاقًا من تصور فيه غلو وتشدّد، واعتبار ذلك نوعا من الولاء الذي يحرمه الإسلام لكن المؤسسات الإسلامية الكبرى الحاملة للفكر الوسطي تحركت لتقديم الرأي الشرعي في المسألة، مع الدعوة الملحة للمشاركة من باب التمتع بحقوق المواطنة. 

ومما زاد الشريحة المسلمة تحفظًا سياسيًا في عدد من البلاد الأوروبية من بينها فرنسا كونها تعيش حالة التهميش والإقصاء، بالرغم من وجود كفاءات في صفوفها مع تفاوت بين البلاد الغربية بحسب تعاملها مع الملف الإسلامي وقلما تجد بعض الأحزاب تتجرأ . لتضع على قوائمها أشخاصًا ذوي انتماء إسلامي حتى من أصول أوروبية.. وفي فرنسا، لا يوجد من يمثل الشريحة المسلمة في البرلمان بغرفتيه (الجمعية الوطنية، ومجلس الشيوخ) عدا بعض الوجوه الحاملة لأسماء مسلمة، ولكنها محسوبة على التيار العلماني، ولا تتجاوز في علاقتها بالإسلام الانتماء الثقافي، ونفس الشيء ينطبق على المستوى الحكومي.

  • إرادة قوية

ولم تمنع عملية الإقصاء من دخول بعض الملتزمين بدينهم في المجالس البلدية على المستوى المحلي، وهو تعبير عن حركة وعي سياسي، وعن إرادة قوية لاختراق هذا «الجدار العازل» الذي يقف حاجزًا أمام اقتراب مسلمي فرنسا من دائرة صنع القرار ويبدي العديد من الشباب المسلم المتشبع بمفهوم المواطنة رغبته في المشاركة السياسية بمختلف أشكالها، بداية من التصويت إلى إقامة أحزاب مرورا في الانخراط في بعض الاحزاب المعروفة والتسجيل في قوائمها الانتخابية.

ومن آخر هذه المبادرات قيام بعض الشباب بحملة على الإنترنت والمواقع الاجتماعية تحت شعار «تحرك وانتخب» لحث المسلمين على التصويت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كما تحرك شباب في ضواحي باريس - بمنطقة «سان دونيه» في نفس الاتجاه للحث على المشاركة السياسية، ودعم المرشح الاشتراكي «هولاند»، وقد أثمرت هذه الجهود حركة وعي سياسي في صفوف المسلمين، خاصة لدى الشباب الذين بلغوا سن الثامنة عشرة.

  • حملة استفزازية

وتزامنت حركة الوعي الذاتية في صفوف الشريحة المسلمة مع معطيات موضوعية، تمثلت في قيام بعض الأطراف السياسية خلال الحملةالانتخابية الرئاسية الأخيرة بحملة استفزازية للمسلمين بهدف تحقيق مكاسب سياسية بخلفية حزبية ضيقة، ولئن كانت مثل هذه العمليات ليست الأولى من نوعها في كل محطة انتخابية من حيث اتخاذ المسلمين والمهاجرين والأجانب عمومًا كبش المحرقة باعتبارهم الحلقة الأضعف والشريحة الهشة من بين مكونات المجتمع، فإن المحطة الأخيرة تجاوزت كل الحدود؛ لأن الحديث لم يعد يقتصر على الأجانب، وإنما تحول وبشكل مباشر إلى استهداف مظاهر الالتزام الديني وتطبيق الشعائر الإسلامية، ثم إن الأمر لم يقتصر على تيار أقصى اليمين المعروف بعنصريته تجاه الأجانب، بل تجاوزه إلى الرئيس المنتهية ولايته «ساركوزي» الذي دخل في مزايدة مع تيار أقصى اليمين، وأدلى بتصريحات استفزازية للمسلمين مثل الاعتراض على تقديم اللحم الحلال لأبناء المسلمين في المطاعم المدرسية، ومنع تصويت الأجانب (ومنهم نسبة من المسلمين) في الانتخابات المحلية، ومنع حضور علماء مسلمين على رأسهم الشيخ القرضاوي من حضور الملتقى السنوي لمسلمي فرنسا.

  • تصويت عقابی

وكان في حساب «ساركوزي» أن ينجح بذلك في جلب عدد كبير من الناخبين من تيار أقصى اليمين ظنا منه بأن الصوت  المسلم ليس له وزن وتأثير في الانتخابات على المستوى الرئاسي، ولكن حساباته بـ الضيقة أعطت مفعولاً عكسيًا، وهو استفزاز نسبة من المسلمين الذين شعروا أنهم مستهدفون فاندفعوا للتصويت بخلفية معاقبة «ساركوزي» على انتهازيته وتوظيفه قضايا المسلمين لأغراض سياسية شخصية ... في هذا الصدد، ذهبت النسبة الكبرى من أصوات المسلمين لفائدة الاشتراكي «فرانسوا هولاند تراوحت النسبة بين ٨٥ ۹۳ بحسب مؤسسات سبر الآراء خصم «ساركوزي» الذي صوت له حسب نفس المصادر حوالي 7% من المسلمين.

  • تحديات ما بعد «ساركوزي»

 والآن، وقد انهزم «ساركوزي»، فإن شعور المسلمين بأن التحديات لم تنته، وإنما هي في بدايتها، وإن إبعاد «ساركوزي» عن سدة الحكم خطوة مهمة يجب متابعتها بخطوات أخرى، وأول خطوة مع النظام الاشتراكي الجديد تتمثل في تشكيلة الحكومة المقبلة التي سيعلن عنها يوم ١٥ مايو، وهناك تخوف لدى شريحة من المسلمين من تعيين مانيال فالس، مدير الحملة الانتخابية لـ« فرانسوا هولاند»، في حقيبة سيادية بصفة وزير للداخلية، وذلك لمواقفه الراديكالية ضد مظاهر الالتزام الإسلامي، وقد اعترض على بيع مواد «حلال» من طرف محل تجاري كبير في إيفري، المنطقة التي يرأس بلديتها جنوبي باريس، وقامت مجموعة من الشباب الواعي بتكوين «لجنة اليقظة للمواطنين المناهضين للعنصرية» للتصدي لكل مظاهر العنصرية وبعثت برسالة إلى الرئيس الجديد «هولاند» تطالبه بعدم تعيين «فالس في منصب وزير الداخلية.

من ناحية أخرى، انطلقت الاستعدادات للانتخابات التشريعية المقبلة في يونيو القادم .

الرابط المختصر :