العنوان «وثنية» بالطول والعرض!
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 08-يونيو-2013
مشاهدات 81
نشر في العدد 2056
نشر في الصفحة 66
السبت 08-يونيو-2013
للعصر الحديث وثنيته هو الآخر.. وثنية «الصورة» التي تعلق على رؤوس الناس في دوائرهم ومؤسساتهم، وتباع وتشترى في الأسواق، وتعلق على الصدور، ويطاف بها في المناسبات وفي غير المناسبات.. وتؤطر، وتمسح جيدا، ويقف العبيد الجدد إزاءها معجبين.. خاشعين!
للعصر الحديث وثنيته هو الآخر.. ولكنها وثنية بالطول والعرض فقط، بينما كانت أوثان الجاهليين في العالم القديم تملك العمق أيضًا.. ربما لأن فن التصوير لم يكن قد استكمل أسبابه بعد.. والأمر سواء.. صورة تعلق على الرؤوس الكبيرة في الأمة وتوقرها جماهير الناس.. أو وثن يطوف به رجال الملأ، وتتمسّح عند أقدامه عامة الناس!
ولحظة دخول رسول الله ﷺ مكة فاتحًا وانتهى إلى الكعبة، لم يفرق وهو ينزل معوله في أوثانها بين الحجارة المنحوتة، وبين الصور البدائية للأنبياء السابقين فأمر بإزالتها جميعا، وقال عن صورة مرسومة على جدار الكعبة لإبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- وهما يستقسمان بالأزلام: «كذبوا ما كان إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بها قط».
إن الإسلام لم يحرم النحت أو التصوير لذات النحت أو التصوير، ولكنه حرم كل ما من شأنه أن يقود الناس إلى نوع من التعبد الوثني لأبناء جنسهم، في أي زمان أو مكان، ما دام الله سبحانه قد خلق بني آدم كلهم سواء.. ومن ثم فقد لبس المسلمون ثيابا مرسومة، واستخدموا ستائر منقوشة، واتكؤوا على وسائل مصورة وملونة وحفروا ونحتوا المحاريب والمنابر والمآذن والقباب، ولم يقل أحد أن هذا حرام!
لكن.. هذه العلاقة المزيفة والمحزنة في الوقت نفسه، بين الإنسان الذي جاء الدين لكي يحرّره من الأوهام وبين الصور والتماثيل التي تذل عنقه، وتحني رأسه وهو المخلوق الذي أريد له أن يكون «سيدًا» على العالمين! وها نحن الآن في العصر الحديث نعود ثانية إلى زمن الوثنية.
إن أشد الدول تقدما تكتسح زعماءها اليوم هذه الروح.. هذه الرغبة العاتية في أن يفرضوا التعبد والتقديس على أتباعهم وشعوبهم، وفي أن يخيّلوا لهم، بشكل أو بآخر، أنهم مصنوعون من طينة أخرى غير طينتهم، متربعون في مواقع أعلى بكثير مما يقدرون على الصعود إليها.
إن أي زعيم جديد يجد نفسه مدفوعًا إلى هذا الموقف، فلا يقر له قرار حتى يرى «صورته» معلقة في المؤسسات والدوائر والأزقة والشوارع والساحات والميادين ملصقة على جدران المساجد والكنائس والدور.. مرفوعة على الجباه والصدور، مطاف بها في التظاهرات والمسيرات. إن هذا يذكرني بما قاله يومًا «أكنازسيلوني» الشيوعي الإيطالي، الذي ارتد عن الشيوعية لأكثر من سبب، من أنه رأى جموع الناس في موسكو -في ثلاثينيات القرن الماضي- تحج إلى قبر « لينين» المصنوع من الخشب المتقن، وأنهم يقفون طوابير كي يجيء الدور على كل واحد منهم في أداء العمرة إلى الصنم، وأنه حدث أحد رفاقه هناك بأنه يتمنى لو يتاح له إحراق هذا القبر واستئصاله حماية لمبادئ « لينين» نفسه!
ومن ثم، فإن وثنيتنا الحديثة ليست وثنية الطول والعرض فحسب.. ليست وثنية الصورة المسطحة فحسب.. ولكنها ستؤول ثانية إلى ما كانت عليه شقيقتها البائدة؛ وثنية الأصنام التي يطاف حواليها، وتقف جموع الناس أمامها بخشوع، منكسة الرؤوس والأبصار.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[1] مفكر إسلامي – أكاديمي عراقي