العنوان «هيستريا» العلمانية مع الحجاب
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 25-نوفمبر-2006
مشاهدات 121
نشر في العدد 1728
نشر في الصفحة 17
السبت 25-نوفمبر-2006
محنة نفسية قاسية تعيشها النظرية العلمانية المتطرفة ومؤسساتها الناشطة في دواليب الحكم والسياسة أو في الآلة الإعلامية أو حتى في منظمات المجتمع المدني. المحنة تتلخص في الفشل الذريع رغم الجهود والمخططات الخارقة التي بذلت وفرضت على الشعوب المسلمة لجذبها بعيدًا عن دينها بالمغريات أو بالترهيب والتهديد.
فمنذ إسقاط الخلافة الإسلامية (١٩٢٤م)، وسيادة النظرية العلمانية بكل تشعباتها وتفريعاتها بدرجات متفاوتة على شعوب المنطقة, تقع الأمة فريسة لمنظومة متكاملة تحاول خلع الإسلام من عقول أبنائها عبر مناهج التعليم, ودوائر الإعلام وإدارات الحكم وسلاسل القوانين وإرهاب الجيوش والشرطة.. ورغم كل ذلك نشاهد اليوم حالة التحلل والانهيار التي تعتري تلك النظرية، حيث تتبدد سحائبها إلى غير رجعة منجيلة عن معدن القيم والمبادئ التي أرساها الإسلام, والتي لم تتأثر بما جرى, اللهم إلا الغبار والركام الذي ران عليها.
أتوقف أمام هذه المعاني وأنا أتابع -كغيري- تلك الهستيريا المحمومة الدائرة ضد الحجاب في الشرق قبل الغرب.. في دول إسلامية قبل الدول الغربية.
وبنظرة شاملة لما يجري من حرب على ساحة الحجاب في الشرق والغرب.. ألاحظ أن التعبيرات تكاد تكون واحدة.. سواء ما يصدر في فرنسا أو ما يصدر عن بعض الوزراء، تباعًا في الغرب، أو ما يصدر عن المؤسسة العسكرية وتوابعها في تركيا، أو مؤسسة الحكم في تونس، وأخيرًا وزير الثقافة المصري، فإنها جميعاً -رغم تعدد المناسبات واختلاف التعبيرات- تصب في خانة واحدة، هي محاولة منع ارتداء المرأة المسلمة الحجاب بالقوة الجبرية أو بالضغط النفسي.
أتوقف قليلًا أمام ألوان من تلك الضغوط كمثال فقط, ففي تونس تخوض الدول معركة حقيقية ضد الحجاب، ولم نعرف أن الدولة التونسية خاضت حربًا بهذه الشراسة، خلال ربع القرن الأخير مثلما تخوضها مع الحجاب.
وعندما نقول: (حرب)، فإننا نعني (الحرب) ضد عدو حقيقي، ومن يتابع ما يجري في الآونة الأخيرة في الشارع التونسي يدرك أننا لا نبالغ.. فهناك القانون رقم 108 لسنة 1981م الذي يحظر ارتداء الحجاب, ويعتبره زيًّا طائفيًّا، بل ويحدد للمرأة الزي المرضي عنه من الدولة وهو أن يكون (فوق الركبة)! وتحت سقف هذا القانون تدور المعركة في الشارع والمدرسة والجامعة, وكل شبر من أرض تونس ضد الحجاب.
وفي تركيا أصدر نظام مصطفى كمال قانونًا مشابهًا عام ١٩٣٤م, ثم جرى توسيع هذا القانون ليحظر الحجاب في مؤسسات التعليم التركية والدواوين الحكومية بقانون جديد عام ۱۹۸۱م (السنة نفسها التي صدر فيها القانون التونسي).
وفي مصر حاول وزير التعليم الأسبق في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات حظر الحجاب في المدارس؛ لكنه فشل، ولم تمض الحكومات المصرية في هذا السبيل مستجيبة للشعور المصري العام والجارف المتمسك بالحجاب.. ثم عاود المحاولة وزير الثقافة المصري الحالي فاروق حسني بتصريحاته الأخيرة التي تسيء للحجاب, وهو ما عرضه لردود فعل غاضبة وقوية, والجديد فيها أنها جاءت بالقوة نفسها من داخل الحزب الوطني الحاكم: مطالبة بمحاسبته وإقالته، وفي ذلك مؤشر مهم نحو احترام التدين والتمسك بالإسلام بل وتبني ذلك, وإن كان الأمر مازال في حاجة إلى المزيد.
المهم أن تصرف النظام المصري حيال الحجاب يختلف عن تصرفات النظام التركي والتونسي، وهو أمر يعدل الميزان ويضع مصر في موضعها اللائق بها كدولة إسلامية تحترم دينها.
وعودًا على بدء.. فإن الحملة التي نتابعها على الحجاب والتي يمتد تاريخها إلى سنوات طويلة، مبعثها الأول هو الشعور بالإحباط والفشل الذي يعتري النظرية العلمانية وسدنتها وتلامذتها وخلاياها، وقد جعلوا مقياس فشلهم الحجاب.. فكلما انتشر وازدادت نسبته ازدادت الهستيريا ونوبات الجنون الأمني والإعلامي والسياسي ضد الحجاب والإسلام معًا.
إنها الهزيمة النفسية والفكرية لنظرية تواجه الإفلاس كنظرية ماركس ولينين, إنهم يخططون وينفقون الأموال ويسخرون أجهزة ووزارات ويسهرون الليل.. لزرع الإباحية والانحلال والسفور والعرى في بلادنا.. فإذا بكل ذلك يصير في الصباح هباء منثورًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)﴾ (الأنفال: 36 _ 37).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل