العنوان إهدار قيمة المسلم.. لصالح من؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 05-مايو-2007
مشاهدات 62
نشر في العدد 1750
نشر في الصفحة 35
السبت 05-مايو-2007
الإنسان هو القيمة الحقيقية في الحياة، لهذا خلقه الله وكرمه، ونفخ فيه من روحه وعلمه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا وأرشده، وأنزل له كتبًا وبعث له رسلًا وهداه ووجهه، ومهد الأرض وأعد له الأكوان ورزقه من الطيبات ومتعه.
وجعل له رسالة في الحياة واستأمنه عليها، وجعلها مهبط سعادته وفلاحه إن حملها وقام على رعايتها وسار على ضوئها، أما إذا حاد عنها وسلك بها طريقًا وعرًا أو نسيها وهام بنفسه طرائق قددًا، فقد خسر نفسه وفقد قيمته، فتفرقت به السبل وضلت به الدروب وصدق الله﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَ ٰطِی مُسۡتَقِیمࣰا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ ذَ ٰلِكُمۡوَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:153).
وجاء الإسلام وقد خسر الناس في الحياة كل شيء، نفوسهم وأخلاقهم وكرامتهم وحرياتهم كما فسروها اليوم، فأرجع للإنسانية ما فقدته، ورد لها ما خسرته، ورجع الناس إلى ما كانوا عليه في أيامنا هذه، غير أنهم قد برعوا في حضارة المادة، التي أسعدت الإنسان جسدًا، وهدمته روحًا،فدفعته صناعيًّا وحربيًّا، وخلفته أشلاء، ومزقته وأضاعته أخلاقًا وقيمًا ونهبته موارد وظلمته خلقًا، وسلبته عدالة وأمنًا، وصارت الحياة مرتعًا كبيرًا للوحوش والذئاب، وتطايرت المبادئ والمذاهب، تطاير الهوام عن جسد الحياة البئيسة في هذا يقول ألكسيس كاريل. أحد علماء الغرب البارزين: وإن كنا قد تعلمنا سر تركيب المادة وخواصها، واستطعنا السيطرة على كثير من المواد، وظفرنا بالسيادة على كثير من مواد الحياة، فإننا لم نستطع فهم أنفسنا، ولا إسعادها روحيًّا ونفسيًّا..
هذا، وقد تعثر كل إصلاح وتبخر كل علاج لأمراض هذه الحضارة الجامحة وعللها، رغم تنوع الأدوية، وتعدد النطاسيين والأطباء، ومن هذا وذاك هذه الصيحات والمبادئ:
۱ – الكنيسة: التي نظرت للإنسان على أنه كائن روحي فقط، فأفقدته توازنه وحملته ما لا يحتمل، وحاولت قتل غرائزه وتجاهلت واقعه الأرضي، وزرعت شعورًا أن مملكة الإنسان في عالم الروح والسماء، فنتج عن هذا رد فعل أنشأ مملكة الحضارة المادية الحديثة التي تمردت على الكنيسة وأنشأت مبادئ وصيحات مخالفة لها.
٢- وضعية أوجست كونت: التي نظرت إلى الإنسان على أنه كائن يستطيع أن يشكل نفسه بنفسه ويضبط حركته الاجتماعية ولا حاجة به إلى الأديان والقيم، واستمرت قرنًا كاملًا وأظهرت بعد لأي. صراعًا عميقًا أظهر بعد تجارب صعبة أن الإنسان لا يستطيع أن يوجد القيم المجردة من المصالح، ففتحت بابًا واسعًا للأهواء والنزعات الجامحة.
3- الماركسية: التي جردت الإنسان من شموليته، وجعلته آلة متغيرة في ضوء تغير أدوات الإنتاج، ومجبرًا على سلوك عبوديته لها، فمزقت بذلك كيان الإنسان الشامل وجعلته أسير العوامل الاقتصادية.
٤ – الدارونية: التي نظرت إلى الإنسان على أنه حيوان كسائر الحيوانات، ناسية مساحة الاختلافات في الفكر والشعور، وأنكرت أي ضوابط لتغييره إلا في إطار تكوينه الحيواني.
5 – الفرويدية: التي انتهت إلى أن الجنس هو أساس حركة الإنسان وسلوكه، ولا بد أن يكون التغيير والإصلاح من خلال هذا الدافع الجنسي، وقد سارت الحضارة الحديثة على ذلك فسببت وولدت جراثيم نفسية وجسدية خطيرة، وكان من نتائجها تحطيم الأسرة وضوابطها من خلال الفوضى الجنسية العارمة، وضياع الشرف والعفة، وزرع القلق والأمراض النفسية.
6- الوجودية: التي كانت خاتمة المطاف في سلسلة النظريات الإلحادية التي أنكرت كسابقتها وجود الإله، ودعت إلى أن ينصب الإنسان نفسه إلهًا بدعوى إثبات وجوده وتحقيق حريته بعيدًا عن أوامر الدين ونواهيه، فأطلقت سيل الشهوات، فحولت طبيعة الإنسان وإيقاع الحياة إلى حالة بئيسة من القلق والسلبية والضياع، وأطلقت الحريات غير المنضبطة وتسببت في الفوضى الاجتماعية العارمة.
والآن والبشرية في تيه من هذا الإيقاع الشارد تريد أن تستقر، وتهفو إلى السعادة و تنشد الأمن والأمان، ولا خلاص لها إلا بالإسلام وحضارته، وهذا الشرق الذي وضع في صف المخربين والمدمرين هو مبعث الحضارات ومشرق المدنيات، ومهبط الرسالات التي ساوت بين الناس، وجعلتهم إخوة متحابين ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤىِٕلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ ( الحجرات:13 ).
ونظرت إلى الإنسان على أنه جسد وروح ومادة وقيم: ﴿وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُٱلدَّارَٱلۡـَٔاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَاۖ وَأَحۡسِن كَمَاۤ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِی ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ ( القصص:77 ).
فنحن إذن أصحاب مدنية المبادئ الفاضلة، والحضارة الراشدة التي تحتاج في زماننا هذا إلى رجال أصحاب عزائم وعقل، وفهم وعلم وعمل، تحتاج إلى رجال مؤمنين بعظمة هذه الرسالة، ومعتزين باعتناقها، والأمل في تأييد الله إياها، فهل نجد هذا الصنف؟ وهل نستطيع تربيته لإخراج خير أمة أخرجت للناس، أم نظل بلا علم وعزم وعمل، ونتعلل بالأماني، ونتسلح بالخمول والكسل ونفرح بالانتساب والانتماء والبطولة بلا عمل؟!
إن من يفعل ذلك يكون قد ارتكب جرمًا لا يمحوه مرور الزمن، وعمق التخلف الذي لا ينجينا منه إلا الإقدام والصبر والرباط وتقوى الله في السر والعلن ﴿یَـٰۤأَیُّهَاٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱصۡبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ ( آل عمران:200 )، فهل نحن سائرون؟! نسأل الله ذلك.