; إهدار الشعور الإنساني في نتاج الإباحة الجنسية | مجلة المجتمع

العنوان إهدار الشعور الإنساني في نتاج الإباحة الجنسية

الكاتب د. محمد عادل الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-1989

مشاهدات 56

نشر في العدد 907

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 07-مارس-1989

إهدار الشعور الإنساني في نتاج الإباحة الجنسية

1- كنا عرضنا الأدب الإسلامي في موضوع الجنس ارتقاء بالإنسان، وتوفيرًا لطاقاته وجهده، بما يضبط ميله الجنسي الفطري ويصرفه ويوجهه في مسار مأمون نظيف في نطاق الأسرة هو الزواج، أو الاستعلاء على الضرورة بالتسامي إلى أن يحين الزواج، ولكن الجاهليات في كل الأزمنة تريد شيئًا آخر، إنها لا تريد هدوء المشاعر ونظافتها في نطاق الأسرة حيث توجيه هذا الميل الفطري، ولكن تريد إثارة النزوات والغرائز ولا سيما في عصرنا الحاضر، على مستويات تقدم العصر ووسائله.

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا  (النساء: 27).

ويشهد عصرنا الحاضر محاولات لتهديم الأسرة والتفلت من نظامها إلى الفوضى الجنسية، وقد استمد أصحاب هذه النظرة المناوئة للأسرة من أدبائنا المعاصرين فكرتهم عن نظرة «دور كايم» التي تقرر أن الدين والزواج والأسرة ليست فطرة لدى الإنسان، وإنما هي من عمل العقل الجمعي الدائم التطور والتشكل. والمجتمعات لا تثبت على حال واحد، والإنسان رهين «حتمية الظواهر الاجتماعية في تشكيل حياته ونظامه واعتقاده»(1)، وعلى هذا تكون العلاقة بين الجنسين غير ثابتة فطرة في أسرة، وإنما تتشكل بتشكل الحياة الاجتماعية.

* دعوة لممارسة الجنس:

هذا الإهدار للأسرة، النظام الإنساني الفطري الأصيل، في فلسفة دوركايم كان له أثره في بعض أدبائنا المعاصرين تفلتًا من نظام الأسرة ودعوة لممارسة الجنس دون تحديد. لذا نرى «جبران» يرى في الزواج، عبودية الإنسان؛ لقوة الاستمرار(2) ويتنبأ باتساع الحرية الجنسية(3)، من خلال رؤيته للإنسان الكامل متمثلًا في الإنسان العاشق(4) إلى غير ذلك من الأفكار التي تمجد الجنس المطلق وحرية الحب وترى الزواج عقيمًا(5)..

ويرى غالي شكري في تحليله «للقاهرة الجديدة» لمحفوظ أن مأمون رضوان بزواجه تمدد في «تابوت العهد» كما يرى تعليقًا على ذلك أن الجنس كقيمة بشرية يظل حرامًا ورجسًا من عمل الشيطان حتى يحوله شيخ معمم، بقدرة قادر ورقة بيضاء وبضعة تعاويذ شيئًا: حلالًا(6)

ويتضح من خلال أقواله جهله أو تجاهله لآفاق الأسرة في الإسلام ولعل فيما سبق أن عرضناه غناء.

ولعل الباعث على ترك الحياة الأسرية الأصيلة، هو الاستغراق في الحياة المادية الآلية في أوروبا التي كانت من مظاهرها فقدان الإنسان لإنسانيته، وهذا حديث للدكتور علي زيعور عن المجتمع الصناعي في فرنسا وأوروبا:

«الحديث عن العائلة في المجتمع الصناعي يحدث الغرابة، لكن الظاهرة طبيعية وسيصل إليها حُكمًا كل مجتمع سيأخذ بالصناعة والآلة، لا عواطف، لا حب، لا دفء، لا..، لا....، كانت صاحبة الفندق لا تلتقي زوجها صاحب معمل، بعيدًا عن باريس إلا في الأعياد أو المناسبات، أي في كل نصف عام تقريبًا، أما طفلهما فكان في مدرسة داخلية»(7).

إن النظرة المناوئة للأسرة في أدبنا المعاصر التي تتابع نظرية «دوركايم» بأن الأسرة مسألة اجتماعية صنعها العقل الجمعي، توحي لمتنقيها بأن الأسرة ليست أصلًا ثابتًا من أصول الإنسانية بحيث لا تقوم هذه الإنسانية بدونه، وإنما هي شيء تحت تصرف المجتمع، إن شاء أبقاها، وإن شاء أزالها من الوجود، وإذا عنَّ للمجتمع الحديث أن يعود إلى حالة الفوضى الجنسية السابقة للتاريخ فله ذلك.

ولكن لعل هذه المناوأة النظرية لنظام الأسرة التي ساندتها الجاهليات الحديثة إنما هي خطوة لاستبعادها من الحياة، والإفضاء إلى الفوضى الجنسية، وهذا ما نجده في تفنن الجاهليات في إثارة الشهوات والنزوات بأحدث وسائل العصر للسير بالمجتمعات الإنسانية نحو الإباحة المطلقة، وذلك بإضعاف الروابط الفطرية في النفس الإنسانية، باستبعاد قيم الأسرة وقيم المجتمع ورقابتهما، وتزيين الشهوات بوضع العناوين البريئة لها، واستحسان العري العاطفي والجسدي والتعبيري، بما يحطم الحواجز الخلقية أمام الفوضى الجنسية.

* اتجاهات الجنس عند أدبائنا المعاصرين

2- سبق أن عرضنا إلى أثر النزعات الجنسية الأوروبية عند بعض أدبائنا المعاصرين، متمثلة في الأبيقورية الحديثة ورائدها «بودلير» والاتجاه المادي والبيولوجي في الجنس عند «زولا» والاتجاه إلى تفسير المشاعر البشرية وأصل الحضارة بعامل الجنس وحده عند «فرويد» واتجاه الحرية في الجنس عند «همنغواي»، والمعروضات الجنسية لدغدغة الغرائز عند «فرانسواز ساجان»، كما عرضنا لنتاج بعض أدبائنا الذين ساروا في هذه الاتجاهات المتغربة.

أما هنا فنعرض ما لاتجاهات الجنس هذه عند بعض أدبائنا المعاصرين، وتنكبهم في ذلك طريق التصور الإسلامي، وسلوكهم طريق الجاهليات المعاصرة، من خطر على الإنسان والحضارة في بلادنا، ويترجم لهذا الاتجاه أحد نقادنا بصدد حديثه عن «غابة الحقوق» دون واجبات ومنها حقوق المرأة كعامل من العوامل التي تحدد الاتجاهات الشعرية:

«حقوق المرأة، وما آلت إليه هذه الحقوق الأخيرة من مطالبات بالإضافة إلى مطالبة بالتحرر، واهتزاز وضع العائلة أو تفككها وضياع سلطة الأب، والعلاقات الجديدة بين الأب والأبناء واستعلاء قضية «الجنس» واحتلالها مقام الأهمية.. والاستشفاء بمعالجة الكبت «العفة القديمة» بإشباع الرغبات، كيف فعلت كل هذه في توجيه الشعر؟ وقبل ذلك كيف غيرت مفهوم العصبية العائلية، وحطمت القيم القديمة وأيدت التساهل في تصوير الشذوذ وأوجدت معنى جديدًا للحب؟»

فمن اتجاه الجنس عند أدبائنا بما يثمر الفوضى الجنسية ما نلقاه من تسليط الضوء على الجنس في روايات نجيب محفوظ، ولاسيما في ثلاثيته التي يبرز فيها الجانب الحسي وتوارثه من الآباء للأحفاد على شكل منحرف مُغرٍ، فمن يقرأ الثلاثية يجد تجسيمًا للجنس وتهوينًا من شأن مزاولته المنحرفة، بما يهبط بالمثل العليا عند من يمثلها في روايته وعدها أمرًا نظريًّا لا رصيد له، كما يجد فيها أناسًا همهم لذائذهم الحسية، ولا يرى تنفيرًا من روح التفسخ التي يزعم المؤلف أنه يريد التنفير منها، بينما هو في الحقيقة يركز عليها ويسلط الضوء.

وقد تنبه الدكتور محمد مندور إلى طرف من هذا حين شخصت «بين القصرين» على المسرح، فإذا بالمشاهد الحسية تصطدم نظره فتبدو صارخة، تثير الاشمئزاز، وإن كان يُحمّل الإعداد المسرحي مسئولية ذلك فمن قوله: 

«فالمسرحية المعروفة باسم «بين القصرين» لا تخدش الحياء فحسب، بل تثير الاشمئزاز والغثيان....»

ومن قوله أيضًا يكشف عن مستوى الجنس في القصة والمسرحية:

«ووصف نجيب محفوظ لبعض المشاهد الجنسية في قصة لا يجرح الذوق العام على نحو ما أحسست عندما رأيت هذه المشاهد مجسدة على المسرح تجسيدًا قبيحًا مخجلًا» ومن أدبائنا الذين يسلطون الضوء على الجنس في قصصهم ورواياتهم يوسف إدريس، ولعل مجموعاته القصصية: النداهة- وبيت من لحم، وأرخص ليالي، ورواياته: الحرام- والعيب والبيضاء، تشعر من يقرؤها بحرص مؤلفها على تكثيف جانب الجنس فيها.

فمن قول أحد الباحثين عن «الحرام» يعرض فيه إلى اتجاه المؤلف في الجنس بجانبه المنحرف خارج الأسرة:

«تعد الحرام أهم روايات الكاتب قاطبة.. ويظهر فيها ميل المؤلف إلى استغلال الجنس بوصفه عاملًا حاسمًا في حياة شخصياته التي يختارها من قاع المجتمع كما يفعل دائمًا، ويظهر في تلك الرواية غرام المؤلف بتحليل النوازع البشرية مثل الشك، والغيرة والبحث عن الإشباع، بحيث تصبح بعض الشخصيات تجسيدًا لهذه النوازع.. وتمثل البحث عن الإشباع الجنسي»

ولعل أقصوصة «النداهة» التي يستفتح بها مجموعتها تمثل القصة الجنسية بتفصيلاتها، بالرغم من أن الرمز الذي يطرحه لهذه الأقصوصة «النداهة هي المدنية التي يفقد فيها المرء عذريته التي تتمثل في بدائيته»([19]) لا تحتمل كل هذا التفصيل الجنسي المزري.

ومن نماذج تسليط الضوء على الجنس المنحرف ما نلقاه عند عبد الرحمن مجيد الربيعي، يقدم لنا رواية تتحدث عن الحياة الجامعية والعلاقات بين الجنسين من خلال النظم الجامعية المستوردة من أوروبا، ويعرض لنموذج من العلاقات عند إحدى الطالبات التي قالت عنها إحدى زميلاتها في آخر الرواية: «تحولت إلى كرسي في حديقة عامة، كلما فرغ حل عليه جالس جديد»، وشقة الطلبة تتحول إلى حانة ومَبْغى، ومن الوصف المكشوف ما لا نستطيع إثباته. وإذا لحظنا مرافقة الخمرة للطلبة في حياتهم إلى حد الثمل، بجوار الموبقات تبينت لنا المفارقات في صور حياة الطلبة، بعيدًا عن أية صلة بالله والعمل الصالح.

ومن باب تسليط الضوء على الجنس ما نراه عند الكاتب إحسان عبد القدوس الذي يتخذ من الجنس محورًا لقصصه، فهو على سبيل المثال في قصة «انتحار صاحب الشقة» يقحم الجنس على القصة، ويفتعل العقدة وهي أزمة السكن، ويلوي عنق البطلة «فريدة» السوية الطامحة ليقذف بها في درك الانحطاط دون تبرير أو تفسير منطقي بافتعال يكشف عن جهل الكاتب بمستوى حياة الفئة الغالبة في هذا الشعب- ولا سيما في الريف- المتمسك بتقاليده وعاداته، والذي يريد الكاتب لفلاحاته أن يبعن أعراضهن بسهولة، والعكس صحيح... لقد بالغ في تلفيق الأحداث وتزييف الشخصية، ومخالفة المبادئ الشرعية والقانونية، متجاهلًا الوازع الديني والأخلاقي الذي يعيش في نفوس الناس.

* الدعوة إلى الإباحية

ويأتي بعد اتجاه تسليط الضوء على الجنس عند أدبائنا ما هو أخطر أثرًا وهو الدعوة إلى الإباحة المطلقة... وهذا ما نجده عند الشاعر صالح جودت من تسويغ الإباحة بحجج واهية وتفسير متغرب وافد: 

لا تلوميني لأفكاري الجريئة        أول القصة في الأرض الخطيئة

لا أبونا آدم عف، ولا                 أمنا كانت من الذنب بريئة

عصرا في دمنا تفاحة                  وما لنا فيما تغذيه مشيئة

هي في كل ذهاب نغم                 ولها ترنيمة في كل جيئة

هي أصل الكون في نشأته           عجبًا، كيف نسميها دنيئة

إن الشاعر يذكر الميل الفطري بين الجنسين ولكن ينسى هبة الأسرة وممارسة الإنسان لإنسانيته... ويذكر خطيئة آدم، وينسى غفران الله له وولادة الإنسان على الفطرة، وبراءته من كل خطيئة، وتحرره من كل جبرية.

ونعثر بمجموعة من المعالجات الأدبية تمثل «اللامبالاة» الأخلاقية وخط الانحراف في أدبنا المعاصر، فمن قول نزار قباني في هذا السبيل الإباحي:

عشرين ألف امرأة أحببت

عشرين ألف امرأة جربت... 

وأما «لعبة الحب» لرشاد رشدي، فتمثل انحرافًا خطيرًا في خط الأدب عبر عنه الناقد محمد غنيمي هلال بقوله: 

العلاقات تبدو في المسرحية قائمة على النفع والأثرة والاستجابة الجنسية، يمثلها عصام والسيسي والدكتور زكي، ويبدو نداء الجنس صارخًا في الشخصيات الثانوية... وفي هذا النطاق ينحصر إدراك الحب في المسرحية، فالحب جنس وأثرة ونفعية... لا تفوح منه سوى رائحة الجنس، رائحة الغريزة الحيوانية التي لا يرتفع بها الإنسان عن مستوى الوحوش في استجابتها العمياء للغريزة»

ولقد آذى جو المسرحية المنحرف الوسط الفني والنقاد، حتى إن الدكتور محمد مندور ليصرح بأنه يستحيي أن يدعو إليها ضيفه:

«لأنني أخشى أن يظن أن ما تعرضه هذه المسرحية يمثل نظرتنا إلى المرأة ويصور علاقة الرجال بها في قطاعات حياتنا ومجتمعنا، وبذلك أظلم نفسي عنده، وأظلم شعبي وأظلم معاني الإنسانية كلها».

 

([1]) انظر تاريخ الفلسفة الحديثة: 434، وانظر التطور والثبات في حياة البشرية: محمد قطب، دار الشروع 1397- 1977، ص 79- 80.

([2]) المجموعة الكاملة «المعربة» ص 369.

([3]) من رسالة لماري هايكل سنة 1922 وأضواء جديدة على جبران: 22.

([4]) انظر المجموعة الكاملة: 382.

([5]) انظر الثابت والمتحول: 3/ 188.

([6]) انظر أزمة الجنس في القصة العربية: 89.

([7]) الفلسفات الهندية: 12.

 

الرابط المختصر :