; إنهم يدسون أنوفهم | مجلة المجتمع

العنوان إنهم يدسون أنوفهم

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر الجمعة 06-أغسطس-2004

مشاهدات 62

نشر في العدد 1612

نشر في الصفحة 66

الجمعة 06-أغسطس-2004

رحم الله زمن الاستعمار القديم.. والاستعمار الجديد الذي أعقبه، والذي سمي (بالإمبريالية)... رحم الله الزمنين المذكورين ليس لأنهما لا ينطويان على السوء، فما من إنسان يملك ذرة من عقل يجهل ما فعله الاستعماران في ديارنا، والدمار الذي ألحقاه بالعمران والإنسان فيما زاد العالم الثالث، والإسلامي على وجه الخصوص، تخلفًا وضياعًا...

في أولهما كان الغزو مباشرًا، وكانت الدول المستعمرة ترسل جيوشها إلى البلدان التي نكبت بالتفوق الغربي لكي تبقى هناك القرون الطوال، تعتصر خيرات الأرض، وتستنفد قوى الجماعات المسحوقة، من أجل أن يدر الضرع المترع بالحليب في أفواه الغربي الأمن السعيد المتنعم بكل الأطايب التي تأتيه من وراء البحار.

وفي ثانيهما، حيث انسحبت الجيوش وحلت محلها النخب العسكرية المحلية أو العلمانية المدنية، التي تمسك بخناق الشعوب نيابة عن الاستعمار.. كان الغربيون يخترقون الأمة وعقيدتها وفكرها وثقافتها بوسائل الغزو الثقافي التي استهدفت تزييف الهوية الإسلامية، وسحب الشعوب – رغبًا ورهبًا إلى حالة الانبهار بالتفوق الغربي والانسلاخ بالتالي عن الخصائص والمقومات.

لكن هذا كله ما كان يتم بشكل مباشر وإنما من بعيد لبعيد كما يقول المثل، وفي معظم الأحيان من خلال أبناء الأمة المتمغربين أنفسهم.

أما الآن عبر الموجة الاستعمارية الثالثة التي هندسها ريجان وبوش الأبوبوش الابن والحلقة المحكمة التي تحيط بهم من ممثلي اللوبي اليهودي وعمالقة المال في الولايات المتحدة.. وبعد واقعة الحادي عشر من سبتمبر على وجه الخصوص.

الآن، فيما يمكن تسميته بالاستعمار على الطريقة الأمريكية.. فإنهم مضوا خطوات أبعد بكثير.. تمثل، إذا استدعينا مصطلحات هيل في مثاليته المعروفة: موحد النقيضين الاستعمار المباشر وغير المباشر .. العسكري والثقافي معًا...

ها هي ذي أمريكا ترسل مستشاريها ومبعوثيها ولجانها وهيئاتها إلى ديار الإسلام، وترغم حكوماتها، بمنطق تكنولوجيا الحرب والقوة، على استقبالهم وفتح الطريق أمامهم إلى كل المؤسسات التي يراد لها أن تتحول عن وظيفتها الأصيلة، وأن تغدو أداة للعقل الأمريكي ذي البطاقة اليهودية، لكي تعيد صياغة الإنسان العربي والمسلم بما يتوافق مع مطالب العولمة من جهة، والتطبيع مع العدو الصهيوني من جهة أخرى.

ها هم الآن يدسون أنوفهم في مناهجنا الدراسية عبر مراحلها كافة، ويعيدون صياغة مفرداتها من جديد.. يبدلون ويزيفون ويحرفون، فلا يبقون فيها آية أو كلمة أو عبارة أو إيماءة تدين اليهودية المنحرفة، واليهود المفسدين في الأرض أو تومي بكراهيتهم واحتقارهم، وتعزز - بالمقابل - قيم الانسلاخ عن الهوية، والإعجاب، الذي يصل حد الانبهار، بمعطيات العولمة، والنظام الجديد ذي القطبية الأحادية الذي تتزعمه أمريكا التي يراد لها أن تسترجع بريقها المفقود، بعد أن أصبح الأمريكي في منظور كل شعوب العالم المستضعفة. بشعًا مخيفًا، إلى حد يثير (القرف) والاشمئزاز.

ومرة أخرى.. رحم الله زمن الاستعمارين القديم والجديد..

فها نحن نقبل على عصر توحد النقيضين حيث يتلقى العالم الإسلامي واحدة من أشد الضربات قسوة في تاريخه: تكنولوجيا القوة الجهنمية في أقصى وتأثرها، والمكر اليهودي في أشد صيغه خبثًا والتواء ومكرًا .

الرابط المختصر :