; إندونيسيا.. هل تدخل مرحلة السياسة السوداء؟ | مجلة المجتمع

العنوان إندونيسيا.. هل تدخل مرحلة السياسة السوداء؟

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1328

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 01-ديسمبر-1998

  • التخطيط لإغراق البلاد في الاضطرابات العرقية بعد الاشتباكات الواسعة بين النصارى والمسلمين.

  • محاولات فاشلة للزج بالإسلاميين في الأحداث لمنع فوزهم في الانتخابات المقبلة.

دخلت أعمال الشغب في إندونيسيا مؤخرًا مرحلة خطيرة تستدعي سرعة التحرك لنزع فتيلها خلال ما تبقى من العام الجاري قبل أن تغرق البلاد في الاضطرابات العرقية وتدخل ما يسمى مرحلة «السياسة السوداء» التي تؤذي بالدرجة الأكبر الإسلاميين الذين يطمحون إلى الفوز في انتخابات مايو المقبلة، وتهدد البلاد بالتقسيم الإثني. 

فبعد أحداث يوم الجمعة ١٣ من نوفمبر الذي قتل فيه ١٦ شخصًا وجرح ٤٥٠ هدات جاكرتا نسبيًا وتركز الحديث لمدة أسبوع تقريبًا على محاكمة الرئيس سوهارتو، ومطالبة الجنرال ويرانتو بالاستقالة من رئاسة الجيش.

أما قضية أملاك سوهارتو، فيبدو أن الحكومة جادة فيها، مع أنها لم تعد أساسية، لأن إصلاح الفساد لن يكون بمجرد محاسبة سوهارتو بل بإصلاح هياكل النظام كله. 

وأما قضية مشاركة الجيش في السلطة فقد استمرت كعامل واضح لمظاهرات طلابية صغيرة لمدة أسبوع، وكان رد ويرانتو الأول إعلان الجيش عزمه على محاسبة الجنود الـ ١٤٤ المشاركين في إطلاق رصاص حي، وجد في أجساد الضحايا ومنهم ٧ طلاب، بينما كان أمر الجيش باستخدام رصاص مطاطي. 

وقد علق مسؤول الصحيفة «ميديا إندونيسيا» من الجيش بأن أفرادًا أو فرقة قد تكون قد عصت أوامر القيادة في ذلك اليوم. 

ولم تنكشف بعد خفايا أحداث يوم الجمعة الأسود، لكن تحقيقات الشرطة مع ١١ من أفراد المعارضة اليسارية والقومية استمرت ومنعوا من السفر للخارج، بل وبدأت بعض النقاط المثيرة فيها بالظهور عندما اعترف مخبر من بين الطلبة من جامعة تريساكني - التي قتل منها ٤ طلاب في أحداث سقوط سوهارتو - بأنه قد أعلم من قبل الجيش بأنه سيطلق رصاصًا حيًا، وأنه تسلم رسالة التحذير على جهازه «البيجر» لكنه تجاهلها تقول الرسالة: إن على الذين في اتماجان أن يبتعدوا إذ سيطلق الجيش رصاصًا ما بين الساعتين إلى أربع، بل واعترف براتيو أنه عمل مع الشرطة على تجنيد مليشيات بلغ عددها ١٢٥ ألفًا كلهم من فقراء مقابل مبالغ ضئيلة، لمعاونة الجيش في حماية البرلمان.

أيادٍ خفية

وكان الهدوء قد عاد إلى العاصمة التي حرسها الجيش بإجراءات أمنية مشددة مع حضور طلابي تظاهري ضئيل، وفتحت المدينة الصينية أبواب محلاتها لأول مرة بعد مرور ٦ أيام منذ يوم الخميس ۱۸ من نوفمبر، لكن ذلك لم يستمر ولم تنته السلطات ولا الأطراف الأخرى من تقصي الحقائق في أحداث يوم 13/11 حتى انفجرت أعمال شغب ذات بعد ديني وعرقي يوم الأحد ٢٢ من نوفمبر الماضي، والتي مازالت خفايا أحداثها غامضة حتى كتابة هذه السطور. 

تضاربت الروايات حول ما حصل بين المسيحيين والمسلمين مع بقاء الوضع الأمني فيها متوترًا، وأغلقت المدارس التنصيرية أبوابها خوفًا من أي نزيف دماء أخرى كما أغلق الكثير من المحلات في الوقت الذي ارتفع فيه عدد القتلى إلى ۱۳ من الذين احترقوا في بناية القمار والدعارة التي أحرقها مسلمون ردًا على حرق نصاری مسجدًا لهم.

ولذلك يشتبه بوجود أياد خفية وراء تحريك غوغاء نصارى لحرق المسجد، ثم دفع آخرين لحرق الكنائس.

وكانت الأخبار قد انتشرت بسرعة في إحراق المسجد ونقلها تلفاز جمهورية إندونيسيا، فاشتعلت بذلك النار في الهشيم بين الجاويين والأمبوتيين الذين لكل منهما سوابق تاريخية في خصامه مع الآخر وهذه النقطة استغلت فصار العنف دينيًا عرقيًا في بلد يكون الجاويون من سكانه 45% والسندانيون 14% والمادوريون 7.5%، والملاويون السواحليون 7.5% والصينيون 3.5%، بينما تتوزع الـ ٢٢,٥ المتبقية من نسبة السكان على عشرات العرقيات والإثنيات، ويدين من هؤلاء بالإسلام 90% تقريبًا.

وحسب آخر الأنباء، فإن الكنائس قد أحرقت وتضررت ٦ كنائس أخرى، ومدرستان ومبان أخرى، وأحد هذه المدارس اسمها سانتا أورسولا التنصيرية التي أغلقت أبوابها لمدة أسبوعين. 

وبالإضافة إلى الكاثوليك والبروتستانت فالصينيون كذلك لم يسلموا من أعمال الشغب في سابقة هي الثالثة من نوعها هذا العام، إذ أحرقت عدة محلات في المدينة الصينية، وذلك لأن الصينيين ارتبط وجودهم بالاستعمار الهولندي الذي جاء بهم وعاشوا بعيدًا عن المسلمين، فصاروًا مختلفين عن أهل الأرض عرقيًا ودينيًا «معظمهم نصارى والباقون بوذيون» واجتماعيًا، ثم اقتصاديًا بغناهم، وارتفاع مستوى معيشتهم عن الآخرين.

لذا، كانوا أحد أبرز أهداف وضحايا المتظاهرين في أعمال شغب مايو الماضي التي راح ضحيتها ١٤٠٠ قتيل وعشرات من حالات الاغتصاب التي خططها من قبل عناصر في الجيش لأهداف سياسية.

ومازالت سلسلة احداث القتل الذي رافق الحرق غير واضحة مع اختلاف الروايات حول من الذي بدأ بالفعل وبخاصة حادث قتل أربعة أشخاص ضربًا بالعصي، ذكر أن ٣ منهم نصارى قتلوا ردًا على قتل نصارى المسلم بشكل وحشي أيضًا، والمثير والأكثر غموضًا أن أحد الذين شاركوا في أعمال الشغب كان يحمل علم حزب التنمية المتحد «الإسلامي» مع استنكار الحزب لهذا العمل البشع ووصفه بمحاولة إقحام الإسلاميين في أمر لا شأن لهم به.

الأمن في جاكرتا خلال كتابة هذه السطور مازال يقوم على حضور عسكري مكثف بعد اعتقال 177 شخصًا يشتبه باشتراكهم في أعمال الشغب بشكل مباشر حسبما ذكرت صحيفة بريتا بواناء المسائية وكما أعلنت السلطات الأمنية أنها تدرس حاليًا إمكان استخدام استراتيجية جديدة لمنع حدوث أعمال شغب أخرى مع فشل رجال الشرطة العسكرية في إيقاف أعمال العنف الأخيرة.

من جانب آخر وفي خطوة إيجابية، دعا ممثلون عن الديانات الرئيسة في إندونيسيا في بيان مشترك لهم إلى إيقاف أي تسييس لأعمال عنف دينية وعرقية تهدد بتقسيم إندونيسيا على أساس عرقي أو ديني. 

وعبر عبد الرحمن وحيد رئيس جمعية نهضة العلماء أكبر الجمعيات الإسلامية من حيث عدد الأعضاء هو ورجال دين نصاری و بوذيون وهندوس وكونفوشيون عن «قلقهم العميق» ودعوا إلى «وفاق وطني» بين الجيش والحكومة والقوى الشعبية وإلى حل الخلافات بأساليب ديمقراطية سلمية. 

وقال المجتمعون إن اجتماعهم يهدف إلى «تقوية الأواصر والتسامح بين الأديان والجاليات ولمنع استخدام الدين من قبل أطراف طامعة في السلطة ولهدف سياسي».

حوادث قتل غامضة

وكان أعضاء في نهضة العلماء قد تعرضوا لحوادث القتل الغامضة في شرق جاوة اتهمت فيها اطراف سياسية تسعى إلى زعزعة الاستقرار ولتحييد موقف نهضة العلماء، بل اتهم البعض عكسريين قدماء أو سوهارتو بذلك. 

وفي خطوة لقيت ترحيبًا وتهدف إلى الحفاظ على الوئام الديني الذي تعيشه إندونيسيا لفترة طويلة، أعلن مسؤول في وزارة الشؤون الدينية أنه سيتقدم إلى مجلس علماء إندونيسيا بمقترح يهدف إلى مشاركة المسلمين في بناء ما حرق من كنائس ومدارس تنصيرية، وبنايات أخرى، وذلك لمنع تجذر الصراع.

وأضاف أن هناك رغبة واسعة للمشاركة في إعادة البناء من قبل المسلمين لعدد من الكنائس التي تضاريت التقديرات حول عددها ما بين ١٣ إلى ١٦ كنيسة، بالإضافة إلى بنك وفندق.

والمثير في التصريحات أن قادة مسلمين ونصارى أنكروا وجود أي تأزم في العلاقة بين النصارى والمسلمين، ووصفوها بصراع بين شباب متهور من عرقيتين مختلفتين يعيشون في منطقة واحدة، وقبل أن يحرق المسجد سرت شائعة بأنه أحرق.

وفي الحقيقة فإن بعض وسائل الإعلام استغلت الحدث، وبخاصة مع تحكم النصارى في كبرى الصحف الإندونيسية، ووكالات الأنباء العالمية في الوقت الذي يعتبر الحادث ليس جديدًا، فقد وقعت حوادث حرق كنائس، وبيوت بين المسلمين والنصارى وبشكل متكرر خلال السنوات الثلاث الماضية، ولم تُشكل أي خطر، كحرق الكنائس في سورابايا في عام ١٩٩٦م، وفي مدينة ليستوبوندوا، بل يقدر البعض عدد الكنائس المحروقة بالعشرات في حين تقدر صحف نصرانية عددها بـ ۳۰۰ كنيسة أو ٥٣٢ كنسية أحرقت خلال العقد الماضي. 

غير أن الوضع الاقتصادي السيئ، ووجود اطراف تستغل العنف لأغراض سياسية يعطي للقضية بعدًا خطيرًا مما يهدد وحدة إندونيسيا السياسية والاجتماعية، ومع أن الدستور الإندونيسي مازال علمانيًا وليس هناك أي اضطهاد ديني، وبالرغم من أن الغالبية مسلمة والدين الرسمي ليس هو الإسلام ولا أي دين آخر، فإن الدين يستغل لأغراض سياسية كما استغل سوهارتو سابقًا الخلاف الديني للحفاظ على سلطته بتقوية سلطة النصارى والصينيين.

ولقد استنكر الكثير من السياسيين من توجهات مختلفة استغلال الدين في أعمال عنف لأغراض سياسية.

السؤال الذي يطرح نفسه هو: من وراء الأحداث الدامية ليوم الأحد ٢٢ من نوفمبر، وماذا كان هدف إشعال النيران وقتل الأبرياء من المسلمين والنصارى؟

مع غموض الحقائق تتضارب التفسيرات، منها: 

زعزعة الاستقرار من قبل الجنرالات السابقين، أو أياد ممثلة الأطراف خارجية، تهدف لمنع إندونيسيا من الدخول في عهد ديمجرافي جديد من المقرر أن يبدا في ٧ من يونيو عام ۱۹۹۹م «الانتخابات».

هذه الانتخابات إذا تمت وأجريت بنزاهة، من المتوقع أن يفوز بها إسلاميون الشعبية أحزابهم الواسعة، سواء أكانوا من حزب أمين رئيس، أم عبد الرحمن وحيد أم الأحزاب الإسلامية المعتدلة الأخرى، أم حتى حبيبي المحسوب على الصف الإسلامي.

محللون آخرون يرون أن جناحًا في السلطة قد يكون وراء الأحداث لصرف الانتباه عن القضايا السياسية التي تهدد الحكومة والجيش، وقد يكون بداية لموسم جديد من العنف والاضطرابات وهو تحليل يؤيده دوام راهارجو أحد أعوان أمين رئيس الذي يرى أن الهدف هو صرف الانتباه عن قضايا تواجه الرئيس حبيبي كمحاكمة سوهارتو، وإخراج الجيش من الحياة السياسية، ولمنع الطلبة من الخروج في مظاهرات جديدة تهدد الاستقرار وذلك بأسلوب الترهيب من اشتعال اشتباكات بين معتقدي أديان مختلفة. 

اتهام الجيش

ويتهم الدكتور دوام الجيش، وهو الطرف الذي أثبتت التحقيقات أنه مدير أحداث الشغب في ١٥ من مايو الماضي في الوقت الذي عجز عن مواجهة الطلبة السلاح السياسي الفاعل الأطراف معارضة عديدة، ومع تخوفات أطراف قريبة من سوهارتو من تجاوب حبيبي الإيجابي تجاه طلبات الطلبة بالتحقيق في ثروة سوهارتو. 

ويقول روهمار جو: إنه ليس صراعًا دينيًا متجذرًا أبدًا، ولكنه حادث دبر وكان ممثلوه على الساحة من دينيين مختلفين، ويوافقه الرأي عبد الرحمن وحيد في أن الجيش أو أطرافًا منه تريد الاستفادة من أعمال العنف.

تحليل اخر يرى أن هناك خطة لإدخال إندونيسيا عهد «سياسة سوداء» وذلك بقطع الطريق على الإصلاح الجذري، وقص أجنحة الرئيس حبيبي ثم تشويه صورة الجيش، وقدراته أكثر بإظهار عجزه عن التحكم في الأمور وهي أهداف قد تكون متضاربة في بعض جزئياتها، لكن النتيجة قد تكون سيئة وغير مرضية لكل القوى المدنية والأحزاب الإصلاحية المخلصة. 

استمرارًا للتحليل السابق، هناك من يرى أن أعمال العنف تهدف إلى إحداث هزة في العلاقة بين الجنرال ويرانتو وحبيبي لصالح أحدهما. 

والأيام المقبلة ستظهر أيًا من هذه التحليلات هو الصحيح، كما ان حقائق جديدة ستظهر من هو المدبر الحقيقي لأحداث يومي الـ 13 و ٢٢ من نوفمبر ولماذا جرت؟

الرابط المختصر :