العنوان إندونيسيا: إفلاس حكم وحيد يمهد الطريق لميجاواتي نحو الرئاسة
الكاتب أحمد دمياطي بصاري
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2001
مشاهدات 72
نشر في العدد 1452
نشر في الصفحة 40
السبت 26-مايو-2001
لم تلبث الآمال التي علقها الشعب الإندونيسي على الرئيس عبد الرحمن وحيد - بعد انتخابه قبل ۱۸ شهرًا الماضية- أن أخذت تتلاشى باستمرار إلى درجة لم يتوقعها الشارع الإندونيسي، لا سيما بعد رسالة اللوم الثانية التي أصدرها البرلمان الإندونيسي في الثلاثين من أبريل الماضي بأغلبية ٧٠٪ من النواب وتطالب وحيد بمعالجة الأوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة في البلاد خلال شهر فقط، وإن لم يقدر على ذلك فمصيره العزل من المنصب، فهل سيتبع هذه الرسالة دعوة مجلس الشعب الاستشاري -أعلى هيئة تشريعية في البلاد- لعقد جلسته الخاصة لعزل الرئيس بالفعل؟ فهل هذا هو السيناريو القائم الحالي في البرلمان؟ وكيف بدأ؟ وهل تكون النائبة ميجاواتي أول امرأة ترأس أكبر دولة إسلامية وإلى أين ستتجه الأمور بعد كل هذه الدوامة.
الصراع مع الأحزاب الإسلامية: يرى بعض المراقبين السياسيين أن تدهور شرعية وحيد بدأ منذ سلك طريقًا لا يعبر عن مصالح الشعب عامة والمسلمين بشكل خاص، ومن ذلك الإعلان عن فتح العلاقة التجارية مع الكيان الصهيوني بعد أسبوع فقط من توليه الحكم على الرغم من أن هذا لا يقع ضمن الأولويات التي يجب أن تقوم بها الحكومة وإصرار وحيد على إنعاش تعاليم الشيوعية وأفكارها بعد أن كان ذلك محظورًا طوال حكومة الرئيس سوهارتو، وصمته أمام المجزرتين اللتين وقعتا بحق المسلمين في مالوكو «جزر الملوك» وبوسو «سولاويسي الوسطى» وأسفرتا عن آلاف الضحايا ومئات الآلاف من المشردين والمضطهدين بل إنه على العكس من ذلك كان يدين ويشجب المسلمين ويتهمهم بإثارة الغيرة الاجتماعية وإيقاد نيران الفتن في المنطقة وهو ما يخالفه الواقع وإضافة إلى ذلك فقد استمر وحيد في تخييب آمال أغلبية المسلمين في تحسين الوضع الأمني والاقتصادي في البلاد، بل انخرط منذ مستهل حكمه في فتح جبهة صراع مع الأحزاب الإسلامية التي تحتل ربع مقاعد البرلمان كما أنه قام بعزل حمزة حاز -رئيس حزب الوحدة للتنمية الذي حصل على ٣٥ مقعداً في البرلمان- من حقيبة وزارة القضاء على الفقر، والدكتور يوسريل إهزا حيندرا – رئيس حزب النجمة والقمر الذي حصل على ١٣ مقعدًا- من منصب وزير العدل، والدكتور نور محمودي إسماعيل من وزارة الغابات بتهمة التحريض على المظاهرات الطلابية وفشله في منع تحركات حزبه حزب العدالة، الذي وقف موقفاً حاسماً في وجه الرئيس، وقد أدت تلك التصرفات من جانب وحيد إلى ثورة الشارع الإندونيسي وخروج الجماهير الحاشدة ضد الإجحاف بحق أغلبية الشعب، وحسب ما نقلته مجلة تيمبو الأسبوعية أصبح البرلمان في عهد وحيد معقل المظاهرات التي تنادي باستقالته وتقضم شرعية حكمه تدريجيًا.
الغريب أن الرئيس وبطانته يغفلون مكانة الأحزاب الإسلامية وبراعتها في المعترك السياسي خاصة بعد العاصفة التي تلت رفض البرلمان محاسبة الأداء الحكومة بحر الدين حبيبي، وقد تمكنت هذه الكتلة المركزية من توجيه العاصفة لإيصال أمين رئيس لمنصب رئاسة مجلس الشعب الاستشاري، وأكبر تانجونج لرئاسة البرلمان مما يعني بطبيعة الحال هزيمة مرشحي الحزب الديمقراطي الإندونيسي للكفاح الذي حصل على ۱۳۷ مقعدًا في البرلمان، وكان أكبر إنجاز لتلك الكتلة وضع وحيد نفسه في منصب الرئاسة.
فالأمر ليس بغريب أن يتعاطف الشعب مع هؤلاء الثلاثة الذين هم من كبار قادة الحركة الإسلامية الجمعية المحمدية، وعبد الرحمن وحيد كان رئيس في البلاد، كما أن أكبر تانجونج كان رئيسًا لاتحاد طلبة المسلمين «HMI» وأمين رئيس كان رئيس الجمعية نهضة العلماء، ولكن الآمال خابت في حكومة وحيد بعد أن تركت وقودها الأساسي «الأحزاب الإسلامية» اعتقادًا منها بأنها تسير على أحسن حال وتقدم أفضل الإنجازات التي طالبت بها حركة الإصلاح التي قادها الطلبة وهي:
1. محاكمة الرئيس الأسبق سوهارتو.
2. إنعاش الاقتصاد.
3. القضاء على أعمال الفساد.
4. تطبيق الحكم الذاتي.
5. القضاء على دور الجيش في الشؤون المدنية.
6. تعديل دستور عام ١٩٤٥م.
لكن الحكومة عجزت عن حل أغلب تلك القضايا خلال الفترة الماضية، باستثناء القضاء على دور الجيش في الشؤون المدنية، الأمر الذي يراه مراقبون لا يمثل أولوية يجب القيام بها الآن، بل إنه يؤدي إلى ابتعاد الجيش عن تأييد الحكومة في محاولاتها احتواء المشكلات الدامية ومواجهة الأطراف المتناحرة في كثير من مناطق البلاد.
الصراع مع البرلمان
بعد ۱۸ شهرًا من الحكم تشكل رأي عام مفاده أن الرئيس وحيد شخصية لا تقبل نصيحة الآخرين، تكشف ذلك مقابلة أجرتها مجلة «سبيلي» الإسلامية، مع الحاج عبد الحميد بيضاوي أحد كبار قيادات جمعية نهضة العلماء، الذي يقول: «جوس دور، وهو لقب الشهرة للرئيس وحيد شخص لا يقبل نصيحة الآخرين، حتى ولو قام والده من قبره لينصحه ما كان ليقبل، وعندي أنه يقبل فقط النصائح التي تأتي من إسرائيل» «سبيلي ۲۸ مارس ۲۰۰۱م».
وخلال الصراع القائم مع البرلمان أبدى وحيد عدم مبالاة لنصائح البرلمان الذي من مهمته مراقبة تسيير الحكومة ومجلس الوزراء، ونصائح الهيئة الاستشارية العليا التي من واجبها تقديم النصيحة للرئيس، وقد أدى ذلك إلى توترات سياسية جديدة وعلى ما يبدو فإن خبرته في قيادة جمعية نهضة العلماء لمدة ١١ سنة -حيث تكثر فيها الطبقة غير المتعلمة وينتشر العرف في تبجيل الأساتذة وأبناء العلماء والتقليد- انعكست على قيادته للدولة مع عدم مراعاته لوجود مؤسسات سياسية أخرى في البلاد لذا لم يكن وجوده في الحكم سببًا لإيجاد حلول للمشكلات المتراكمة وإنما كان سببًا لتفاقم الخلافات.
وكانت فضيحتا الفساد في «بولوج جيت» «حوالي ٣٥ مليار روبية» وبروني جيت «نحو مليوني دولار» فرصة ذهبية انتهزها البرلمان لإيجاد مبرر الإقناع الرأي العام أن وحيد هو جزء من القضايا التي يجب أن يتخلص منها الشعب عاجلًا لإنقاذ البلاد من الانهيار، وأن وحيد الذي جاء حلالًا للمشكلات solution maker أصبح منشئًا للمشكلات trouble maker، وقد كشفت اللجنة الخاصة التي شكلها البرلمان بقيادة بحتيار حمزة «من حزب الوحدة للتنمية» وجود ملابسات لتورط الرئيس في القضيتين، مما دفع أغلبية الأحزاب السياسية في البرلمان إلى الاعتقاد بأن وحيد حنث باليمين الرئاسية التي يتعهد فيها بإيجاد حكومة نزيهة بعيدة عن أي فساد إداري أو مالي، فأصدر البرلمان رسالته التحذيرية الأولى في الأول من فبراير الماضي، حيث يطالب وحيد بالرد عليها وإيجاد إصلاح شامل في أداء حكومته خلال ثلاثة شهور.
لكن وحيد رد بإدانة اللجنة الخاصة واعتبرها غير قانونية لقد قبل الرسالة كواقع سياسي لكنه لم يقبل مضمونها الذي يحمل شبهة تورطه في الفساد.
وحيد يحتج بأن الدستور ينص على التفرقة بين وظيفتي المراقبة والاستقصاء، حيث الأخير من مهمة المحكمة العليا لا البرلمان: «فإن وجدنا أي جهة كانت تعتزم ممارسة هذه المهمة غير المحكمة العليا، فيجب معارضتها بكل المستطاع».
وقد بادر مستشار الرئيس الدكتور هارون الرشيد، بتوجيه نداء للمحكمة العليا يطلب منها المسارعة لإصدار فتوى بشأن شرعية عقد الجلسة الخاصة لمجلس الشعب الاستشاري بناء على قراره رقم 3 العام ۱۹۷۸م الذي نص فيه على احتمال عزل الرئيس خلال الجلسة الخاصة، وأكد هارون أن من حق الرئيس إصدار أي قرار للتصدي لأي موقف ضد الدستور إذا أفتت المحكمة العليا بعدم دستورية الجلسة الخاصة.
وبناء على ما فسره هارون، وبالرغم من معارضة الكثير من المتخصصين في القانون لهذا التفسير، لجأ وحيد إلى محاولة حل البرلمان باعتباره الحل الأخير الذي يملكه، وقد حاول الحصول على دعم الجيش لقراره، لكن الجيش يرفض هذه الخطوة، وخاصة قادة القوات البرية التي تعد أقوى صفوف الجيش الإندونيسي، وقد أكد ذلك قائدها الجنرال إينديارتونو سوتارتو يوم ۱۸ مايو في مقر الجيش في جاكرتا كما كرر في أكثر من مناسبة في الأيام القليلة الماضية، أن الجيش حث الرئيس على عدم الإقدام على إعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان، حيث إن الأمر يؤدي السياسية المؤقتة، وذلك ردًا على إشاعات راجت إلى مأساة أكبر ونكبة سياسية أسوا، بالإضافة إلى أن الجيش يدعم المصالح العامة للشعب والدولة ومحاولة الالتزام بمواقفه الجديدة بالابتعاد عن الحلبة السياسية، وذكر الجنرال سوتارتو الرئيس وحيد بأن تغيير قادة الجيش لا بد أن يكون لأسباب متعلقة بالمهنة ومصلحة الشعب والدولة لا المصلحة بأن وحيد يحاول تغيير قادة الجيش لجلب المزيد من الدعم السياسي في صراعه مع البرلمان، ورفض الجنرال سوتارتو التصريح باحتمال أن يطلب الجيش -الذي ظل يتمتع بوزن سياسي مدة لا تقل عن ٣٢ سنة- من وحيد التقدم بالاستقالة، فالجيش يفوض الأمر إلى مجلس الشعب الاستشاري.
وعلى الوتيرة نفسها أبدى رئيس مجلس الشعب الاستشاري أمين رئيس، استغرابه من سعى وحيد إلى عزل بعض قادة الجيش الذين رفضوا حل البرلمان، ويرى أمين أن هذه الخطوة ستزيد تدهور الوضع، ويؤكد أن أي تغيير في قيادة الجيش يعد إصرارًا على حل البرلمان والبقاء في الحكم.
وعلى صعيد آخر أكد نائب قائد القوة البرية الجنرال كيكي شحنكري أن نسبة ٩٥٪ من أفراد القوات البرية اتخذت موقفًا حاسمًا بعدم الرجوع إلى الشرك السياسي، وهم حريصون على تطوير المهنة، وقال: «إنهم يوافقون على قرارات وسياسة الجنرال إينديارتونو، وهم يوالونه تمامًا».
وتحدثت الصحف المحلية عن أن أغلبية القيادات العسكرية رفضت تنصيب أي قائد عسكري خارج الإطار المعمول به في الجيش، وقال الجنرال كيكي: اتفق معظم قادة القوات البرية على رفض تنصيب الجنرال السياسي «كما يسمونه» كما أكد ذلك أيضاً قائد القاعدة العسكرية 9 أودايانا، الجنرال ويليام داكوستا أمام ۲۳۲ من القواد العسكريين بقوله إن الجيش يرفض تغيير قائده بمجرد حيلة سياسية.
وحسب مصدر مطلع مقرب من قائد القوات البرية فإن الأخير يرى أن إصرار وحيد على تغيير قائد القوات البرية ونائبه وقائد القوة الاحتياطية الاستراتيجية، يستهدف تفكيك القوات المسلحة ليتمكن من إعلان حالة الطوارئ ومن ثم حل البرلمان، وذكر أن وحيد وقع على قرار عزل القادة وأنه قام بدعوة قادة القوات البرية والجوية والبحرية ورئيس الشرطة إلى قصره الرئاسي من أجل إقناعهم بدعمه سياسياً في مواجهة البرلمان الذي سيعقد اجتماعه المقرر له في ٣٠ من مايو الجاري بعد رفض البرلمان طلب الحكومة تأجيل جدول أعماله لمواكبته أعمال قمة الـ ١٥ دولة نامية التي تعقد في نهاية الشهر أيضًا، حيث يتخذ البرلمان قرار توجيه الدعوة لمجلس الشعب الاستشاري بعقد الجلسة الخاصة لعزل الرئيس.
الجنرال الأوسط
وهناك فريق آخر يسمى فريق «الجنرال الأوسط» يقوده الجنرال أجوس ويرا حاديكوسوما المقرب من وحيد وكان قائداً للقوات الاحتياطية الاستراتيجية قبل عزله في أعقاب ضغوط سياسية، وقد عقد هذا الفريق اجتماعات مكثفة خلال الأيام الأخيرة مع وحيد للتباحث حول الأزمة، ويضم الفريق ۱۰ جنرالات.
ويقول مصدر مطلع إن قادة الجيش مستعدون بطبيعة الحال لقبول أي تغيير يقوم به الرئيس فذلك يدخل ضمن امتيازاته الرئاسية، ولكن فليكن التغيير الأسباب تتعلق بالمصالح العامة وليس لأهداف سياسية بحتة والبقاء في الحكم.
وقد امتنع نواب الجيش في البرلمان «٣٨ نائبًا» عن التصويت عند إصدار الرسالة الثانية في البرلمان في نهاية الشهر الماضي، إلا أن اتحاد الجنرالات المتقاعدين أعلن عدم التزامه بهذا الموقف وحدد الاتحاد موقفه في أعقاب اجتماعه في ١٩ أبريل الماضي بعدم دعم حكومة وحيد.
ومرت المهلة
مرت مهلة الأشهر الثلاثة دون تحرك يذكر من جانب وحيد لإصلاح الأوضاع بل إنه قام بجولات خارجية واسعة، على الرغم من نداءات البرلمان له لتقليل رحلاته الخارجية، فكان ذلك من بين العوامل التي دفعت البرلمان لتوجيه الرسالة التحذيرية الثانية فالواقع أن وحيد لم يبد أي تغيير في تصرفاته الشخصية التي أثارت الأوساط السياسية كثيراً فضلاً عن عدم حصول أي تحسن في الأوضاع المضطربة.
وقد أثيرت تساؤلات حول تصرفات الرئيس وحيد الشخصية الناجمة عن تعرضه للجلطة والسكتة الدماغية مرتين خلال السنوات الماضية الأمر الذي حث اللجنة السابعة في البرلمان التي تهتم بصحة الرئيس على التوجه لدعوة أطباء القصر لتقديم بيان حول صحة الرئيس، بعد أن التقى ٤ أطباء من المتخصصين في الأعصاب وعلم النفس بقيادة الدكتور سوهاركو كاسران في الشهر المنصرم رئيس البرلمان، أكبر تانجونج لتقديم ما توصلوا إليه من دراسة وملاحظات شاملة حول مرض الرئيس حيث أكدوا أنه لم يعد لائقًا لتسيير الدولة، وحسب تأكيد الدكتور سوهاركو فإن ما توصلوا إليه من دراسة ينال دعمًا كبيرًا من هيئة التأديب في اتحاد الأطباء الإندونيسيين، وقد وافقت الهيئة على إنشاء لجنة خاصة لدراسة ما توصل إليه الدكتور سوهاركو وفريقه الذي كشف أن الرئيس معوق جسمًا ونفسيًا.
موقف ميجاواتي
تطور التوتر السياسي في البلاد بعد اتساع الفجوة في العلاقة الثنائية بين الرئيس ونائبته ميجاواتي سوكارنو بوتري التي خرجت عن صمتها الطويل، وعلى الرغم من أن وحيد منح بعض صلاحياته لنائبته ميجاواتي بموجب القرار رقم ١٢١ لعام ۲۰۰۰م، إلا أن ميجاواتي لم تتمتع بتلك الصلاحيات بدليل أن وحيد لم يستشرها عند إجراء التعديل الوزاري الأخير كما لم يستشرها عند إقالة الوزيرين يوسريل ونور محمودي حسبما ينص القرار الرئاسي السابق.
نائبة الرئيس كانت مستاءة إلى درجة بالغة، ولكن طبيعتها الصامتة وخبرتها القليلة لم تمكناها من مواجهة مناورات الرئيس وإن كان وحيد يستند عليها في كثير من اللحظات لجلب المزيد من الشعبية بالإيحاء بأنها كانت ولا تزال تدعم حكومته.
تحول لصالح ميجاواتي
لم يكن أنصار ميجاواتي يتوقعون أن يأتي الدعم من الكتلة المركزية الإسلامية التي كانت تعرقل مسيرة ميجاواتي نحو الرئاسة، لكن بعض المصادر يرى أن اللقاءات التي قام بها زوجها توفيق كيماس وبعض أنصارها، يمكن أن تسفر عن تغيير في مواقف الأحزاب الإسلامية من تولي ميجاواتي رئاسة البلاد، وقد ترتب على ذلك تغيير موقف ميجاواتي من وحيد حيث رفضت حضور اللقاء المقترح لكبار السياسيين الشهر الماضي وأيدت بقوة إصدار الرسالة التحذيرية الثانية في ٣٠ أبريل الماضي، واستخدمت مقولة ملاويوية مشهورة لوصف الأوضاع السياسية في البلاد حيث قالت: «كسحب الشعر من الطحين الشعر لا ينقطع والطحين لا يتبعثر».
وفي الثاني من مايو الحالي، قام 5 وزراء مهمين في الحكومة بزيارة ميجاواتي لإقناعها بقبول التصالح والتفاهم مع وحيد، حتى إنهم عرضوا عليها صلاحية تعيين ۷۰٪ من الوزراء، لكن كانت الزيارة دون جدوى، بل إنها غابت عند حضور وحيد لتناول الإفطار في مقرها الرسمي بعد يومين من إصدار الرسالة الثانية، متعللة بالمرض، ولم تحضر ميجاواتي في مناسبة توجيه الرئيس خطابه للشعب ليلة الرابع من الشهر الحالي، وأكد وحيد: «لم تحضر السيدة ميجاواتي لأنها مزكومة».
وشرع رئيس الكتلة البرلمانية لحزب ميجاواتي عارفين بانيجورو، بجولة لوبي لتأمين مقعد الرئاسة الميجاواتي لعام ۲۰۰٤م، وقد حصل على ذلك حسب تأکید نائبه ديدي سوبريادي الذي قال: إن حزب جولكار وحزب الوحدة للتنمية، وحزب الأمانة الوطنية وحزب القمر والنجمة «وليس بينها حزب العدالة» اتفقت على عدم مواجهة حكومة ميجاواتي القادمة عام ۲۰۰٤م، ولم يوافق على هذا الرأي حزب العدالة الذي يمثل فكر الحركة الإسلامية في المشرق العربي، كما زار توفيق كيماس زوج ميجاواتي الولايات المتحدة مرتين لكسب التأييد الأمريكي لها، بل إن ميجاواتي حصلت على دعوة من الرئيس الأمريكي لإلقاء خطاب أمام ندوة دولية في واشنطن قريبًا.
وسعت ميجاواتي لعقد اجتماع القادة الأحزاب السياسية لم يحضره الرئيس وحيد للتباحث حول إيجاد حل لمشكلات التي تعيشها البلاد، على الرغم من معارضة وحيد لتلك الخطوة حيث يراها تمردًا على الحكومة وإهانة لمكانته السياسية، وفي الاجتماع الذي عقد يوم السادس عشر من مايو الجاري ذهبت أغلبية قادة إلى اتفاق معياري على النقاط الثلاث التالية:
أولًا: أن الوضع الاقتصادي الحالي يجب إنقاذه بكل جهد ممكن.
ثانيًا: السعي لإنقاذ إندونيسيا من الانحلال الشامل.
ثالثًا: محاولة ترسيخ وبناء شرعية الحكم.
وفي غضون ذلك توصل البرلمانيون إلى نتيجة أخرى بأن حكومة وحيد أصبحت عاجزة عن معالجة الأوضاع القائمة، ولم تعد قادرة على تقديم أي حل لأن الرئيس وبعض وزرائه المقربين أصبحوا منشغلين في مناورات سياسية للبقاء في الحكم، وقد استنبط نائب حزب جولكار، أدي قمر الدين أن إفلاس شعبية الرئيس مهدت الطريق الميجاواتي لتصبح رئيسة جديدة في الواقع، وأن حكومة وحيد قد انتهت ولاسيما أن بعض الوزراء فضلوا التعامل معها بدلًا من وحيد، وإن أصر وحيد على البقاء فإن ذلك لن يجدي نفعًا لمصالح الشعب والبلاد.
وقد أثار هذا الكلام نواب حزب الرئيس وحيد -حزب نهضة الشعب- الذين يتزعمهم توفيق الرحمن الذي قال إن الحكومة لا تنحصر في الهيئة الرئاسية فحسب، بل إنها تضم كل الهيئات الموجودة حاليًا، وعزا عدم فاعلية الحكومة إلى الصراع القائم بين الرئيس والبرلمان.
وأكد أدي قمر الدين أن نواب الجيش والشرطة في البرلمان اقترحوا قيام حكومة ذات فاعلية عالية، ولا يكون ذلك إلا من خلال حصولها على الشعبية والشرعية القوية والدعم الواسع من قبل البرلمان والأوساط السياسية والشارع، وقال أدي: «منطقيًا، أغلبية البرلمانيين يرغبون في إنهاء حكومة وحيد عاجلاً».
يذكر أن هذا اللقاء هو البديل لغياب أي حل وسط لتسوية الصراع بين الرئيس وحيد والبرلمان، وخاصة بعد فشل مبادرة وحيد في عقد لقاء بين الأربع الكبار: وحيد ونائبته ميجاواتي وأكبر تانجونج رئيس حزب جولكار وحمزة حاز رئيس حزب الوحدة للتنمية، وكانت تلك المبادرة رفضها كان من أكبر وميجاواتي لعدم توجيه الدعوة إلى أمين رئيس، رئيس مجلس الشعب الاستشاري.
ميجاواتي والأحزاب الإسلامية
ولكن كيف تقبل الأحزاب الإسلامية التعاون مع ميجاواتي فيما كبار السياسيين الذين يدعمونها من وراء الكواليس هم الذين كانوا يصنعون القرارات خلال حكومة الرئيس الأسبق سوهارتو ومعظمهم اشتراكيون ومسيحيون وعلمانيون البعض يرى أن الاتفاق مع ميجاواتي سيكون أوضح وأفضل مما عليه الحال الآن تحت رئاسة وحيد، الذي لم يعمل من أجل المسلمين بل من أجل الأيادي الصهيونية الخفية، وما يلجأ إليه السياسيون الإسلاميون الآن هو من قبيل الاجتهادات السياسية أو تناول الدواء رغبة في الشفاء، وإن كان مرًا للغاية.
أدرك وحيد من هذه المؤشرات أن الفجوة بينه وبين نائبته ميجاواتي تتسع، فكلف سبعة من وزرائه بقيادة الوزير المنسق للشؤون السياسية والأمنية الجنرال بامبانج يودويونو بإجراء مباحثات لإيجاد حل وسط وعمل لوبي لدى كبار السياسيين وعلى رأسهم ميجاواتي نفسها، وتوصل هؤلاء إلى أن الحل الأقل خطورة يتمثل في توفير دور أكبر الميجاواتي في تسيير الحكومة، لكن وحيد لم يقتنع بل أدلى بتصريحات مفاجئة يوم العاشر من مايو الجاري، ردًا على سؤال حول تقسيم الصلاحيات بينه وبين نائبته ميجاواتي قائلًا: «ما المزيد من الصلاحيات التي تطالب بها النائبة، إنني أعطيتها كل شيء، حتى إنها التي تدير اجتماع مجلس الوزراء»، وأكد أنه لم يحتفظ لنفسه إلا بأمرين يرى أنه لن يتنازل عنهما بأي حال وهما تعيين الوزراء ووضع الخطوط العامة للحكومة.
هذا بالتأكيد يعني أن الرئيس لن يقبل مقترحات الوزراء المقربين منه الوزير الجنرال بامبانج لم يصرح بمضمون المقترحات التي قدمها الوزراء الوحيد، لكن إجابته كشفت المضمون نفترض أن السفينة التي نركبها الآن ستغرق وتصطدم بالصخرة، فأنا يجب أن أقول للربان إن تلف وتغير الاتجاه حتى لا تصطدم وتغرق السفينة. فهل ما أحس به الربان يعتبر خيانة أم أنه إنقاذ للسفينة والركاب؟ «جريدة الجمهورية 8 مايو ۲۰۰۱م»، وحسب المصادر المطلعة فإن تلك المقترحات تتضمن إعطاء ميجاواتي صلاحيات تسيير الحكومة وجعل منصب الرئيس منصبًا فخريًا فقط.
السعي لحل البرلمان
وحين ضاق الميدان على وحيد وابتعد عنه حلفاؤه السابقون ولم يجد مخرجًا للتصالح مع خصومه حاول أن يلجأ إلى حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ، فوجه الدعوة لقائد الجيش أمير البحر ويدودو وقائد الشرطة الجنرال سوريو بیمانتورو لحضور الإفطار في قصر الرئيس والمفاجأة أن كليهما لم يحضر، الأمر الذي يعني عدم توافر دعم الجيش والشرطة في حالة حل البرلمان.
وقال قائد القوات البرية الجنرال إنديارتونو سوتارتو إن القوات المسلحة حثت الرئيس على عدم إصدار أي قرار لحل البرلمان، قلنا له إن حالة الأمة ساحت إلى هذه الدرجة، فلا يليق به أن يصدر أي قرار يؤدي إلى حالة أكثر إساءة، وأضاف أن الجيش يدعم الرئيس كرئيس دولة ورئيس الحكومة ولكن الأمور التي لا تتناسب مع آمال الشعب وإرادته، فمن واجب الجيش أن ينصح الرئيس بالتنازل عنها.
رئيس البرلمان، أكبر تانجونج أكد أن البرلمان سيقاوم بقوة إذا ما حاول الرئيس حل البرلمان: «أعتقد أن الأغلبية الساحقة في البرلمان تقف ضد قرار حل البرلمان، فإذا حدث ذلك فعلًا فالبرلمان يطالب مجلس الشعب الاستشاري بعقد الجلسة الخاصة لعزل الرئيس بأسرع وقت ممكن».
ويرى النائب البين لي من حزب الأمانة الوطنية، أن البرلمان ليس في حاجة لمقاومة حل البرلمان، لأن الدستور يمنع ذلك أصلاً، فحسب الفصل ٨ البند ٦ من قرار مجلس الشعب الاستشاري رقم 3 لعام ١٩٧٨م «لا يستطيع الرئيس أن يحل البرلمان» وفي الفصل 5 البند ٢ نص على أن الرئيس محاسب أمام المجلس الاستشاري عن أداء حكومته، فإذا توجه الرئيس لحل البرلمان فعلى مجلس الشعب الاستشاري عزل الرئيس فورًا حسبما يقول البين ويرى بعض المتخصصين في القانون أن الحالة الراهنة ليس من ورائها إلا الرغبة في الاحتفاظ بالسلطة وليس هناك مبرر متعلق بمصير البلاد.
ولعدم تلقيه دعم أي جهة في محاولته حل البرلمان لجأ وحيد إلى نفي هذا التوجه من أساسه قائلًا: «لا يوجد أي قرار لحل البرلمان».
لقد استمات وحيد وبطانته في جلب الدعم لسياساته وشارك في ذلك الرئيس الحالي لجمعية نهضة العلماء، هاشم مزادي الذي زار اختي ميجاواتي وحاول بناء تحالف معهما حيث تنادي رحمة واتي، أخت ميجاواتي، باستقالة أختها الكبيرة، كما أن وحيد نفسه زار رحمة واتي ليستعين بها لوقف مناورات ميجاواتي ضده، كما زار وحيد رئيس حزب الوحدة للتنمية، حمزة حاز للمرة الثانية بغية تفكيك صفوف خصومه ضمن الكتلة الإسلامية.
جمعية نهضة العلماء
كما دبت الخلافات داخل جمعية نهضة العلماء بشأن الموقف من الرئيس وشهدت الجمعية خلافًا لا مثيل له في تاريخها، كما أن بعض العلماء الذين وقفوا ضد إصدار فتاوى الجهاد للدفاع عن وحيد وإصدار قرار «البغاة» لمن حاول إسقاط وحيد قانونيًا أبعدوا من أوساط الجمعية، وبقيت تحكم الجمعية المجموعة التي تم إنشاؤها خلال قيادة وحيد لها، وأجازت هذه المجموعة اعتناق الأفكار الاشتراكية، ويرى الشيخ بيضاوى «مجلة سبيلي ۲۸ مارس ۲۰۰۱م»، أن أحداث العنف، والمظاهرات العنيفة من قبل مؤيدي الرئيس في جاوه الشرقية، دليل واضح على انهيار القيم الأخلاقية، والشريعة والعقيدة ضمن صفوف جمعية نهضة العلماء.
وتتمتع الطبقة الحاكمة الآن في الجمعية بمناصب مرموقة خلال فترة حكم وحيد وكانت من قبل تتمتع بالنفوذ في وزارة شؤون الأديان فقط وعليه فإن أي محاولة لإسقاط الرئيس ستواجه معارضة قوية من هؤلاء مهما يكن من تأييد أنصار وحيد لبقاء زعيمهم فإن مصير الجلسة الخاصة لمجلس الشعب الاستشاري مفتوح تمامًا، لا سيما أن البرلمانيين حريصون على عقد الاجتماع العام في نهاية هذا الشهر.
فأي ذخيرة أخرى يرغب الرئيس وحيد في إطلاقها؟ سواء حل البرلمان أم أعلن حالة الطوارئ أم عبأ أنصاره في العاصمة، فإنه سيبقى وحيدًا في الميدان مع تعاطف قلة من أنصاره يستبعد أن يمنعوا انعقاد الجلسة الخاصة لعزله.
بعد ۱۸ شهرًا من حكمه تشكل رأي عام مفاده أن الرئيس وحيد لا يقبل نصيحة الآخرين
تطور إيجابي، الجيش والشرطة يرفضان دعم الرئيس على حساب الديمقراطية
بعد أن وجد نفسه وحيدًا، دون نصير، تراجع عن فكرة حل البرلمان
كيف تقبل الأحزاب الإسلامية التعاون مع ميجاواتي فيما كبار السياسيين الذين يدعمونها وراء الكواليس اشتراكيون أو علمانيون أو نصارى؟