العنوان إندونيسيا: حدود مستباحة : سفن وطائرات الجيش عاجزة عن حماية البلاد
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2002
مشاهدات 61
نشر في العدد 1509
نشر في الصفحة 32
السبت 13-يوليو-2002
١٥ ألف بحار لحماية ١٧ ألف جزيرة ٧٠٪ من السفن و ٥٨٪ من الطائرات معطل
بعد 5 أعوام على اندلاع الأزمة الأسيوية في الثاني من يوليو ۱۹۹۷م والتي تركت نسبة كبيرة من الشعب الإندونيسي يعيش أوضاعًا صعبة إلى يومنا هذا، ألقى الجنرالات على مسامع سكان البلاد خبرًا سيئًا آخر وهو أن بلادهم التي تضم ١٧ ألف جزيرة ومياهها الإقليمية هي في الحقيقة عرضة للتأثر سلبًا بأي هجوم أجنبي مسلح، بسبب ضعف الدعم المالي لأفراد الجيش وعدم تحديث أسلحة ومعدات القوات البحرية والجوية ثم الحظر العسكري الأمريكي الكلي والبريطاني الجزئي المفروض منذ أغسطس ۱۹۹۹م على إندونيسيا إثر اتهامات وجهت لجاكرتا بدعم المليشيات الرافضة لانفصال تيمور الشرقية، مع أن الحكم الإندونيسي للإقليم الذي استمر لمدة ربع قرن قبل ذلك التاريخ اعتمد على الأسلحة والطائرات الأمريكية والبريطانية.
وزارة الخارجية الإندونيسية عبرت عن أملها بأن ترفع الولايات المتحدة الحظر العسكري على تسليح الجيش مع حلول أكتوبر المقبل، وذلك بناء على ما وصفته بالتقدم في الإصلاح الهيكلي للجيش ولتسهيل عملية شراء أسلحة جديدة أمريكية يرى الجنرالات أنهم بحاجة إليها، إذ إن الحظر الذي تقول واشنطن إنه بدأ يخفف تدريجيًّا منذ عام ٢٠٠٠ لا يزال يلقي بظلاله على قدرات الجيش الإندونيسي.
وما يزيد الوضع سوءًا أن غالبية ميزانية الدفاع المحدودة التي تقلصت كغيرها من المخصصات المالية للمجالات الأخرى تصرف على القوات البرية، مما جعل جزءًا كبيرًا من أسلحة القوات البحرية والجوية غير صالحة للاستخدام ولا للدفاع عن البلاد في وجه أي اعتداء أو اختراق على يد دولة أجنبية!
فالمخصصات التي تصل لهما لا تكفي لشراء أسلحة جديدة ولا حتى لصيانة القديم منها عوضًا عن عدم امتلاكهما للكثير من التقنيات الحديثة التي ظهرت في الأعوام الخمسة الماضية.
٩٣ طائرة فقط!
رئيس هيئة أركان القوات الجوية المارشال خابي حكيم رسم صورة قاتمة لقواته عندما قال بأن ٩٣ طائرة فقط من مجموعة ٢٢٢ طائرة مقاتلة تمتلكها إندونيسيا صالحة للاستخدام أي أن ٥٨% من الطائرات معطل، ومن بين محطات الرادار والمراقبة الـ ١٦ الرئيسة الموزعة في أهم مناطق البلاد لا يعمل منها إلا ١١ محطة.
وقال خابي حكيم في حديثه أمام اللجنة البرلمانية الثانية للشؤون الخارجية والدفاعية: إن هذه الوضعية هي نتيجة الميزانية المحدودة جدًّا التي تتسلمها كل عام من الحكومة، وطالب خابي- الذي عين حديثًا في منصبه- البرلمان بأن يقر ميزانية أكبر من أجل جعل القوات الجوية قادرة على القيام بمهمتها في حماية البلاد من الأخطار الخارجية، حيث ضعفت قدرات القوات الجوية في الأونة الأخيرة عن الحد الأدنى المطلوب لحماية البلاد.
وقال: إن المخصصات التي صرفت للقوات الجوية خلال عام ۲۰۰۲م لا تزيد على ٢٣٦,٥ مليار روبية إندونيسية "الدولار= ۸۹۰۰ روبية"، مؤكدًا أن الميزانية اللازمة هي ٤.٢ تريليون روبية، وذكر أن قواته طلبت شراء معدات عاجلة بمبلغ ٦٠ مليون دولارًا فقط، بما في ذلك شراء رادارات حديثة وصيانة بعض القديم منها والحصول على قطع غيار الطائرات سي- ١٣٠ وإعادة تأهيل محركات طائرات إم كي ٥٣٠ وأضاف أن قواته بحاجة ماسة أيضًا إلى ١٨ طائرة لنقل الجنود إلى المناطق المتأزمة لكن الطلب لم يقر من قبل وزارة الدفاع، كما أن مستوى مهارات الطيارين قد انخفض بانخفاض عدد الطائرات والساعات المتوافرة للتحليق بهدف التدريب، فيما أشار الجنرال سيبمرينغ موليا المتقاعد إلى حاجة إندونيسيا لإعادة نظر في نظامها الدفاعي بشكل متكامل لحماية سيادتها المهددة داخليًّا وخارجيًّا وليس إلى مجرد زيادة حجم الإنفاق في جوانب معينة فقط.
٣٠% من السفن فقط!
التصريح الصدمة لرئيس هيئة الأركان الجوية ظهر بعد يومين فقط مما كشفه الأدميرال بيرنارد كينت سونداخ رئيس سلاح البحرية من أن للبحرية ۱۱۳ سفينة عسكرية فقط تستطيع الإبحار دون المشاركة في أي مواجهة قتالية وهي الحقيقة التي أخافت الإندونيسيين لأنها تعني أن بلادهم التي تعتمد على القوة البحرية بشكل كبير باعتبارها أكبر أرخبيل جزر في العالم ليست قادرة على حماية جزرها ومياهها ومن يقطنها.
كما يعني ذلك صعوبة مراقبة الحدود مما يجعلها كما ظلت في الأعوام الماضية عرضة لاختراقات سفن عسكرية لدول غربية لأغراض عسكرية وتجسسية، وكان مسؤول بحري كبير لجاكرتا قد أشار مؤخرًا إلى أن قواته ليست قادرة على القتال مع قوة بحرية أخرى لأن ٣٠٪ فقط من السفن صالحة للتشغيل، وأن ثلث هذه لسفن زاد عمرها على ٣٠ عامًا فيما لا يوجد بينها سوى ٨ سفن حديثة تقل سنوات خدمتها عن ١٠ سنوات.
كما قال الأدميرال بيرنارد في حديثه أمام اللجنة البرلمانية إن معظم السفن المصنوعة في هولندا وألمانيا الشرقية سابقًا ويوغسلافيا ومصانع بي تي بال الإندونيسية للسفن تعاني من قدم المحركات وانتهاء صلاحية أسلحتها لظهور أسلحة جديدة ذات قدرات تقنية عالية لا تمتلكها البحرية الإندونيسية.
وأضاف أن ٥٠ من مجموع ۳۰۰ سفينة يمكن إصلاحها مع أن بعضها شيد في الستينيات والسبعينيات وقال: «لدينا ١٥ ألف بحار مسؤولون عن حماية ١٧ ألف جزيرة كيف تتصورون أن يستطيع هؤلاء مراقبة هذه الجزر فضلًا عن حمايتها من أي هجوم أجنبي؟ مع أننا نقول إننا بلد بحري»، وطالب بيرنارد بميزانية قدرها ۸,۰۸ تريليون روبية "٩٠٠ مليون دولار تقريبًا" في عام ٢٠٠٣ المقبل مقارنة بـ ۱٫۹ تريليون خصصت للبحرية هذا العام لشراء سفن ومعدات مراقبة ودفاع بحري جديدة.
نقطتا ضعف خطيرتان
وقد حذر خبراء سياسيون وعسكريون من ضعف القوتين البحرية والجوية، مشيرين إلى ضرورة أن تتنبه الحكومة والبرلمان إلى رفع مخصصات الدفاع الجوي والبحري، فقد كان الجيش ومنذ تولي الجنرال سوهارتو الحكم في عام ١٩٦٧م وحتى أواخر عام ١٩٩٧م يتسلم كمية كبيرة من مخصصات الميزانيات السنوية الحديث وتقوية ٢٣٠ ألفًا من القوات البرية فيما عدا الشرطة التي كانت تتلقى دعمًا كبيرًا أيضًا، ثم جاءت الأزمة المالية والدعوات الإصلاح وإنهاء الأعمال التجارية التي تمتلكها شخصيات عسكرية ومؤسسة العسكر عمومًا مما أثر على ميزانية الجيش بشكل كبير، ومثل ردة فعل عكسية لم تكتف بتقليل دور الجيش في السياسة والمجتمع بل أضعفت إمكاناته دفاعية.
فمنذ عام ۲۰۰۰ انخفضت الميزانية الدفاعية إلى ٩.٥ تريليون روبية "مليار دولار أمريكي" اعتبرها رجال الجيش غير كافية لتحديث معداتالجيش لأن ٧٥٪ من هذا المبلغ يصرف على الجنود وهي تمثل ١٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، فيما يطالب الجيش برفع نسبة الإنفاق إلى ۳,۸٪ و يصل عدد القوات البرية حاليًّا إلى ٢٥٠ ألفًا حسب إحصائية ذكرها الخبير العسكري كوستانتو أنغورو بالإضافة إلى ٤٠ ألفًا من البحرية وهو عدد أقل مما تحتاجه تلك الجزر المترامية الأطراف، و۲۷ ألفًا من القوات الجوية، وحسب الإحصائية الصادرة عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجاكرتا مؤخرًا، والتي تختلف بفارق بسيط عن إحصائية الجيش الرسمية– فإن هناك ۱۱۷ سفينة حربية مقاتلة تمتلكها البحرية لكن ٧٠ سفينة منها لا يمكن تشغيلها فيما لا تعمل ٦٤٪ من طائرات سلاح الجو المقاتلة البالغة ۲۲۰ طائرة، ولذلك فإن ميزانيات الجيش فشلت منذ عام ١٩٩٨ في كفاية احتياجات الجيش لأنها لا تغطي حسبما يقول الجنرالات إلا ۳۰٪ من احتياجات الجيش الكلية، ويحتاج الجيش للاعتماد على أعماله التجارية لتغطية النسبة الكبيرة المتبقية وهي قضية محل جدل ونقد شعبي وسياسي واسع، إذ يطالب الكثيرون بكشف حسابات هذه الأعمال التجارية التابعة للعسكر.
كما تشير الأرقام إلى أن هناك تركيزًا على الأخطار الداخلية في مواجهة التوجهات الانفصالية في اتشيه وإريان جايا والصراع الديني المنفجر من آن لآخر في جزر الملوك وسولاويزي وغيرها، في الوقت الذي أهمل فيه مواجهة الأخطار الخارجية، كما أن غالبية القيادات الإقليمية للجيش ليست مؤهلة للقتال والمواجهة بالتقنيات العسكرية الحديثة لانشغالها بالجوانب الإدارية وفرض الأمن في أقاليمها، هذا على الرغم من أن الشرطة قد فصلت عن الجيش العام الماضي، مما يعني ضرورة أن تتسلم المهام الداخلية من الجيش وهو الأمر الذي ظل نقطة شد وجذب بين المؤسستين بدلًا من أن يكون الفصل بينهما دفعًا للجيش كليًّا للتركيز على قدرات الدفاع.
ويقول إكران نوسا باكتي- المحلل العسكري: إنه ما لم تتغير الأولويات الدفاعية للجيش والحكومة إيجابيًّا فإن الجيش حسب خططه الحالية لن يكون بإمكانه اتباع إجراءات تغییر نحو استراتيجية شاملة لمواجهة أي أخطار خارجية، ويرى إكران الذي يعمل في المعهد الوطني للعلوم بجاكرتا أن قيادات الجيش لا تزال منقسمة بين التركيز على الأخطار الخارجية والاستمرار في سياسة الاهتمام بالأخطار الداخلية، مشيرًا إلى أن المصالح الشخصية للجنرالات تحكم قراراتهم في دعم سياسة دفاعية معينة، ويضيف: «لو قارنا بلادنا بتايلاند على سبيل المثال وهي ليست بأرخبيل جزر كإندونيسيا فسنجد أن تطوير قدرات البحرية والجوية الإندونيسية في تغطية أجواء ومياه البلاد بطيء للغاية، بل إن الحكومة لاتزال تقدم الإنفاق على الأخطار الداخلية وتعتبره أهم من بناء قدرات مواجهة الأخطار الخارجية، ومؤخرًا تقدم وزير المالية بطلب إلى البرلمان لإقرار ميزانية دفاع قدرها ۱۱۱ مليون دولار لشراء معدات وتموين ودعم جنود الجيش في إقليم اتشيه تزامنًا مع إعلان إندونيسيا للمجتمع الدولي أن انفصالي حركة تحرير اتشيه ليسوا إلا مجموعة إرهابية يجب التعامل معها بحزم الحل العسكري.
أخطر المياه عالميًّا
يشار هنا إلى أن اتفاقية ثلاثية كانت وقعتها كل من إندونيسيا وماليزيا والفلبين المكافحة الإرهاب والقرصنة والجرائم العابرة للحدود وتهريب البشر والمخدرات ونهب الثروات المائية والاختطاف والسطو في المياه بين البلدان الثلاثة في مايو الماضي، غير أن البحرية الإندونيسية تواجه أكبر مساحة بحرية بين الدول الآسيوية، لذا فهي غير مؤهلة للقيام بكل هذه المهام حسب ما أكده بيان صحفي للقوات البحرية فجهود مكافحة البحرية قد كثفت لكننا لن نستطيع القيام بأكثر من ذلك لأن سفننا ليست بالمستوى المطلوب».
وقد وصفت إدارة البحرية الدولية المياه الإندونيسية بأنها الأكثر عرضة لأخطار القرصنة حيث سجلت أعلى معدل في العالم بتسجيل ۲۲ حادث قرصنة في الأشهر الثلاثة الأولى من عام ۲۰۰۲، وهو النبأ الذي يثير قلق شركات النقل والنفط، إذ إن ٤٠٪ من حركة النقل البحرية التجارية العالمية تمر بالمياه الإندونيسية أو بالقرب منها ومثل هذا الوضع يشجع على تنشيط القرصنة البحرية، بالإضافة إلى أنه يعني مزيدًا من تدفق العمال الإندونيسيين العاطلين عن العمل إلى الدول المجاورة.
ولعل من المثير في هذا المضمار أن أول دولة استجابت لاحتياجات الجيش الإندونيسي وعرضت عليه المساعدة هي سنغافورة التي تنظر إليها جيوش الدول المجاورة بعين الحذر والمراقبة الدقيقة.. فقد نقلت سنغافورة إلى إندونيسيا ستًا من طائراتها التدريبية وستسلمها ۱۳ طائرة أخرى لتدريب الطيارين الإندونيسيين، كما دربت بعضهم عندها، وقدمت لإندونيسيا قطع الغيار الخاصة بطائرات إس إف- ٢٦٠ التدريبية التي بدأت القوات السنغافورية الاستغناء عنها لصالح طائرات أسترالية ذات أنظمة أحدث.