العنوان «مع صديقي الملحد»
الكاتب الشيخ عثمان صافي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1975
مشاهدات 0
نشر في العدد 268
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 23-سبتمبر-1975
نقد كتاب
«مع صديقي الملحد»
كتب النقد: الشيخ عثمان صافي
من خلال الأبحاث السابقة، نستطيع أن نرتسم الصورة
المجملة للأوضاع العقائدية المعاصرة في مجتمعنا الإسلامي: فالتاريخ يعيد
نفسه، ويشبه حالنا اليوم بالظروف التي غزيت بها أمة الإسلام بالفلسفات الإغريقية
والفارسية وسواها.
ولكن بفوارق عديدة، منها أن الأمة الإسلامية في
تلك العصور الزاهرة كان أبناؤها- جميعًا- بين عالم ومتعلم، والعلماء لا يحصون عدًّا،
بينما لا نجد اليوم سوى ندرة ممن يصدق عليهم وصف العلماء بالمفهوم الشرعي، ومنها
أن الدولة كانت للمسلمين على غير الصورة للدولة في عالمنا الإسلامي المعاصر، إذ كل
من الحكام أو الرسميين المسلمين يبذلون جهودًا في حدود الوسع، تحت ظلال قوى دولية
تطوقهم من كل جانب.
كما سبق وأشرنا أكثر من مرة إلى أن المذهبيات تغزو
الأمة من كل حدب وصوب، ولا تتكافأ التصديات لها مع القوى المادية والمعنوية
والفكرية التي تؤازرها فهي- أي المذهبيات الوضعية- في غالبيتها تشكل
أحد أهم الأخطار على عقيدة المسلمين، ويتزايد نشاط أتباعها يومًا بعد يوم بممارسة
ألوان شتى إعلامية وغير إعلامية، الأمر الذي يكون حافزًا للمسلمين على أن تتحرك
فيهم الغيرة على دينهم وعلى مستوى القمة من المسؤوليات التي تواجهها إعادة الصياغة
لعلم التوحيد وابتعاث الكلام.
وهنا نعرض لعامل جوهري آخر، يؤكد الضرورة إلى ذلك،
ويتلخص في أنه نظرًا لتوفر الدواعي والمقتضيات لابتعاث الاجتهاد، وذلك لخلو الساحة
الفكرية الإسلامية العقائدية إلا من آراء منثورة تصدر عن كتاب مسلمين عرضيًّا ولدى
المناسبات.
من جراء الفراغ هذا استجد وضع بالغ الخطورة، أتاح
لعدد ممن يدعون مفكرين وصحفيين أن يزجوا بأقلامهم في هذه القضية التي يتوجب أن
يضطلع بها مختصون أمناء وخلص وسنخصص هذه المقالة لأحد الكتاب «مصطفى محمود»، وهو كاتب له ماضٍ،
تحول عنه- كما يقول- في مقالات بدأ
نشرها في مجلة «صباح الخير» المصرية ثم جمعها
في كتاب بعنوان «رحلتي من الشك إلى الإيمان» كان سبق له أن نشر مقالات تحت اسم «التفسير العصري
للقرآن» نشرها في كتاب
أسماه: القرآن محاولة لفهم
عصري وعلى إثر حملات على الكتاب وانتقدته الدكتورة عائشة عبد الرحمن الملقبة ببنت
الشاطئ في كتاب آخر، كما علمنا عن طريق خاص أن مشيخة الأزهر تدخلت بسبب ما حواه
الكتاب المذكور من التجاوزات وأخيرًا طلع علينا الكاتب بمؤلف عنوانه: «حوار مع صديقي
الملحد» بدأ- أيضًا- على حلقات جمعت في
كتاب بالعنوان المذكور وهو بين أيدينا، صادر عن «دار المتوسط للنشر
والتوزيع» في بيروت.
والكتاب هذا يبدو الكاتب فيه ضالعًا بالخوض في
المسائل الكلامية عن علم وبغير علم. وعلى الرغم مما يبدو لقارئه- لأول وهلة- من أهمية لما
حواه، فذلك للجهد المسيطر ولغياب المسلمين عن دينهم ومعرفة جوهر عقيدتهم. ونظرًا لما في كتب
هذا المؤلف على وجه العموم، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، من شبهات مثيرة للشكوك،
فإننا مع إقرارنا بأنه لا يخلو من نفع، ولكنه نفع يحمل بين طياته مزالق كبيرة:
أولًا: تسمية الكتاب غير صحيحة من الوجهتين
العلمية أو الفنية، أما من الناحية الفنية، فالمواضيع- المسائل التي
عالجها فيه وهي تسع عشرة مسألة- لا ينطبق الاسم الذي اختير للكتاب إلا على عدد
ضئيل منها، هذا إن نحن سلمنا بمبدأ التسمية، والإلحاد لفظة شائعة اليوم ومخصوصة
بالمنكرين لوجود الله تعالى، والمخدور بمبدأ التسمية هذه لا يقف عند حد الغلط
الفني- إنشائيًّا- بل يتعداه إلى ناحية
بالغة الأهمية من زاوية الاختصاص بعلم التوحيد، وذلك لأن التسمية هذه تتمشى مع
فكرة خبيثة يروج لها، وهي أن المؤمن هو المصدق بوجود الله، والكافر هو الملحد،
وتهدف إلى اعتبار كافة من يزعمون الإقرار بوجود الله مؤمنين وهذه فرية كذبها
القرآن الكريم نصًّا، حيث اعتبر مشركي قريش كفارًا مع أنهم لم يكونوا ينكرون وجود
الله تعالى، بدليل ما ورد في القرآن من قوله تعالى: ﴿وَلَئِن
سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾. (العنكبوت: 61).
من هنا تعتبر التسمية هذه مغالطة توري هذه الفكرة.
وأما من الناحية العلمية فليس في علم التوحيد مبحث
لمن يدعون بالملاحدة و«الإلحاد»، قد ورد في القرآن الكريم على غير الصورة
وبمعنى آخر غير هذا. ونحن لا نعترض في ابتداع أسماء لمسميات، إذ أن المسميات لا تزال في
تزايد، وهي تتطلب الأسماء للدلالة عليها، ولكن لا بد من وضع ضوابط لكل من الأسماء
والمسميات، دفعًا للبس، هذا في أي اختصاص مهما كان، فكيف فيما يتعلق بأمور الاعتقاد؟
اختار الكاتب الأسلوب القصصي، وهذا الأسلوب إن
كانت له فوائده كمشوق للقراءة، ولكن له محاذيره أيضًا، على الأخص بالنسبة إلى
البحوث العقائدية، ويكفي مأخذًا عليه أنه يتعارض- ولو شكلًا- مع هدف علم
التوحيد، لأن غاية هذا العلم الالتزام العقائدي، وموضوعه جدي لدرجة تصل إلى
الصرامة، وهذا يتنافى مع الأسلوب القصصي الذي يعتمد الخيال، ويلبس ثوب الكذب، وهذه
حقيقة لا سبيل إلى تجاهلها، فليس ثمة صديق ملحد فعلي للكاتب، وحتى لو كان فإن
الحوار لم يجرِ بين الرجلين على الصيغة التي وردت في الكتاب، وهذا يذكرنا بحوارات
السلف رحمهم الله مع الرافضين لرسالة الإسلام، وكانوا يروونها كما جرت حية، ولم
تكن مع أصدقاء.
من يطالع الكتاب بروية ويتأمل الحوار بعمق، يجد أن
المؤلف يعتمد- في البرهنة على
آرائه- على ما يدعى
بالأدلة الإقناعية؛ لذا لم يكن غريبًا ألّا ينجح المؤلف في هداية صديقه الملحد، بل
كانت نهاية المطاف على طريقة قول الشاعر:
إن صح قولكما فلست بخاسر
وإن صح قولي فالخسار عليكما
اقرأ ما ذكر في خاتمة كتابه:
«قال صاحبي بعد أن أصغى باهتمام إلى كل ما قلت.. وراح يتلمس الثغرة
الأخيرة:
«فماذا يكون الحال لو أخطأت حساباتك وانتهيت بعد
عمر طويل إلى موت وتراب ليس بعده شيء؟».
«لن أكون خسرت شيئًا فقد عشت حياتي کأعرض وأسعد
وأحفل ما تكون الحياة.. ولكنكم أنتم سوف تخسرون كثيرًا لو أصابت حساباتي وصدقت توقعاتي.. وإنها لصادقة.. سوف تكون مفاجآتكم
هائلة يا صاحبي»..
إلخ (ص ١٢٣).
لاحظ إقراره الضمني بالاحتمال ألّا يكون بعث، وأنه لا يكون خسر شيئًا،
وتأمل قوله: «ولكنكم أنتم سوف
تخسرون كثيرًا لو أصابت حساباتي وصدقت توقعاتي»، وهذا المنطق الذي يجعل من البعث قضية احتمالية
مرفوض في علم التوحيد، تأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن
سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي
شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾. (سبأ: 21). والقرآن الكريم
حافل بالتأكيد على الإيمان بالبعث، وأنه من عناصر الإيمان الأولية. والمؤلف لم تعجزه
الوسيلة ليبرر عدم اهتداء صديقه، وهذا يرمز- نفسيًّا- إلى ناحية خطيرة،
حيث سوغ ذلك بالقول: «وكنت أعلم أني لا أملك هدايته.. ألم يقل الله لنبيه ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي
مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ﴾. (القصص:
56).
واختتم القصة بجملة هي أقرب إلى العاطفية وتحمل الاسترضاء.. وتستر ما حواه
الكتاب من المنزلقات، قال: «ولكن كنت أتمنى له الهداية وأدعو له بها
فليس أسوأ من الكفر ذنبًا ولا مصيرًا» (ص 124)
وفي مبحث ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. (الإخلاص: 3) الأول- وفي معرض كلامه- الذي هو أقرب إلى
الجدلي منه إلى البرهان، ينقل عن الفيلسوف الألماني «عمانويل كانت» قوله: «وإنما عرفنا الله
بالضمير وليس بالعقل».
وفي معرض إجابة المؤلف عن سؤال: «لماذا لا يكون
الآلهة متعددين؟» يقول بالحرف الواحد: «وسوف نرد عليه بالمنطق الذي يعترف به.. بالعلم وليس
بالقرآن» (ص7-8) وما ذكره ليس أكثر
من هراء.
·
ويخوض معترك تناقض
تحت عنوان: «إذا كان الله قدر
علىَّ أفعالي فلماذا يحاسبني؟». ونترك الكلام في هذا الموضوع إلى حينه،
لنلفت إلى ما ابتدعه مما دعاه «نسبية الحرية الإنسانية» وقوله: «التسيير هو عين
التخيير»، ولا يكاد القارئ
يحظى بجديد في الموضوع هذا، وقد جمع بين تناقضات المذاهب
• وتحت عنوان: «لماذا خلق الله الشر؟» يقول: «والمشكلة التي
أثارها صاحبي من المشاكل الأساسية في الفلسفة وقد انقسمت حولها مدارس الفكر
واختلفت حولها الآراء ونحن نقول: إن الله كله رحمة وكله خير وإنه لم يأمر بالشر
ولكنه سمح به لحكمة» ولا يكاد القارئ يخلص من كلامه إلا بقلق، فلا موضوعية، ولا علم، ولا
وضوح، وعبارته الموجزة لا تثير الإشكال عند القارئ وحسب بل تعقده. (ص 18-21)
·
وتحت عنوان «وما ذنب الذي لم
يصله قرآن؟» يثير معضلة أخرى
وتبين للقارئ- بجلاء- أنه جاهل بالتوحيد
وعلمه، وافتتح الحديث بقوله: «هرش صاحبنا الدكتور رأسه. كان من الواضح أنه
يبحث لي في الدكتوراه عن حفرة أو مطب يدق عنقي فيه»... وملخص مبحثه أستند
فيه إلى قوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن
مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. (سورة فاطر: 24) وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الْمُكَذِّبِينَ﴾. (سورة النحل: 36) ويريب في هذا المبحث أمران رئيسيان: أما الأول، فهو
خلطه لمدلولات الوحي بين ما ينزل على الأنبياء والرسل الكرام بواسطة جبريل، وبين
معاني الوحي الأخرى في قلب العبد، قال: «وقد يكون الوحي كتابًا يلقيه جبريل.. وقد يكون انشراحًا
في الصدر.. وقد يكون حكمة وقد
يكون حقيقة وقد يكون فهمًا وقد يكون خشوعًا ورهبة وتقوى، وما من أحد يرهف قلبه
ويرهف سمعه إلا ويتلقى من الله فضلًا».
وأما الأمر الثاني فهو الذي يهدف إليه من وراء
تمويهه لمعنى الوحي والإرسال في الأول، يقول: «ومن يدرينا.. ربما كانت مجرد
لفتة من ذلك الزنجي البدائي إلى السماء في رهبة هي عند الله منجية ومقبولة أكثر من
صلاتنا» ثم يتابع قائلًا: «على أن القراءة
المتأملة لأديان هؤلاء الزنوج البدائيين تدل أنه كان لهم رسل ورسالات سماوية مثل
رسالاتنا» إن من يتابع الطريق
الذي سلكه هذا الرجل يجد أنه يمضي بالقارئ بتدرج، من «قبيلة الماو الذين
يؤمنون بإله يسمونه «موجابي ويصفونه بأنه واحد أحد لم يلد ولم يولد وليس له كفو ولا شبيه. إلخ» وينتقل إلى «قبيلة نيام الذين
يؤمنون بإله واحد يسمونه «مبولي» ويقولون إن كل شيء في الغابة يتحرك بإرادة
«مبولي» إلخ، ثم «قبيلة الشلك يؤمنون
بإله واحد يسمونه «جوك»
ويصفونه بأنه خفي وظاهر» و«في قبيلة الدنكا يؤمنون بإله واحد يسمونه «نيالاك» وهي كلمة ترجمتها
الحرفية (الذي في السماء) أو الأعلى» ثم يخلص- في نهاية مطاف
مناورته هذه- إلى النتيجة
الآتية: «ماذا نسمي هذه
العقائد إلا أنها إسلام؟ وماذا تكون الرسالات إذا كان لها في تاريخ هؤلاء الأقوام
رسلًا؟ إن الدين لواحد». ويتبع هذا بالآية القرآنية التي لعل مراده
يتركز عليها وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا
وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. (البقرة: 62).
ويعلق عليها قائلًا: «حتى الصابئون الذين
عبدوا الشمس على أنها آية من آيات الله وآمنوا بالله الواحد وبالآخرة والبعث
والحساب وعملوا الصالحات فلهم أجرهم عند ربهم. ومعلوم أن رحمة
الله تتفاوت»..
وهكذا أنقذ كل أتباع هذه الديانات الضالة
بمغالطات، ضاربًا عرضًا بالفارق بين حكم الله على اتباعها لدى نشأتها- على القول بأنهم
أتباع رسل- وبين التحريفات
التي ألحقت بها فيما بعد، وإسقاط الله لتلك الديانات على الصور المزيفة التي اصطنعت
لها، بإرسال الأنبياء تترى، معتبرًا من آمن بمن يأتي مجددًا برسالة مهتديًا
وناجيًا، ومن يكفر بها ضالًّا مرفوض الدين، وهذا- في القرآن- لا يحصى.
ومعروف أنه- في الإسلام- هنالك الفئة التي
لم تبلغها الدعوة، أو بلغتها مشوهة، ويطلق عليهم أهل الفترة، أخذًا من قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ
الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ
جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. (المائدة: 19). والآية الكريمة هذه
صريحة بعدم إعفاء أهل الكتاب من التصديق بالرسالة الأخيرة، وتشير إلى أن أهل
الفترة لهم وضع خاص وفي عاقبتهم عند الله مذاهب، ولم يكتفِ المؤلف بأن تجاهل هذه
المعاني وتجاوزها، بل التمس عذرًا لمن هم على غرار أهل الفترة، على طريقته الخاصة،
قال: «وعدم إقامة هذه
الحجة البينة على الإسكيمو ساكن القطبين قد يكون إعفاء وتخفيفًا ورحمة ومغفرة يوم
الحساب.. وقد تكون لفتة إلى
السماء من هذا الإسكيمو الجاهل ذات ساعة في عمره.. عند الله كافية
لقبوله مؤمنًا مخلصًا» (ص 22-25)
وهكذا بأسلوب خطابي وإنشائي وصحفي استطاع هذا الكاتب أن يقلب مفاهيم
الكفر والإيمان، على مزاجه الخاص.
لم نزل في الخمس الأول من الكتاب، وفيه هذه
الأضاليل ونأسف أن يضيق المقام عن استعراض ما تبقى منه، ويستطيع قارئ- على ضوء التحليلات
السابقة- أن يلحظ النشاز
والحيدة العقائدية، على سبيل المثال: يلاحظ في مبحث «الجنة والنار» قوله: «إن فينا إذن من روح
الله» وكررها دون استدراك
لما يحتمله هذا القول من محاذير وكان المؤلف يهدف إلى أسوأ ما يحتمله هذا اللفظ من
معنى، بل هنالك قرائن تشير إلى هذا، « فكل أفعال الله رحمة » وأما قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن
يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ
مُّقِيمٌ﴾. (المائدة: 37) فيفسره بقول ابن
عربى الصوفي الشهير «إن الرحمة بالنسبة لهؤلاء أنهم سوف يتعودون على النار.. وتصبح تلك النار في
الآباد المؤبدة بيئتهم الملائمة» وبعد تلاعب في التعريف بالنار والجنة، «وأنهما من قبيل
الغيب وما ورد عنهما إشارات» يقرر النتيجة، وهي «أن التعذيب في
الآخرة ليس تجبرًا من الله على عباده وإنما هو تطهير وتعريف وتقويم ورحمة» ويستدل بقوله تعالى
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. (سورة السجدة: 21) بأنه: «إذا لم تفلح كل هذه
الوسائل.. وظل المنكر على
إنكاره لم يبقَ إلا مواجهته بالعذاب الحق لتعريفه.. والتعريف بالحق هو
عين الرحمة..»
(ص 27-31)
وفي هذا نزعة إلى رأي بعض المتصوفة الذين يرون «العذاب» مشتق من «العذوبة» ويرتبون على ذلك أن
التعذيب في النار هو مظهر حقيقته التنعيم!
مرة أخرى لا ننكر أن في الكتاب إفادة، ولكنه لا
يرقى إلى أن يكون مؤلفًا له قيمة في علم الكلام، فلا ضوابط للمؤلف الذي بدا وكأنه
لا يفقه معنى الإيمان أو الكفر، ولا خطورة كل منهما، ناهيك بما يحويه- ويوحي به- من انطلاقات لها
سمتها السياسية التي تكاد تكون مؤشرًا خطيرًا على تمايلات هذا الكاتب، وعمومًا إنه
لا ينم بالتزام بالسنة، أو حتى التزام بالإسلام بمعناه الصحيح ونكتفي بهذا القدر
وندع للقارئ أن يتفحص ما يقرأ لأمثال هؤلاء الذين ينخدع بهم الكثيرون، مع أنهم- في جوهر منهجيتهم
وتحركهم- يهدفون إلى تبديل
معالم العقيدة الإسلامية الصحيحة. وهذه صورة نضعها أمام المختصين من المسلمين
المسؤولين عن عقيدتهم ورسالتهم التي تعبث فيها الأيدي المرجفة.
الشيخ عثمان صافي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل