العنوان «مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة» الحلقة الأخيرة.. المهمات القذرة: اختطاف وتعذيب واغتيال
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 15-أبريل-2006
مشاهدات 49
نشر في العدد 1697
نشر في الصفحة 46
السبت 15-أبريل-2006
مراكز الاعتقال والتعذيب كانت مفتوحة في المغرب بعد استقلاله لدرجة أنه غدا من الصعب التحكم فيها ومراقبة ما يجري داخلها!
«دار المقري».. مركز سري لحجز وتعذيب وإخفاء جثث المعارضين للنظام
«حوض تعذيب الجثث».. مصنوع من فولاذ صلب جدًا.. عمقه متران ونصف المتر ويملأ بمواد كيماوية شديدة التركيز كان يزودنا بها الموساد وهي كفيلة بتذويب ما بين ثلاث إلى خمس جثث دفعة واحدة
مات العشعاشي منتحرًا بعد أن توقف عن تناول دوائه وضاعف جرعات الويسكي وسط حراسة الشرطة التي حاصرته خشية أن يدلي بأي اعترافات!
في شهر يوليو من عام ١٩٧١ عين الدكتور محمد بنهيمة وزيرًا للداخلية، بينما جرى تعيين الجنرال أوفقير وزيرًا للدفاع مباشرة بعد المحاولة الانقلابية بقصر الصخيرات.
وبعد تعيين بنهيمة على رأس وزارة الداخلية تقلصت صلاحيات العشعاشي.. وأصبح لا يستطيع التحرك دون إذن من الوزير الذي كان هو الآخر يترك حرية التصرف لمديرة كتابته الخاصة بديعة المسناوي. وفي الواقع فقد كان بنهيمة يغمض عينيه عن حالات الاختطاف التي تقع لكي يتجنب أية مصادمات مع الدليمي والعشعاشي!
النقطة المركزية الثانية دار المقري وهي عبارة عن مركز سري خصص لحجز وتعذيب وإخفاء جثث المعارضين للنظام. هذا المركز كان يتوفر على حوض مصنوع من فولاذ صلب جدًا غير قابل للأكسدة استعمل ما بين ١٩٦٠ و۱۹۷۲ لإخفاء معالم جثث المعتقلين الذين كان يجري احتجازهم بالمركز -قطر هذا «الحوض» المحدب العمق يصل إلى مترين ونصف، ويبلغ ارتفاعه حوالي متر ونصف. وله غطاء كبير صلب، إلى جانب أن له أيضًا نظامًا خاصًا للتفريغ. ويقتضي استعمال هذا الحوض ملأه بمواد كيماوية شديدة الخطورة تتشكل من حامض قوي التركيز يذيب أي شيء يوضع فوقه، وكان يزودنا به الموساد الإسرائيلي.
وبعد ساعات قليلة من إدخال ما بين ثلاث إلى خمس جثث فيه تختفي نهائيًا دون ترك أي أثر، وبعد ذلك، يتم إفراغ الحوض وتجفيفه، وإعادة الغطاء إليه. قبل إعادة استعماله مرة أخرى!!
الحوض العجيب
لقد تم استخدام هذا الحوض عشرات المرات قبل يوم ٣١ أكتوبر ١٩٦٥ هو التاريخ الذي شهد استخدامه لإذابة جثة المهدي بن بركة، كما استعمل أيضًا عشرات المرات بعد ذلك، وعمومًا فقد كانت تلقى ثلاث جثث إلى خمس جثث في المرة الواحدة وكان الاستثناء الوحيد هو جثة بركة التي أذيبت وحدها، وهذا «الحوض» العجيب كان من تصميم خبير وكالات الاستخبارات المركزية الأمريكية الكولونيل «مارتان».
لقد بدأت عمليات الاختطاف في المغرب بعد الحصول على الاستقلال مباشرة، أي منذ إنشاء الأجهزة السرية عام ١٩٥٦ -وفي بداية ١٩٦٠، تم تسجيل عدة عمليات اختطاف في صفوف مناضلي حزب الشورى والاستقلال إلى جانب بعض عناصر قدماء المقاومين وكانت الشرطة السرية هي التي تنشط خلال هذه الفترة، تحت قيادة ثلاثة عناصر: المدير العام للأمن الوطني محمد الغزاوي -ومدير ديوانه إدريس حصار، إلى جانب مفوض الشرطة -مدير المقاطعة السابعة بالدار البيضاء -الحسين الصغير.
وهذا لا بد أن أشير إلى أنه خلال فترة الاستعمار، لم تسجل أية حالة اختطاف لسبب بسيط، وهو أن الفرنسيين كانوا يحترمون القوانين المعمول بها، وكان يقدمون المغاربة الذين يقاومونهم إلى المحاكم، التي كانت بدورها تصدر في غالب الأحيان أحكامًا «مخففة» تصل إلى النفي، أو إلى فرض الإقامة الجبرية في منطقة نائية من البلاد.
لكن من المهم هنا الإشارة إلى أن عمليات الاختطاف لم تكن تتم دائمًا لحساب الدولة، بل كانت بعض العصابات لصالح الدليمي على شاكلة عصابات المافيا الإيطالية خاصة في الفترة الفاصلة ما بين ۱۹۷۰ و۱۹۷۳ الذي كان وقتها يشغل منصب المدير العام للأمن الوطني. وكانت الاختطافات من النوع الأخير تتم تحت إشراف ثلاث مفرزات موازية تابعة للدليمي يرأسها كل من بناصر الكرواني، بلمنصور وجميل الحسين!!
قضية الرويسي
لفهم هذه القضية لا بد من العودة إلى ما جرى في أبريل ١٩٦٤، وهو التاريخ الذي وضعت فيه خطة لمواجهة شيخ العرب بكوماندوز كلف بمتابعته على الصعيد الوطني، تكون من أفضل العناصر الموجودة وقتها: الكرواني، كريكر، ريحان، صاكا والوالي.
وفي الوقت الذي كان فيه هذان الشخصان الأخيران منشغلين في منطقة أكادير بمتابعة خيوط الملف، كانت بعض عناصر الشرطة الأخرى تعد لبعض المشاريع الخاصة بها، وتخطط لإنجاحها بشتى الأساليب الممكنة، وقد كون هؤلاء الأشخاص بالدار البيضاء شبكة للدعارة، تستغل فيها ما بين ۱۰ و۱۲ فتاة كانت إحداهن على علاقة مع الرويسي تسكن معه في شقته، على أمل الزواج منه يومًا ما، لأجل ذلك، أخبرت هذه السيدة مشغليها برغبتها في الخروج من الشبكة والاستقرار مع الرويسي، الشيء الذي أثار غضبهم، فقصدوا مباشرة هذا الأخير. وطلبوا منه صرف النظر نهائيًا عن مشروعه مع تلك الفتاة التي تجلب لهم المال الوفير، لكن الرويسي رفض ذلك الأمر الذي دفع تلك العناصر إلى أن تقتحم بيته، وتمارس عليه شتى أصناف التعذيب قبل أن تعتقله وتقتله بعد ذلك.
والغريب في هذه القضية، أن اختطاف الرويسي في أكتوبر من عام ١٩٦٤، تزامن مع مقتل فتاة كانت تدعى «خدوج» كانت معروفة وقتها في المقاهي والحانات الموجودة بشارع الأمير مولاي عبد الله وشارع ۱۱ يناير بالدار البيضاء، وشخصيًا أعتقد أن شرطة الكاب «١» جندت هذه الفتاة ما بين عام ١٩٦٣ و١٩٦٤، فهي كانت تعمل بمقشدة توجد بالقرب من حانة في ملكية أحدهم، وقد شاهدوها حينما كانوا يلتقون في هذه المقشدة التي تعمل بها خدوج. وأعتقد أن الحادثين مرتبطان ببعضهما البعض. وعلى الرغم من علم كافة القيادات بهذه الجريمة، ومنهم العشعاشي وصاكا والوالي وأنا والمسناوي، فإن العناصر المتورطة لم تلق أي عقاب. وأسماء هذه العناصر هي كالتالي: عبد العزيز الغيناوي، حنفي علال الخمسي، مصطفى كواشة، مولاي الحسن مرزوق، المعطي ريحان، ورغم أن أغلب هذه العناصر لم تعد في موقع المسؤولية، ولم تعد مسؤولة جنائيًا بفضل مبدأ التقادم في القانون المغربي، إلا أن أحدًا منهم لم يتكلم.
قضية المانوزي
اختطف الحسين المانوزي عام ۱۹۷۲ بتونس، لأنه كان مناضلًا اتحاديًا لاجئًا في ليبيا، ورحل برًا إلى المغرب، حيث تمت تصفيته على يد إحدى المليشيات التابعة للدليمي.
لقد كان المانوزي ينتقد النظام المغربي بقوة عبر إذاعة ليبيا. وتلقى الدليمي أمرًا بإسكاته، فنفذ الأمر، معتمدًا على عناصر يثق فيها، منها جميل الحسين بلمنصور والكرواني بناصر، وتطالب في الوقت الحاضر عائلة المانوزي بكشف حقيقة ما جرى له، وهل ما يزال على قيد الحياة ثم إن عناصر الشرطة التي نفذت العملية ما تزال على قيد الحياة: جميل الحسين مستقر بالدار البيضاء، بلمنصور يسكن بالرباط، والكرواني توفي عام ٢٠٠٣.
الحدائق السرية: لقد كانت مراكز الاعتقال والتعذيب مفتوحة في المغرب بعد استقلاله لدرجة أنه غدا من الصعب التحكم فيها، ومراقبة ما يجري داخلها. فبعضها كان تحت سيطرة الشرطة السياسية، وبعضها الآخر كان تحت سيطرة مليشيات حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال والاتحاد الوطني للشغل في المغرب مع التأكيد بأن مليشيات حزب الاستقلال كانت مدعومة من البوليس السياسي، الذي كان كثير من عناصره أعضاء سابقين في الحزب نفسه.
ونتيجة لهذه الفوضى أصبحت كل المقرات التي خلفها الاستعمار وراءه مراكز للتعذيب والاعتقال، واستحوذت الشرطة السياسية على مقر المقاطعة السابعة بدرب البلدية بالدار البيضاء، ودار المقري بالسويسي وعقار مولاي إدريس الدباغ بمراكش.
وفي درب البلدية لم يكن هناك أي ملف أو وثيقة سجلت أسماء مئات المعتقلين الذين اعتقلوا ما بين ١٩٥٦ و١٩٦٠، أما في دار المقري ومراكش، فقد كان المعتقلون يقضون أسابيع أو شهورًا. قبل أن يتم إطلاق سراحهم أو تصفيتهم. وإخفاء جثثهم، وفي جميع الأحوال، دون أن يخضعوا للتحقيق، أو تسجل أسماؤهم في سجلات رسمية.
الخاتمة
كانت صحيفتا «لوموند» الفرنسية و «لوجورنال إيبدومادير» المغربية أول من فتح لي صفحاتهما للكلام، ونشرتا بعض مقالاتي بخصوص مقتل المهدي بن بركة، وهي مقالات تم إعدادها في ظروف صعبة جدًا ما بين ١٩ و٢٦ يونيو ۲۰۰۱ سببتها مضايقات عناصر الديستي، التي كانت تلاحقني طيلة ساعات الليل والنهار. وقد اضطررت للاختفاء عن عناصر الشرطة يومين قبل نشر المقالات بعيد ظهور ملخص لهما على النسخة الإلكترونية لصحيفة لوموند.
وقد بلغت مدة اختفائي حوالي ۲۹ يومًا، أصبحت بعدها شخصية إعلامية، بعدما أجريت عدة حوارات مع كل من قنوات «تي إف ۱» و«فرانس ۲» و«فرانس ٣» و«إل سي إي» الفرنسية، إلى جانب إذاعة فرنسا الدولية، وقناة الجزيرة وأبو ظبي...إلخ، وساعدتني هذه الشهرة الإعلامية على أن أبقى على قيد الحياة!!
لقد أعلنت –وأعلن- أنني أضع نفسي رهن إشارة القضاء الفرنسي للإدلاء بشهادتي في قضية مقتل المهدي بن بركة كما أضع نفسي رهن إشارة قضاء بلادي إذا أراد ذلك. كما أني مستعد كذلك لمواجهة زملائي السابقين بجهاز الكاب الذين شهدوا تعذيب ومقتل بن بركة على التراب الفرنسي إلى جانب أوفقير والدليمي، وهم على التوالي: محمد العشعاشي، عبد القادر صاكا، عبد الحق العشعاشي، محمد المسناوي، ميلود التونسي، وبوبكر الحسوني.
وبعد اعترافاتي في صيف ۲۰۰۱. وضع جهاز الديستي «الأمن» كل إمكانياته لمعرفة مكاني، لكنه عجز عن ذلك، رغم أنني كنت أسجل مع وسائل إعلام مختلفة حوارات خاصة.
وفي السادس من يوليو على الساعة السابعة تقريبًا، تعرضت زوجتي لحادثة سير غامضة على بعد ۲۰۰ متر من مقر سكني نجت على إثرها السيدة التي شاركتني حياتي -طيلة ٤٠ سنة– من الموت بأعجوبة، وقد علمت أن هذه رسالة خاصة لإسكاتي، ومنعي من الإدلاء بشهادتي بخصوص مقتل المهدي بن بركة.
لكن في التاسع من يوليو ٢٠٠١. وصلتني دعوة من القاضي الفرنسي جون بابتيست بارلوس يدعوني فيها للحضور إلى مقر المحكمة بباريس في 19 من الشهر نفسه. وفور وصول الدعوة اتخذت الإجراءات اللازمة للحصول على جواز السفر الخاص بي، الأمر الذي لم يتحقق بسبب العراقيل التي وضعها جهاز الديستي «الأمن» في طريقي حتى لا أستطيع الحصول على الأوراق الرسمية الضرورية لاستخراج جواز سفر جديد!!
بسبب ذلك أجل القاضي الموعد المحدد مرتين متتاليتين، لكن دون جدوى لأنني لم أستطع الحصول على جواز سفر خاص بي، رغم قرار المحكمة الإدارية للدار البيضاء في مارس ۲۰۰۳ الذي كان لصالحي، ووافقت عليه المحكمة العليا بالرباط بتاريخ يونيو 2004.
لقد توفي العشعاشي «منتحرًا» لكن على طريقته الخاصة، ذلك أن زوجته أخبرت العاملين في المصحة التي نقل إليها أنه منذ نشر اعترافات البخاري تغيرت أحوال زوجها، وتوقف عن تناول دوائه، وضاعف من جرعات الويسكي التي كان يتناولها، الشيء الذي أدى إلى تدهور صحته، ليسلم الروح إلى بارئها وسط حراسة مشددة من طرف رجال الشرطة الذين يبدو أنهم كانوا يخشون من أن يدلي العشعاشي بأي اعترافات وهو على فراش الموت!!..
انتهى الكتاب