العنوان «مبارك» رحل.. لكن نظامه لم يسقط بعد!
الكاتب ألوف بن
تاريخ النشر السبت 19-مارس-2011
مشاهدات 61
نشر في العدد 1944
نشر في الصفحة 42
السبت 19-مارس-2011
- إذا أحب الضباط كرسي الحكم وتمسكوا به فإن التقديرات بشأن استقرار النظام ستتبين لاحقا... وستبدو المظاهرات في ميدان التحرير كأنها حدث وقع ثم تبدد!
وعندما ثارت الجماهير ضد «مبارك». فوجئت «إسرائيل» بثلاثة أمور: الطريقة التي تم بها إسقاط الرئيس المصري والتوقيت ورد الفعل الأمريكي.. وحتى قيام الثورة تمسكت شعبة الاستخبارات العسكرية وجهاز الموساد» بالتقدير بأن النظام في مصر مستقر»، وأنه لا يوجد أي تهديد ثوري عليه».. وأهم المستشرقين في الجامعات تحدثوا بروح مشابهة، كما أن الدعم الأمريكي لـ«مبارك» بدا غير مشكوك فيه...
وفجأة وقعت الواقعة، وثارت الثورة. الفشل الاستخباري يذكرنا به الاحتمالية المنخفضة التي أولتها شعبة الاستخبارات لاحتمال نشوب حرب عشية يوم الغفران عام ۱۹۷۳م، ولكن المعني هنا مختلف... حينذاك، كان العدو» يقف على الباب والمفاجأة منعت تجنيد الاحتياط في الوقت المناسب، ودفعت نحو انهيار القيادة العليا.
هذه المرة لم تقع مصيبة كهذه، فالقيادة السياسية بدت غير جاهزة وغير مستعدة وكانت النتيجة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو واصل دعم «مبارك»، حتى عندما أدار له الرئيس الأمريكي باراك أوباما» ظهره.. كما عبر «نتنياهو» علنا عن مخاوفه من انهيار اتفاق السلام، ومن أن تتحول مصر إلى إيران جديدة.. وفي اجتماعات مغلقة حذر من أن «إسرائيل» ستكون مطالبة بأن تزيد ميزانية الدفاع، وتكمل على وجه السرعة الجدار على الحدود الجنوبية وتستعد لإغلاق محتمل لقناة السويس بل وحتى مضايق تيران».. ولو استعد «نتنياهو» للثورة لكان ربما تحدث بحذر أكبر وتعرض بقدر أقل للانتقاد الدولي.
• ما الذي أدى إلى الخطأ في التقدير؟
مثلما حدث عام ۱۹۷۳م، هذه المرة أيضًا كان للمقدرين مفهوم فكري وجه تفكيرهم، وهذه ميزة إنسانية أساسية، فنحن بحاجة إلى قوالب تفكير تقيم نظاما في العالم الذي يحيطنا.. وكان المفهوم الفكري يتمثل في أن في مصر نظامًا قويًا ومتينا ومعارضة ضعيفة، خاضعة لرقابة متشددة... والتجاوزات الخطيرة في انتخابات البرلمان المصري في الخريف الماضي، اعتبرت هنا كدليل على قوة الحزب الحاكم، وليس كتعبير عن ضعف النظام الذي يحتاج إلى التزوير وإلى أساليب القوة كي يبقى!
توجد أيضًا أسباب أخلاقية ساهمت في الفشل، فمنذ التوقيع على اتفاق السلام مع مصر ركزت الاستخبارات الإسرائيلية» على الأعداء من الشرق ومن الشمال سورية ولبنان وإيران والفلسطينيين.. أما الساحة المصرية، فكانت بالنسبة لضباط الاستخبارات بمثابة الإقصاء.
فمن اهتم بالبرنامج النووي الإيراني أو ب الإرهاب العالمي» نال ترقيات، وحصل على فرصة السفر في دورات استخباراتية خارج البلاد، أو لاستكمال الدراسة في معاهد البحث الدولية.. كما أن قادة الاستخبارات كانوا يعرفون شخصيًا نظراءهم في القاهرة وأداروا معهم علاقات عمل جارية، ومن الصعب العودة من مثل هذه اللقاءات لكتابة تقرير يشكك في استقرار النظام المصري.
وهم «التوريث»
وقد واجهت القيادة السياسية صعوبات مشابهة، ولو أجرى «نتنياهو» بحثا حول مصر إلى أين؟»، وتسرب الأمر، لكان أهان «مبارك» تمامًا، وأثار أزمة خطيرة في العلاقات الحساسة مع مصر.
كما أن العمر المتقدم لـ «مبارك» وتدهور حالته الصحية لم يخفيا عن ناظر الاستخبارات والمستشرقين والصحفيين وفي السنة الأخيرة، دار في «إسرائيل» وفي الإعلام الغربي نقاش جاد المسألة التوريث».
وتحدثت معظم التقديرات عن الاستقرار. ولكن كان هناك من تحدى التفكير الدارج، ففي مايو ۲۰۱۰م، كتب الصحفي الأمريكي أدان شاتس»، الذي زار مصر في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس قائلا: إن الوضع السياسي هناك يذكر بمظاهر حكم الشاه في إيران.
أما «آصف أديب»، فقد كتب في نهاية الشهر ذاته مقالا نشرته مجلة «إيتجار» الإلكترونية، جاء فيه: إن مصر تقف أمام ثورة اجتماعية ستأتي من الأسفل، وأضاف معقبا على مقالي في صحيفة «ها آرتس» عن الأمل «الإسرائيلي» في أن يدوم حكم الرئيس المصري: إن خيار تخليد نظام «مبارك» ليس سوى وهم... واقتبس عن صحيفة «الأهرام ويكلي القاهرية شبه الحكومية تقارير عن كثرة المظاهرات في مصر، متوقعًا لها أن تتسع.
«شاتس» و«أديب» كانا محقين، ولكن هناك شكا بأن يكون في الاستخبارات ولدى الأكاديميين من قرؤوا ما كتباه.. «شاتس» يكتب انتقادا حادا له إسرائيل»، أما «أديب» فيعرف بأنه رجل اليسار المتطرف».
ومما سبق، نستنتج أنه من المجدي البحث عن معلومات من مصادر غير اعتيادية، وإن كانت تثير غضب الضابط أو البروفيسور فأحيانا يكون العقل موجودا عندهم وليس في الجوقة المؤطرة في المؤسسات الرسمية.
مؤشرات أمريكية في الخريف، وبعد الانتخابات المزورة للبرلمان المصري، بدأت أيضا تظهر مؤشرات
الابتعاد الأمريكي عن «مبارك»، فالمقالات النقدية لنظام حكمه تسللت من الهوامش إلى الصحف المركزية مثل «نيو ريبابليك». و واشنطن بوست التي دعت «أوباما» إلى العمل من أجل تحقيق الديمقراطية في مصر، والتخلي عن الدكتاتور القديم.
وكان الانطباع أن شيئًا ما قد تغير لكنه لم يترجم إلى فهم آخر في المؤسسة الإسرائيلية، فقد تحدث رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست شاؤول موفاز في خطابه أمام مؤتمر «هرتسيليا» عن المفاجأة التي أحدثتها الهزة التي بدأت في تونس وتواصلت في مصر، ومن شأنها أن تنتشر»، داعيا إلى إعادة النظر في مصداقية الوعود الأمريكية، فقال محذرا: إن السلوك الأمريكي في السياق المصري يشكل خللا خطيرا جدا... ومؤخرا، عقد «موفاز» لجانه الفرعية للبحث في الثورات الإقليمية، لكنه لم يقرر التحقيق في الفشل الاستخباري ولعله لا ينبغي التحقيق!
لقد رحل «مبارك»، لكن النظام المصري بقي على حاله تحت حكم المجلس العسكري الأعلى، وتحت نظام قوانين الطوارئ.. وإذا ما أحب الضباط كراسيهم وتمسكوا بها، فإن التقديرات بشأن استقرار النظام ستتبين لاحقا، والمظاهرات في ميدان التحرير» ستظهر كحدث وقع لمرة واحدة ثم تبدد!