; «مافيا» الأدوية.. التجـارة في آلام الفقراء | مجلة المجتمع

العنوان «مافيا» الأدوية.. التجـارة في آلام الفقراء

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2018

مشاهدات 76

نشر في العدد 2126

نشر في الصفحة 24

السبت 01-ديسمبر-2018

شركات عالمية مختصة

في «التوجيه للمرض» عبر آلتها الإعلامية

 تروج معلومة طبية خاطئة لبيع دواء معين

أدوية ثمنها 12 دولاراً تباع بأضعاف ثمنها ألف مرة في لقاح فيروس الالتهاب الكبدي «ب»!

تونس بالمرتبة الأولى مغاربياً في تهريب الأدوية نظراً لانخفاض أسعارها مقارنة بالجزائر وموريتانيا والمغرب

بعض الشركات الأجنبية تستقوي بسفاراتها للضغط على النظام المصري لتوقيع اتفاقيات بمنظومة الدواء

رغم أن 39 % من ميزانية الصحة بتونس تصرف في توفير الأدوية فإن هناك نقصاً فادحاً فيها

مصر من البلاد التي يتم فيها تصنيع الدواء المغشوش وليس تداوله فقط

الفقراء بمصر يعانون بسبب ارتفاع أسعار الدواء

تحقيق: عبدالغني بلوط (المغرب) - براء ماجد (مصر)

عبدالباقي خليفة (تونس) 

تعد الأدوية أحد الأسباب التي ينزل الله عز وجل بها شفاءه على عباده؛ فهي الأمل الذي يتشبث به المريض في مواجهة الأمراض وأخطارها، ولذا جاء الهدي النبوي صريحاً في الأمر بالتداوي، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد الهرم»، وقال عليه السلام: «ما أنزل الله عز وجل داء، إلا أنزل له دواء؛ علمه من علمه، وجهله من جهله».

لكن من الأمور التي تبعث على الأسى أن تتحول هذه الأدوية إلى صفقات عالمية يتربح من ورائها ذوو النفوذ؛ فتدر في خزائنهم المليارات التي تقتطع من أجساد الفقراء الذين أنهكهم المرض والفقر، بل وأخطر من ذلك ألا يقتصر الأمر على غلاء هذه الأدوية فقط، بل يتعدى إلى الغش في مكوناتها؛ فيكون الضرر على الفقير ضررين؛ المال، والدواء المغشوش.

«المجتمع» حاولت البحث في هذه الظاهرة من خلال هذا التحقيق الذي شمل ثلاث دول عربية (المغرب، مصر، تونس). 

                  

شركات الأدوية.. وإثارة الرعب:

«تتعمد بعض الشركات العالمية للأدوية إثارة الرعب من خلال تسويق أمراض قديمة على أنها جديدة تشكل خطراً على حياة الإنسان؛ وبالتالي تبيع أكثر أدويتها القديمة في حلة جديدة»، هذا ما أكده خبير في مجال الأدوية من المغرب (فضل عدم ذكر اسمه) في تصريحات لـ«المجتمع»، حيث ذكر أن الأمثلة كثيرة على ذلك، فهناك شركات عالمية مختصة في «التوجيه للمرض» عبر آلتها الإعلامية الضخمة، بترويج معلومة طبية خاطئة مبنية على حقيقة وهمية، وهو ما يثير الرعب ويسهل عملية الإقبال على شراء دواء معين.

وأوضح أن صناعة الدواء تمر بعدة مراحل، هي: الاكتشاف، ثم عرض الفكرة على المختصين، ثم انتقاء طريقة صنع الدواء، ثم التجارب على الحيوانات، قبل المرور إلى التجارب على الإنسان ومرحلة التصنيع.

ويؤكد الخبير المغربي أن المواطن الأمريكي هو أكثر الأشخاص تقبلاً لفكرة تجارب الأدوية عليه مقابل المال، لكن الشركات الأمريكية تتجه إلى أوروبا لسهولة التجريب، وقد انتشرت فضائح في الصحافة بسبب سوء الاستعمال وغياب السلامة، ويضغط نشطاء من أجل تحسين شروط الاستعمال في هذه المرحلة.

واستشهد الخبير على كلامه بما وقع مع مرض «H1N1»، الذي تبين فيما بعد أنه مرض مثل جميع الأمراض لا يستحق الهالة الإعلامية التي واكبته حينها، وشدد على أن هناك أدوية تصل كلفتها نحو 12 دولاراً، يمكن أن تباع بأضعاف ثمنها ألف مرة، كما وقع في لقاح فيروس الالتهاب الكبدي من نوع «ب».

 

القوانين بدائرة الاتهام

وفي المقابل، يؤكد الخبير المغربي أن عدداً من مبتكري الأدوية يعملون بجد لإيجاد حلول لأمراض مستعصية، لكن القوانين لا تنصفهم، إذ عليهم دفع مبالغ كبيرة جداً من أجل الحصول على براءة الاختراع، ولا يمكنهم الاستفادة من ذلك إلا عشر سنوات، بعدها يمكن لأي شركة أن تبحث في مكوناته وتنتج مثله وتبيعه، مضيفاً أن الأمر تتدخل فيه «لوبيات» عبر سن قوانين تحت مظلة مؤسسات عالمية، تلزم جميع الدول بها.

وأشار إلى أن بعض هذه الشركات تلجأ إلى حيلة لتحمي مصالحها، فهي لا تستثمر إلا في الأدوية باهظة الثمن؛ مثل دواء العمى أو غيره، الذي يصل ثمنه إلى ملايين الدولارات، حتى إذا رغبت شركة منافسة سرقة براءة اختراعها، يلزمها دفع المال الكثير من أجل الحصول على علب تُجري عليها تجاربها وتعرف مكوناتها.

من جهة ثانية، كشف تحقيق استمر لمدة عام من قبل الاتحاد الدولي لصحفيي كييف، عن فوز كبار السياسيين والمسؤولين في الاتحاد الأوروبي بسبب مزاعم مضللة من جماعات الضغط في مجال صناعة الأدوية.

وقال التحقيق: إن هذه الادعاءات أدت دوراً محورياً في تشكيل مسار سياسة الاتحاد الأوروبي وقتل أي احتمال لتعزيز جوهري لتنظيم الأجهزة الطبية، أولاً في المفوضية الأوروبية، وفيما بعد في البرلمان الأوروبي.

 

فقراء المغرب.. يعانون رغم «راميد»:

وفي محاولة منها لمواجهة آثار «مافيا» الأدوية التي تؤدي إلى ارتفاع الأدوية بصورة كبيرة، عملت المملكة المغربية على محاولة توفير العلاج لهذه الطبقات عبر نظام المساعدة الطبية (راميد)، الذي تم تعميمه عام 2011م لمساعدة غير القادرين على تحمل مصاريف العلاج، بالحصول على تغطية صحية أساسية، والاستفادة من مجانية العلاجات من خلال الخدمات الطبية المقدمة بالمستشفيات والمؤسسات العمومية للصحة، والمصالح الصحية التابعة للدولة، سواء في الحالات الاستعجالية أو خلال تلقي العلاجات بالمستشفى.

لكن نظام «راميد» عرف اختلالات وصفت بالكبيرة؛ إذ سجلت تقارير رسمية أن عدداً من الأشخاص من الطبقة الغنية ممن لا تنطبق عليهم شروط الاستفادة حصلوا على بطاقة «راميد»؛ وهو ما أضر بمصالح الفقراء وبالمنظومة ككل.

وتعليقاً على هذا الأمر، يؤكد خليل رفيق، المسؤول النقابي بقطاع الصحة بالمغرب، في تصريح لـ«المجتمع» أن من بين اختلالات هذا النظام أنه يفرض على المريض الدفع نقداً إذا احتاج لمعدات طبية عالية الثمن من أجل إجراء عمليات جراحية.

كما أن الفقير –حسب خليل- يواجه صعوبة الولوج نتيجة المساطر الإدارية المرصودة لهذا الغرض؛ إذ يتعين على حاملي هذا النظام الالتزام بمستويات الخريطة الصحية، انطلاقاً من المركز الصحي التابع له، مروراً بالمستشفى المحلي، ثم الإقليمي فالجهوي ثم الجامعي إن تطلب الأمر ذلك.

ويضيف خليل أن المرضى الفقراء يواجهون خطر نفاد مخزون الأدوية، خاصة الموجهة للأمراض المزمنة، حيث يسجل باستمرار نفاد أدوية علاج السرطان، وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، والأنسولين، وحتى تتوافر هذه الأدوية يمكن أن تتدهور حالة المريض.

 

مصر.. دولة داخل الدولة:

وباستطلاع الوضع بمصر، تشير تقارير رقابية للمجتمع المدني إلى أن «مافيا» الأدوية تمثل دولة داخل الدولة! فقد حذرت نقابة الصيادلة المصرية، في بيان لها بأكتوبر الماضي، من وجود ما أسمته «مافيا لتجارة الأدوية المغشوشة المنتهية الصلاحية والمعاد تدويرها»، حيث تبيعها للمواطنين من خلال بعض التطبيقات والمواقع الإلكترونية وبعض عيادات الأطباء، وهو ما يمثل خطراً شديداً على صحة المواطنين الذين يستغلهم هؤلاء التجار بتخفيضات على تلك الأدوية.

وقد أعلنت نقابة الصيادلة –حينها- تقدمها ببلاغ للجهات المعنية مثل رئاسة الوزراء، ووزارة الصحة، وجهاز حماية المستهلك، ومباحث التموين؛ لمنع تلك الظاهرة، وإغلاق تلك التطبيقات، ومساءلة أي جهة تبيع أدوية مجهولة المصدر، ومعاقبة أصحابها.

وفي تصريح لـ«المجتمع»، يرى  محمد خطاب، صيدلي مصري، أن «مافيا» الأدوية بمصر نوعان؛ أحدهما محلي وهو عبارة عن مجموعة مخازن غير مرخصة تعمل في الأدوية المحلية، وتمثل تقريبا ٪40 من مجمل المبيعات، ويشير إلى أن المشكلة الرئيسة أنها تعطي خصومات للصيدليات أكثر من شركات التوزيع، وبالتالي تلجأ إليها الصيدليات لمزيد من المكسب.

أما النوع الثاني –حسب خطاب- فهو «مافيا» الأدوية المستوردة، وهي أدوية الشركات العالمية التي يتم تهريبها سواء من مصر إلى الخارج أم العكس.

وأضاف أنه في كلتا الحالتين تكون فرصة لبعض المصانع غير المرخصة لتصنيع أدوية أقل كفاءة وبسعر أقل، وبالتالي يكون الضرر الواقع على المستهلك كبيراً؛ لأن المادة الخام في مصر غير مضمونة.

ويرى الصيدلي المصري أن الحل يكون في رقابة صارمة على مصانع الأدوية، سواء مرخصة أم غير مرخصة، وتفعيل حماية دور التفتيش الصيدلي لأنه خط الدفاع الأول ضد «مافيا» الأدوية، مع فرض مزيد من الرقابة على مجموعات الصيدليات الكبيرة لأنها الثغر العميق في عمليات التهريب.

 

تصنيع الدواء المغشوش

أما د. أحمد رامي، أمين صندوق نقابة صيادلة مصر الأسبق، ونقيب الصيادلة السابق في محافظة القليوبية بمصر، فيرى، في تصريح لـ«المجتمع، أن مصر من البلاد العجيبة في العالم التي لا يوجد بها هيئة أو مؤسسة واحدة للإشراف على الدواء، بينما يوجد تنسيق قوي بين الشركات الأجنبية التي تستقوي أحياناً بالسفارات الأجنبية للضغط على النظام المصري حال توقيع بعض الاتفاقيات الدولية المعنية بمنظومة الدواء.

وأوضح أنه يتحكم في سوق الدواء بمصر -بجانب الشركات الأجنبية- شركات استثمار خاصة برجال أعمال، ودائماً يكونون مقربين من السلطة في كل عصر، مع بقايا شركات قطاع الأعمال الحكومية التي تتعمد الخروج من السوق مع استمرار إنتاجها عند نسبة 2 أو ٪3، بصورة غريبة رغم إمكاناتها المؤهلة لأكثر من ذلك.

وحول «مافيا» الأدوية، يضيف د. رامي أن غش الدواء ظاهرة عالمية، لكن مصر من البلاد التي يتم فيها تصنيع الدواء المغشوش وليس التداول فقط، حتى تخطت النسبة العالمية في الغش التي تقدر -وفق إحصائيات غير رسمية- بنسبة ٪10 لكن مصر تجاوزت هذه النسبة نظراً لضعف الرقابة، وهو ما يلقي بظلاله السلبية على المرضى خاصة الفقراء الذين لا حل تجاههم إلا بإقرار منظومة صحية إيجابية، ومظلة من التأمين الصحي الشامل في ظل تحصيل الحكومة للضرائب بجانب دعم مصانع قطاع الأعمال والإنفاق على البحث العلمي ضمن حلول المستوى القريب.

 

الفقراء يدفعون الثمن

وإزاء تأثير هذه الممارسات الكارثية على سوق الأدوية في مصر، فإن الفقراء هم الأكثر معاناة في ظل ارتفاع أسعار الأدوية، بالإضافة إلى غشها وسرقتها، وفي هذا السياق، تقول الحقوقية سلمى أشرف، مسؤولة الملف المصري في منظمة «هيومن رايتس مونيتور»، في تصريح لـ«المجتمع»: إن الحق في الصحة تقريباً مسلوب من المصريين، وإن وسائل العلاج والمستشفيات والأدوات مُمرِضة أكثر مما هي معالجة لهم، وفق ما هو موثق مراراً، وبات الأفضل لدى قطاعات عديدة عدم العلاج في المشافي الحكومية، رغم أن الحق في الصحة والعلاج حق أصيل يجب أن تكفله الدولة لكل مواطن، لكن ما يحدث في مصر هو العكس.

ووصفت أشرف علاج الفقراء بأنه مميت، بجانب أن تكلفة الدواء عالية جداً، وذلك بسبب تهميش الفقراء بشكل أكبر، وكم من حالة لجأت -وفق ما هو مرصود- لمستشفيات خاصة كأمل أخير في الحياة وتم إلقاؤها في الشارع بسبب ارتفاع المصاريف التي لا يملكها الفقير، رغم أن الحق في الصحة حق ملازم للحق في الحياة.

الحقوقي أحمد العطار اتفق مع سلمى أشرف، مضيفاً أن الفقراء ليس لهم مكان على الخارطة العلاجية في مصر، والبنية التحية والإمكانات والاستعدادات التي تتمتع بها المستشفيات أو المعاهد الحكومية سيئة جداً، وفي تدهور مستمر، ومن سيئ لأسوأ، بالإضافة إلى عدم قدرة مستشفيات وزارة الصحة على استيعاب وتوفير الأدوية ولو حتى بأسعار رمزية إلا في قليل من الحالات وبإجراءات إدارية معقدة تتطلب وقتاً كبيراً.

وفي ظل هذا الواقع –يضيف العطار- نستطيع القول: إن الفقراء بمصر في خطر كبير بسبب ارتفاع أسعار الأدوية، وعجز المستشفيات الحكومية عن القيام بدورها؛ وهو ما قد يزيد من حالات الموت البطيء.

 

تونس.. معاناة علاجية رغم الإنفاق:

ومن مصر إلى تونس التي عاشت في الفترة الأخيرة أزمة دواء، لا سيما الخاصة بالأمراض المستعصية والمزمنة والسارية؛ كالسكري، حيث تقول «الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة» في تقرير، حصلت «المجتمع» على نسخة منه: إن قطاع الصحة في تونس يتميز بالتبذير، ونقص الأدوية، فبالرغم من أن ٪39 من ميزانية الصحة تصرف في توفير الأدوية، فإننا نلاحظ أن هياكل القطاع الصحي تعاني من نقص فادح في الأدوية، ونفاد مخزونها منه على جميع المستويات. 

والسبب -وفق التقرير- يعود إلى سياسة الاستخدام، ونقص التمويل الكافي الذي يمثل السبب الرئيس لنفاد مخزون الأدوية، إلى جانب الفساد وسوء التصرف. 

 

سرقة وتهريب

وفي حديث لـ«المجتمع»، أكدت بعض المصادر التي طلبت عدم ذكر هويتها أن سرقة الأدوية من المستشفيات بتونس أصبحت أمراً شائعاً، وباتت تمثل تهديداً لنظام الرعاية الصحية، وتختزل الفساد الذي ينخر في قطاع الصحة، إلى جانب تآكل احتياطيات الصيدلية المركزية للدولة نتيجة ارتفاع ديونها للمؤسسات التي تتعامل معها، التي تجاوزت 400 مليون دولار. 

وقد أدى عدم سداد تلك الديون إلى دفع الدائنين إلى وقف التعامل مع الصيدلية المركزية ووقف الإمدادات الطبية وتحديداً الأدوية.

وإذا كانت عمليات السرقة للأدوية من داخل المشافي التونسية تذهب إلى الصيدليات الخاصة، أو الأقرباء والأصدقاء، وبعض الزبائن الآخرين، فإن هناك عمليات سرقة أخرى، تتمثل في تهريب الأدوية إلى الدول المجاورة سواء الجزائر أو ليبيا التي يتم تهريب معظم الأدوية المسروقة وغير المسروقة والموردة من الخارج أو المصنوعة في تونس إليهما؛ وهو ما دفع وزير الصحة السابق عماد الحمامي إلى التأكيد قبل مغادرته الحكومة في التحوير الوزاري الأخير، الذي جرى في نوفمبر 2018م، أن ظاهرة تهريب الأدوية تكلف الدولة التونسية أكثر من 400 مليون دينار تونسي (الدينار 3 يورو تقريباً). 

وتابع أن ٪30 من عمليات تهريب الأدوية تتم بالمناطق الجنوبية التونسية، وهي من المناطق التي تشهد نقصاً فادحاً في الخدمات الصحية والأدوية، وأكد الحمامي أنه لا يمكن الحديث عن شبكات تهريب للأدوية دون الإشارة إلى تورط موظفين تابعين للقطاع الصحي. 

 

عصابات متخصصة

ولم يخف المدير العام للصيدلية المركزية أيمن مكي، في حديث لـ«المجتمع» عبر الهاتف، وجود عصابات منظمة ترصد الأدوية مرتفعة الثمن، وتابع: هذه العصابات تحصل على الأدوية من مؤسسات الصحة العمومية (العامة) ومصحات الضمان الاجتماعي ليتم تهريبها، أو بيعها لاحقاً، بأسعار مرتفعة، كما أقر المكي بأن هناك موزعي أدوية ومهربين يقومون باقتناء الأدوية المدعومة من الدولة من الصيدليات التي تحصل عليها من المهربين الصغار من داخل المستشفيات بغرض تهريبها إلى ليبيا.

ورغم أن القوانين مشددة، فإن مسالك التهريب تبدو سالكة إلا من بعض الحالات التي تسجل لرفع العتب، كما يقولون، فتونس تحتل المرتبة الأولى مغاربياً في تهريب الأدوية؛ نظراً لانخفاض أسعارها مقارنة بالجزائر وموريتانيا وحتى المغرب، وهناك عصابات في هذه البلدان تتعاون مع بعضها، ويمثل بعض الأطباء والصيادلة والممرضين وحتى السائقين والإداريين بالمستشفيات والصيدليات بؤرة الفساد في هذا القطاع الصحي بتونس، وهو ما تثبته الوقائع، وبعض الملفات لا تزال في أروقة المحاكم.   

وفي النهاية، فإن الفقراء هم الذين يقع عليهم العبء الأكبر في هذه المآسي، خاصة أنهم أغلبية الشعب التونسي، منهم مليونان تحت خط الفقر، غير قادرين على العلاج داخل المستشفيات الخاصة، وهو ما أكدته حلقة نقاشية عامة في إحدى الندوات عقدت يوم 6 نوفمبر 2018م. 

كما أظهرت دراسة نشرت أخيراً أن المستشفيات العامة بتونس لم تعد تستجيب لاحتياجات المواطنين، حيث تراجع مستوى خدماتها، فهي قديمة ولم تواكب زيادة عدد السكان، ولم تجدد معداتها، فضلاً عن تمركزها في حيز جغرافي دون آخر، وانتشار الرشوة والمحسوبية والاختلاس.>

الرابط المختصر :