; إلى من يهمه الأمر.. من وراء هذه الظاهرة؟ | مجلة المجتمع

العنوان إلى من يهمه الأمر.. من وراء هذه الظاهرة؟

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1985

مشاهدات 88

نشر في العدد 743

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 26-نوفمبر-1985

تنشر «المجتمع» في عددها هذا تقريرًا خطيرًا حول «الإسلاميون المتعصبون وسياسة الولايات المتحدة» كتبه دانيل بايبس الأستاذ المحاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد.. وهذا المركز يقدم استشارات سياسية متعددة لدول المنطقة وهو موضع ثقتها.. وتمنحه مساعدات مالية كبيرة.. لذلك يصبح ما ورد في التقرير موضع أهمية..

ومن أهم ما لفت نظري في التقرير قوله: «يجب ألا يقرر الزعماء المسلمون وحدهم طبيعة العلاقة السليمة الواجب إقامتها مع الولايات المتحدة.. بل على أميركا -دون سواها- أن تقرر طبيعة العلاقة.. فهي لا بد أن تمارس الحذر الشديد من اتخاذ خطوات دعم للحكومات الإسلامية، والذي من شأنه -أي الدعم- أن يسلط الضوء على أميركا، ويثير غضب الإسلاميين المتعصبين عليها.. فليس من الحكمة أن يصاحب إقامة علاقات قوية صخب وأضواء.. بل من الأفضل -في مثل هذه الحالة-أن تغلف هذه العلاقات القوية بسرية تامة..

وعلى الولايات المتحدة أن تمنع الحكومات الإسلامية الصديقة من تسليم المناصب القيادية للإسلاميين المتعصبين.. وتمنع محاولات تطبيق الشريعة.. فالسجلات تشير إلى أن مثل هذه الحكومات -إن أخذت بتطبيق الشريعة- تعاظم العداء لأميركا، وازدادت حدة الإسلاميين المتعصبين وضعف الاستقرار».

كما يشير التقرير في موضع آخر إلى ما يلي «نصح الحكومات الإسلامية بمنع تسليم المناصب القيادية في الحكومة للإسلاميين المتعصبين، فذلك يقود حتمًا إلى انتهاج سياسات معادية لأميركا».

ويأتي هذا التقرير في الوقت الذي يبحث فيه المنتمون للتيار الإسلامي -المطالب بتطبيق الشريعة- عن تفسير مقنع لظاهرة منعهم من تولي المناصب القيادية والمؤثرة في المنطقة..

ومضمون هذه الظاهرة يكمن فيما يلي:

۱- ضآلة نسبة المنتمين للتيار الإسلامي في الوظائف القيادية والمؤثرة.. إذ لو أجرينا مسحًا على شاغري هذه الوظائف لوجدنا أن نسبة المنتمين للتيار الإسلامي أقل من واحد صحيح في المائة.. وهذا -بحد ذاته- مدعاة للدهشة والاستغراب.. ففي الوقت الذي تزداد نسبة التدين بين المثقفين والمؤهلين تقل نسبة المنتمين للتيار الإسلامي في الوظائف القيادية..

۲- استبعاد اسم أي شخص منتم للتيار الإسلامي من ترشيحات المناصب القيادية والمؤثرة.. بل أصبحت عبارة «إنه قرار سياسي» تبريرًا جاهزًا لعدم ترشيح المنتمين للتيار الإسلامي.. حتى أصبح في ذهن المطالبين بتطبيق الشريعة أن الجهاز الإداري في المنطقة يسير وفق القرارات السياسية، وليس وفق المصلحة العامة.. بل الأخطر من ذلك كله أن المناصب الأكاديمية في المنطقة صارت تشغر وفق قرار سياسي.. وصرنا نسمع أساتذة الجامعة يرددون عبارة: «إنه قرار سياسي» لتبرير ضم مدرس إلى أعضاء هيئة التدريس أو تعيين عميد أو حتى عميد مساعد.

3- ازدیاد حالات تجاوز حقوق المنتمين للتيار الإسلامي وتعويق ترقياتهم.. فلكل فرد منهم قصة ورواية مدعمة بالأدلة والشواهد.. وكافية لإدانة الجهاز الإداري في المنطقة عند منظمة العفو الدولية.. وبعضها يفجر الغضب ويلهب القهر في النفوس ...

وكان بإمكاننا أن نهمل هذا التقرير كإهمالنا لتقارير كثيرة قابلة للتصديق والتكذيب.. ولكن يأتي هذا التقرير من مركز دراسات الشرق الأوسط الذي تربطه علاقة وطيدة مع وكالة الاستخبارات الأميركية والموساد الإسرائيلي، كما ذكرت «القبس» بتاريخ 27/10/85، كما أن هذا المركز موضع ثقة معظم دول المنطقة وموطنًا لدعمها المالي والأدبي.. فقد ذكرت «القبس» أن الكويت تدعم برنامجًا بعنوان «الإسلام والسياسة في العالم الإسلامي المعاصر» بمبلغ ٥٠,٠٠٠ دولار سنويًّا.. وأن أحد الصهاينة من يهود مصر هو الذي يشرف على هذا البرنامج بالتعاون مع الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، وقد جاء هذا التقرير ليبلور خلاصة التوصيات التي يجب أن ترفع للممولين.. وعليه لا يمكننا تجاوز هذا التقرير أو إغفاله.. ومن حقنا -والأمر بهذا الوضوح- أن نبني عليه نتائج، ونتخذه شاهدًا لتفسير الظواهر الموجودة.

لقد جاء هذا التقرير ليؤكد أن توجيهات أميركية في المنطقة وراء ظاهرة منع المنتمين للتيار الإسلامي من المناصب القيادية.. ولا يدع التقرير هذه التوجيهات دون تفسير.. بل يقول: إن سبب هذه التوجيهات هو تخوف أميركا على مصالحها وتخوفها من تعاظم العداء نحوها.. ولو قبلنا بهذا التقرير كتفسير لهذه الظاهرة لصح لنا أن نقول: إن ما يسمى بالفساد الإداري في المنطقة إنما هو مقصود ومتعمد بحد ذاته.. فمثل هذه الظاهرة لا يمكن أن تبرز أو تعيش إلا في فساد إداري.. ويصعب تنفيذ مثل هذه التوجيهات في جهاز إداري سليم..

يبقى أن نوجه كلمتنا إلى القيادات السياسية في المنطقة.. فهي مطالبة بأن تعالج مثل هذه الظاهرة التي تعتبر جريمة في عرف الديمقراطية وظلمًا في عرف الإسلام.

وهي مطالبة بمعالجة الظاهرة لتحقيق العدالة بين المواطنين.. ولا يكون الانتماء الفكري أو السياسي عاملًا في حرمان المواطن من حقوقه..

وهي مطالبة بمعالجة الظاهرة لإثبات أن منطقتنا مستقلة متحررة من توجيهات الأمريكان.. وإن كنا ندفع مساعدات لمؤسساتهم الأكاديمية..

إنني أتمنى حقًّا من القيادات السياسية في المنطقة أن تأخذ في اعتبارها خطورة مثل هذه الظاهرة.. وألا تثق بالتوجيهات الأجنبية التي من أبرز أهدافها زعزعة استقرار المنطقة وخلق مشاكل مستديمة فيها وإهدار طاقاتها في البحث عن حلول لتلك المشاكل.

إن المشورات الأجنبية التي تنهال على المنطقة.. وبالذات نصائح الاستخبارات الأميركية التي تأتي على شكل تقارير مباشرة وغير مباشرة، تصور الإسلام ودعاته مصدر خطر على الحكومات المحلية.. وهذا تضليل كبير، فلم يكن الإسلام ولا دعاته في يوم من الأيام خطرًا.. نعم إن الإسلام ودعاته سيظلون خطرًا دائمًا ومقلقًا للمصالح الأجنبية والنفوذ الأجنبي.. والله الموفق.

الرابط المختصر :