; إلى من يهمه الأمر: مسار آخر في نعش الديمقراطية | مجلة المجتمع

العنوان إلى من يهمه الأمر: مسار آخر في نعش الديمقراطية

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1982

مشاهدات 96

نشر في العدد 589

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 05-أكتوبر-1982

ستظل أزمة الديمقراطية ملتهبة.... ومتورمة في دول العالم الثالث.. وستتكرر نكسات الحرية السياسية فيه... فقد أثبتت التجربة النيابية في الهند والكويت- وهما الأكثر جدية- صعوبة الاستمرار في اللعبة الديمقراطية داخل مناطق النفوذ والمصالح... كما كان تعطيل الحياة النيابية في الدولتين دليلًا على فشل المزيج بين الالتزام الدعائي بالحفاظ على الدستور والالتزام السري بالحفاظ على المصالح الدولية.

ولقد كان الأمر الأميري القاضي بتعطيل الحياة النيابية عام ١٩٧٦ المسمار الأول في نعش الديمقراطية في الكويت.. حيث أحدث هذا الأمر الأميري الآتي:

  • لقد تحول نظام الحكم في الكويت إلى نظام غير ديمقراطي وأصبحت السيادة فيه لغير الأمة..... وهذا ما يخالف نص المادة (٦) من الدستور.

  • كما انتقلت السلطة التشريعية إلى يد السلطة التنفيذية لتصبح المادة (٥٠) من الدستور حبرًا على ورق، فلم يعد الحكم قائمًا على أساس الفصل بين السلطات.

  • وجاء الأمر الأميري بصورة غير دستورية... فالدستور يعطي للأمير حق حل المجلس بمرسوم ولمدة شهرين... فجاء قرار حل المجلس بأمر أميري ولمدة أربع سنوات لكي تصبح المادة (۱۰۷) من الدستور بدون معنى ولا مذاق.

ولقد كان لهذا الأمر الأميري آثار سلبية في المجتمع الكويتي وفي مسار الحياة السياسية، إذ إن الناس فقدت ثقتها بالتزام السلطة بنصوص الدستور.. وأخذت تتعامل مع الحياة النيابية كهبة من السلطة وليس كحق للأمة... واكتشف الناس أن الدستور خادم وليس حكمًا...

واليوم... يأتي المرسوم بقانون رقم ٥٧ لسنة ۱۹۸۲ -في شأن المعاملات بأسهم الشركات التي تمت بالأجل- مسمارًا آخرًا في نعش الديمقراطية... لقد جاء هذا المرسوم ليؤكد الهواجس السابقة والتي أحدثها الأمر الأميري الصادر عام ١٩٧٦.. 

لقد جاء هذا المرسوم بالآتي:

  • جاء ليضع بعض اختصاصات السلطة القضائية المنصوص عليها بالدستور بيد السلطة التنفيذية مخالفًا بذلك المادة (٥٠) والتي تنص على أن نظام الحكم قائم على أساس فصل السلطات، ولا يجوز لأي سلطة منها النزول عن كل أو بعض اختصاصها المنصوص عليه بالدستور... إننا نتساءل هل يحق للسلطة القضائية أن تتنازل عن حقها للسلطة التنفيذية في قبول دعوى أو شكوى؟ وهل يحق لها أن تعطي اختصاصاتها لهيئة تشكلها السلطة التنفيذية للفصل في المنازعات المتعلقة بأي معاملة من المعاملات؟؟ وهل يحق لها أن تتنازل عن اختصاصاتها باتخاذ الإجراءات التحفظية اللازمة بما فيها منع التصرف في الأموال والمنع من السفر؟ وهل يحق للسلطة التنفيذية أن تستولي على حقوق السلطة القضائية لتوقف جميع الإجراءات القضائية المدنية والجزائية؟ وهل يحق للسلطة التنفيذية من خلال هيئتها هذه أن توقف العمل بالإجراءات المقررة في قانون المرافعات المدنية والتجارية؟؟ إنه اعتداء صارخ على السلطة القضائية...

  • وجاء هذا القانون ليعطل المادة (١٦٦) من الدستور والتي تنص على «حق التقاضي مكفول للناس، ويبين القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق» ...بينما «المادة ١» من هذا المرسوم تنص آخر فقرة فيها على الآتي ولا تقبل دعوى أو مطالبة أو شكوى أمام جهات القضاء أو التحكيم أو التحقيق أو غيرها من المعاملات التي لم يتم تسجيلها في الميعاد المحدد».

  • كما جاء هذا المرسوم ليعطل دور النيابة العامة والذي نص عليه الدستور في المادة (١٦٧): «تتولى النيابة العامة الدعوى العمومية باسم المجتمع، وتشرف على شؤون الضبط القضائي، وتسهر على تطبيق القوانين الجزائية وملاحقة المذنبين وتنفيذ الأحكام... المادة» ... بينما جاء المشروع ليعطي هذا الحق لهيئة السلطة التنفيذية من خلال فقرات المادة (۲) من المشروع، إذ تقول: «وللهيئة أن تأمر باتخاذ الإجراءات التحفظية اللازمة بما فيها منع التصرف في الأموال والمنع من السفر... المادة».

ولم تكتف السلطة بمخالفة الدستور من خلال هذا المرسوم، بل خالفت القوانين المتعلقة بالقضاء والتجارة وجاءت المذكرة الإيضاحية لتكذب على الناس وتبرر المخالفات الدستورية والقانونية.. فقد قالت هذه المذكرة.

«ولقد حذرت الجهات المسؤولة كثيرًا من الاندفاع وراء هذه المعاملات التي اتسمت بالمبالغات وخرجت عن المنطق والمعقول، وقد تكشف بعد ذلك أن البعض قد وقعوا في المحظور وتوقف بعضهم عن دفع الديون... المذكرة».

من قال إن الجهات المسؤولة حذرت من سوق الأوراق المالية الموازي والمسمى بالمناخ... لماذا هذا الكذب على الناس؟

إن الجهات المسؤولة هم أكبر المضاربين في السوق ومحفظاتهم أكبر المَحافظ «بفتح الميم» ... بل إن الجهات المسؤولة متورطة بالديون وبشيكات بدون رصيد.. وأن الدولة تعلم ذلك جيدًا وتعرف أسماء من تلك الجهات ممنوعة من السفر.

إن الجهات المسؤولة باركت هذا السوق -عدم قانونيته- واعتبرته إحدى ركائز الاقتصاد الكويتي، وقام بعض هذه الجهات بزياته والإشادة فيه.

إن الجهات المسؤولة لم تمنع تداول أسهم هذا السوق، بالرغم من أنها تخالف القانون. لأنها رخصت لسماسرته و«دلاليه».... 

  • إن الجهات المسؤولة لم تتدخل أبدًا لمنع الاندفاع والمبالغات بدعوى حرية التجارة والاقتصاد... وجاءت الجهات المسؤولة لتنقذ السوق بعد انهياره حتى ولو على حساب الدستور والقانون والثروة الوطنية متناسية دعواها بحرية التجارة والاقتصاد.

إننا نعتقد أن الحكومة لجأت إلى مثل هذا القانون إنقاذًا لبعض الشخصيات المعروفة.. وإنقاذًا لأناس لا يتوقع أن تصلهم النيابة أبدًا.. إنها تريد أن تنقذ كبار المسؤولين في الدولة، ولا تريد إنقاذ الاقتصاد الوطني.. كما أن الحكومة تستغل تورط كثير من نواب المجلس في هذه المشكلة لتمرير هذا القانون.. وهنا تكمن المصيبة والرزية في الواقع السياسي الكويتي...

إن المسمار الأول الذي دقته السلطة في نعش الديمقراطية كان في صميم قلب السلطة التشريعية، واليوم جاء الدور لتدق السلطة مسمارًا آخرًا في النعش وفي صميم قلب السلطة القضائية... والحبل على الجرار.

وفي الختام أتساءل:

  • إذا مر هذا القانون فكيف نستطيع إقناع أنفسنا بأن السلطة تحترم الدستور ولا تسخره لمصالحها الخاصة؟

  • وإذا مر هذا القانون، من يبقى لإنقاذ هذا البلد من هذه الفوضى؟ ومن يحافظ على حقوق غالبية الشعب الكويتي؟

  • وإذا مر هذا القانون فهل يصبح النواب الموافقون عليه ملتزمين بقسمهم في الحفاظ على الدستور؟

  • وإذا مر هذا القانون، فهل يصبح للنواب الشرفاء معنى في البقاء في مجلس وافق على تجاوز الدستور وتعطيل القوانين والمجازفة بأموال الشعب؟ أم أنهم سيستقيلون بشرف وإباء؟

  • وإذا مر هذا القانون فكيف يفسر القضاء الكويتي المادة (١٦٢) من الدستور؟

  • وإذ مُرر هذا القانون، فهل يصبح للقضاة الشرفاء معنى في البقاء في مراكزهم بعد الاعتداء على حقوقهم التي كفلها الدستور؟ أم أنهم سيستقيلون بشرف وإباء؟

الرابط المختصر :