العنوان إلى متى يظل تطبيق الشريعة عنـد حـدود الأماني؟
الكاتب عبدالحق حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 924
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 11-يوليو-1989
بدعة التصريحات عن تطبيق الشريعة قد تقتضيها أصول المجاملة السياسية أو مسايرة المعارضة الشعبية.
· الدين الإسلامي المصدر الأساسي للتشريع أول مادة في بعض الدساتير الإسلامية وأول مادة تنتهك منه.
· المواءمات السياسية ظروف خلقها الاستعمار الصليبي.
عقب أداء عمرتها أدلت رئيسة وزراء الباكستان بتصريح أكدت فيه عزمها على تطبيق الشريعة الإسلامية في الباكستان.
وفي القاهرة لا يكف المسئولون عن التأكيد بأنهم في الطريق لتطبيق الشريعة الإسلامية وأن الدولة لا ترد على الله حكمًا كما قال علماء الأزهر، ولكنها تتريث انتظارًا للظرف المناسب!!
ومن قبل أعلنت بنجلاديش أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام وذلك بناء على مطالب الشعب والحكومة التي قدمت إلى الرئيس حسين محمد إرشاد مشروعًا لتطبيق قانون الشريعة الإسلامية واعتبار الدين الإسلامي دينًا رسميًّا تمت الموافقة عليه من قبل الرئيس.. إلخ.
هذه مقتطفات من الأخبار على سبيل المثال لا الحصر توضح أن موضوع تطبيق الشريعة من قِبَل المسئولين لا يتجاوز حدود الأماني الطيبة بهدف استقطاب المعارضة الشعبية واحتواء مطالبتهم الشرعية داخل هذا الإطار لا أكثر لأن الواقع يقول بغير هذا والتصريحات التي تعطى للدوائر الأجنبية بعكس ذلك. فمثلًا أدلت رئيسة وزراء الباكستان بتصريح لصحيفة باري ماتش الفرنسية في ٢٣/ ١٢/ ۱۹۸۸ تقول فيه ردًّا على سؤال وُجّه لها عما إذا كانت ستكمل مسيرة تطبيق الشريعة التي أدخلها جزئيًّا الرئيس الراحل ضياء الحق..
قالت «ضياء الحق كان عنده برنامج عسكري ولم يكن عنده برنامج إسلامي نحن سنسير على هدْى القيم الإسلامية الحقيقية في الوئام والأخوة وكل قانون يميز بين الرجل والمرأة سوف نلغيه».
إنها عازمة على إلغاء القوانين الإسلامية التي تميز بين الرجل والمرأة وليست عازمة على تطبيق الشريعة مثلما صرحت في الأراضي المقدسة.
والملاحظ في تصريحها للصحيفة الأجنبية أنها ستسير على هدْى القيم الحقيقية للإسلام في الوئام والأخوّة وتعنى النظر إلى الإسلام على أنه عقيدة وجدانية لا دخل لها في الواقع السياسي للبشر أما التصريحات التي ترد من القاهرة عن تطبيق الشريعة فلا تتجاوز النهج الذي اختطه السادات عندما كان يتحدث عن العلم والإيمان وإطلاق يد اللجان البرلمانية والدينية لكي تعمل على تقنين الشريعة وأسلمة القوانين لكن عندما زار واشنطن وتقابل مع كارتر أكد له كما ذكرت مجلة النيوزويك الأمريكية في ذلك الحين «أن الشريعة الإسلامية لن تطبق طالما بقيت حيًّا»... وظل السادات على العهد الذي قطعه على نفسه أمام كارتر يتعامل مع الشريعة الإسلامية بوجهين: وجه يحتوي به آمال الجماهير المسلمة وتطلعها إلى تثبيت أركان عقيدتها وهو وجه مزيف ووجه يتعامل به مع القوى الدولية التي لن تسمح ! والله غالب على أمره بتطبيق الشريعة وهو وجه صادق ومعبر عن الموقف الحقيقي بأن أماني القائمين ونواياهم في موضوع تطبيق الشريعة لن تتجاوز حناجرهم ولكل أمرئ ما نوى.
المواءمات السياسية وتطبيق الشريعة
تلك كلمة أصبحت أشبه بهمهمة تدهده بها أُم طفلها لينام لكن لسوء حظ الذين يسوقون هذه المبررات أنهم لا يدركون أن الشعوب الإسلامية بلغت سن الرشد وفقهت مثل تلك الإيحاءات.. هذه القفزة الزمنية في عُمر الشعوب حقيقة لم يدركها الاستعمار الصليبي أيضًا الذي مازال يتعامل مع قضايانا بمنطق اتفاقيه سايكس بيكو التي فرضت القوانين الوضعية العلمانية على دولة الخلافة في تركيا فالتوفيق بين المواءمات السياسية أو تحين الظروف المناسبة لا يُخفي عدم الاقتناع الذاتي لدى القيادات بعدم صلاحية الشريعة للعصر وانتفاء الثقة في كفاءة الإسلام للوفاء بمتطلبات الشعوب الحديثة. فالقضية لدى أي مسلم صادق في عقيدته هل هو مؤمن بقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف:96) وبقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ َإِنْ شَاء﴾ (التوبة:28) فربط شريعتنا بدولاب الاقتصاد الصليبي لن يمكن أحدًا من تطبيق الشريعة ولن يخلق حتى الأجواء المناسبة لتطبيقها لذا فإن مقتضى إيمان القائمين على أمر المسلمين أصحاب النوايا الطيبة أن يعملوا على فك هذا الارتباط وهو أمر يحتاج إلى تضحية من جانب الحكومات الإسلامية والشعوب .
إن باكستان ومصر مثلًا دولتان مسلمتان تعيشان صحوة إسلامية رائدة لا يمكن إجهاضها. تلك الدولتان مثقلتان بالديون الدولية وموثقتان ببرامج قروض ومساعدات أمريكية تبلغ المليارات من الدولارات وهدف هذا الوضع الاقتصادي ليس إخراج المسلمين من أزماتهم أو الأخذ بأيديهم على طريق التقدم والإنتاج الذاتي، بل الهدف تكبيلهم بديونهم ومصادرة حقهم في الاستقلال والحياة وفق تعاليم دينهم وهذه حرب مستعرة لم تهدأ أوارها عبر عنها قديما القس لبسيوس أحد كبار مؤسسي الإرساليات التبشيرية بقوله «إن نار الكفاح بين الصليب والهلال لا تتأجج في البلاد النائية ولا في مستعمراتنا بل ستكون في المراكز التي يستمد منها الإسلام قوته».
أما وقد أصبح العالم الإسلامي قوة اقتصاديه هائلة وأضحت كثير من شعوبه تتمتع بفوائض مالية عالية من الثروات النفطية فلم لا تعمل حماية على المراكز الإسلامية التي يستمد منها الإسلام قوته فالعرب وهم سيف الإسلام ودرعه اختصهم الله بالرسالة الخاتمة وأفاء عليهم من الأرزاق من حيث لا يحتسبون لا لغرض دنيوي مادي قريب ولكن لحكمة إلهية أراد منها الحق أن ينطلق العرب برسالة السماء جنودًا حماة لها وهم أكثر ثقة واطمئنانًا على أرزاقهم وعلى ما يعيق الدعوات من شئون المعاش وعثراته فإذا تنكر العرب لسمو هذا المقصد الإلهي وتقاعسوا عن العمل على فك أسر المراكز الإسلامية من مخالب الاقتصاد الصليبي فإن الشر لن يحيق بساكني تلك الديار وحدهم بل سيطول كل بني الإسلام ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120) وستجري سنن الاستخلاف الإلهية كما يريد الحق جل شأنه.
﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (الأنعام:89)
إنهم يخدروننا بقولهم إن القوانين الحالية لا تناقض الشريعة
انصرفت همة القائمين على الأمر في بعض البلاد الإسلامية في الدعوة إلى ما يسمى بتنقية القوانين الإسلامية مما شابها من القوانين الوضعية وذلك بعد أن ظل دهاقنة القانون الوضعي يقولون: إن الشريعة لا تصطدم معه والمثير للسخرية أن الأجهزة العلمانية الموجهة من قِبَل الصليبيين استطاعت أن تروج لهذه الفرية حتى أن وصلت إلى أدمغة علماء الدين ففي عام ۱۸۸۳ دبج هؤلاء العلماء فتوى بخصوص المحاكم المختلطة التي جاءت ترجمة خالصة للنهج الصليبي يقولون فيها «إن هذه القوانين إما أن توافق نصًّا في أحد المذاهب الأربعة أو أنها لا تعارض نصًّا فيها أو أنها تعتبر من قبل المصالح المرسلة» أرأيتم أن الحال هو الحال لم يتغير وأن السنين لم تأخذ من طبائع النفاق شيئًا إذ مازالت الفتاوى تتحدث عن عدم التعارض وعن التنقية وأن الحاكمين لا يردون على الله أمرًا رغم تمسكهم بتلك القوانين الصليبية يقول أحد دهاقنة الغرب الصليبي كشاهد من أهلها يرد على قرية عدم التعارض «الواقع أن النظامين: الرومي «الصليبي» والإسلامي، متضادان إلى حد لا يمكن معه التوفيق بينهما فالقانون الإسلامي هو قانون الله المشرع الوحيد ولا سلطة لأي سلطان في وضع القوانين» بيد أن تلامذة الغرب العلمانيين أمثال السنهوري كانوا يؤكدون أن التوافق موجود سواء أنكر هذا الصليبي أم لا!!
القوانين الوضعية أرغمت شعوبنا عليها لأنها تعمق أسباب الخلاف والفرقة وتجعل كل قُطر يعيش وفق تصوراته القانونية الخاصة والعجيب أن العالم الصليبي يسير بخطى متسارعة نحو توحيد القوانين بين دوله والسوق الأوربية المشتركة خير مثال بينما تتعثر كل محاولات الوحدة في العالم العربي فضلًا عن العالم الإسلامي بسبب القوانين العلمانية وغير خاف على المؤمنين أن القوانين العلمانية أزاحت الشريعة عن الطريق.. بيد أن الحكومات الوطنية المتعاقبة في بلاد الوطن الإسلامي أجهزت على ما بقى من قوانين تربط المسلم بربه كقوانين الأحوال الشخصية والمواريث ولم يعد يدر المسلم من أين تأتي الضربات من قريب ملك أمره أو من عدو سادر في الغي..
الفكر العلماني وقوانينه وراء أزماتنا
عقب خروج تركيا من الحرب العالمية مهزومة أرغمها المؤتمرون في لوزان بشروط كمخرج للاعتراف بها أهمها إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاء تامًّا وإعلان علمانية الدولة وعندما احتجت المعارضة على الاعتراف بتركيا رد المستر كرزون رئيس الوفد الإنجليزي قائلًا ومطمئنًا «إن القضية التركية قد قضى عليها ولن تقوم لها قائمة لأننا قضينا على القوة المعنوية فيها وهي الخلافة الإسلامية» القوة المعنوية التي أشار إليها هذا الصليبي ليست صورة اللحم والدم لشخص الخليفة وإنما القوة المعنوية المستمدة من سلطة الشريعة الإسلامية وهيمنتها وهكذا أوقعوا تركيا في أزمة هوية وانفصام لشخصيتها التاريخية مازالت تعاني منه أبد الدهر ما لم ترجع إلى دينها. إن الأعداء عرفوا الداء والدواء في القضية التركية وأهلها مخدوعون بوهم اللحاق بركب التكنولوجيا مع العالم الصليبي وأنهم مقتنعون بأنهم محل رضا وإعجاب لتمسكهم بالعلمانية... مع أن الغرب يدير لهم ظهره ويرفض انضمامهم لمؤسساته الاقتصادية أو الأخذ بأيديهم كما فعلوا مع كوريا وتايوان مصداقًا لقول الله ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ﴾ (البقرة:120) أي حتى يعلن القائمون في بلاد الشرق على أن دين دولهم هي المسيحية... ساعتها يتم الرضا الاقتصادي والصناعي والعسكري والزراعي أما غير ذلك فرضًا مشروطًا فقد كان أحد شروط بريطانيا لإلغاء الامتيازات في المعاهدة المعروفة بمعاهدة سنة ١٩٣٦ في مصر أن تكون التشريعات التي تصدرها الحكومة المصرية متفقة مع التشريعات العلمانية الكنسية أي عدم جواز الرجوع إلى الشريعة الإسلامية وأفل نجم بريطانيا الآن استعماريًّا لكن بقيت أمريكا الحارس الأمين على استمرار هذا الرضا المشروط في كل ما تبرمه من اتفاقيات مع دول الشرق الإسلامي وهو عدم تطبيق الشريعة الإسلامية حتى تستمر القروض والمساعدات وهو ما يسميه بعض الساسة «بالمواءمات السياسية» التي تعترض تطبيق الشريعة فهل كانت هذه الوقائع التاريخية التي فرضت التبعية والذلة غائبة عن الكتاب العلمانيين الذين مازالوا يعارضون تطبيق الشريعة؟ وهل يرضيهم إن كان لديهم حس وطني وليس دينيًّا أن يصادر استقلال الدول والشعوب وتقيد حريتها في مقابل شحنات من القمح ومزيد من القروض؟!
لقد تعرض عالمنا الإسلامي منذ قرن لهجمة صليبية حاقدة مستعرة حتى الآن وقد يقال إننا استطعنا تخليص ترابنا الوطني من جحافله لكن مازالت قوانينه وتقاليده تعمل عملها بكل كفاءة وتثير من الأزمات في وجوهنا ما لا حصر له من التبعية السياسية والتخلف الاقتصادي وفقدان الهوية والفرقة والانقسام بين شعوبنا وانتهاك حقوق الإنسان والتشكك في قدراتنا كأمة ذات رسالة وحضارة والاقتناع بأن ديننا لا يعدو كونه مجرد عقيدة وجدانية وشعائر تعبدية ويجب أن يحصر في هذا الإطار... لقد كانوا يقولون لنا ذلك وأصبح الآن كتاب من أبناء جلدتنا يقومون بهذا الدور نيابة عنهم يريدون أن يقولوا بمقتضى هذا التقسيم كما يقول الشيخ سيد قطب- رحمه الله.
«أن يكون الله- سبحانه- جانب واحد من جوانب الحياة ينظمه ويشرف عليه وينحصر اختصاصه فيه ويكون لغير الله جوانب أخري كثيرة ينظمها ويشرف عليها أرباب آخرون «فأما حين تحكم ضمير الإنسان ووجدانه شريعة ثم تحكم واقعه ونشاطه شريعة وكل من هذه وتلك ينبثق من تصور مختلف هذه من تصور البشر وتلك من وحي الله فإن شخصيته تصاب بما يشبه داء الفصام «شيزوفرانيا» ويقع فريسة لهذا التمزق بين واقعه الشعوري الوجداني وواقعه الحركي ويصيبه القلق والحيرة».
لذا ليست هناك حاجة لتشكيل اللجان الدينية والعلمية والنفسية والتربوية لبحث مشاكل الشباب وما يحتاجهم من أزمات فالداء واضح والدواء موجود في كتاب الله ومنهجه ففيه الحل الناجع.
إن ما تعانيه الشعوب الإسلامية من فقدان الثقة بقدراتها مرجعه أزمة الهوية التي خلفتها القوانين العلمانية ولئن كان هناك مخلصون لهذه الأوطان الإسلامية لكفوا عن تخدير الشعو بالوعود الجوفاء وإلهائها بالتصريحات التي لا تتجاوز حدود الأماني الطيبة وعمدوا من فورهم على تخليص البلاد من تلك القوانين العلمانية ذلك الميراث البغيض من الاستعمار الصليبي وتلك معركة لا ينهض لها إلا قادة اصطفاهم لرسالته.