العنوان إلى متى يبقى تلفزيون الكويت فريسَة للتبشير الصليبي؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1976
مشاهدات 1
نشر في العدد 307
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 06-يوليو-1976
إلى متى يبقى تلفزيون الكويت فريسَة للتبشير الصليبي؟
يواصل تلفزيون
الكويت تقديم الدليل من بعد الدليل على تحوله إلى أداة طيعة في أيادي الأخطبوط
التبشيري الصليبي، ينشر الدعاية له، ويسمم أفكار المشاهدين، والناشئة منهم خاصة،
بمفاهيم عملية «الغارة على العالم الإسلامي» التي خطط لها في أول هذا القرن الأب
القس زويمر ورهطه.
وما زال الإسلام
يحارب في نفوس أبنائه بوسيلتين:
بتصعيد
«الشهوات» وتأجيجها بأفلام الحب والغرام، ومناظر الرقص والتعري.
وبإثارة
«الشبهات» العقائدية والفكرية، بغرس الموازين الكاذبة، حتى تعتري العقول أنواع من
الغبش، يحرفها عن فطرتها، فتميد بها التناقضات والتخبطات، حتى لتغدو الشبهة
الواحدة التي يتم ترويجها أمضي في تقاعس همم المسلمين من ألف رقصة ومنظر جنسي.
وهذا الاكتشاف
قديم، يرجع في نشأته إلى عصر صدر الإسلام، واستطاعت الشعوبية الأولى أن تستخدمه
بنجاح عن طريق فرق المبتدعة الغلاة في أواخر العصر الأموي وفي العصر العباسي،
وبرعاية الحركات الباطنية العنيفة.
وتحييه في هذا
العصر الحملة التبشيرية بنجاح أكبر، مذ قام تحالفها مع المجهود الاستعماري الغربي
قبل قرنين، أو بالأحرى مذ ابتكرها الفكر الاستعماري ووظفها في خدمته.
فتاريخ التبشير،
في الخليج وغيره من ديار الإسلام، تاریخ أسود، ابتداء وانتهاء، وتبرز خصائصه في
التمهيد الفكري والاجتماعي للغزو الاستعماري بصورة أوضح، تجعله أكبر متهم تشير
إليه أصابع الشعوب تدينه بالاشتراك بأكبر جريمة انسانية، جريمة الاستعمار، بما
فيها من الاستعباد ونهب الثروات.
ولقد ارتفع صوت
«المجتمع» مرارًا، وصدعنا بتحذير تلو تنبيه، نكشف للمسئولين في وزارة الإعلام
ووزارة الداخلية مظاهر الانبثاث التبشيري في أجهزة الإعلام ومرافق الدولة وميادين
المجتمع، كتوظيف المارونيين وتمكينهم، واستقدام الممرضات الهنديات خريجات معاهد
التبشير الهندية، والإكثار من بناء الكنائس، وتوزيع الأناجيل والكراسات الدينية
بكثافة، والسماح بزيارة السفن التبشيرية، وهي آخر ابتكار يتفتق عنه ذهن القساوسة
من عملاء وكالة الاستخبارات المركزية.
والمراقب لهذه
الحملة المشبوهة هذه الأيام يستطيع أن يتلمس نجاحها في تثبيت موضع قدم قوي لها في
جهاز تلفزيون الكويت، وإفصاحها عن نفسها بجرأة بالغة ضمن برامج الشهر الماضي.
ففي أواسط
الشهر، قدم التلفزيون الفلم الغربي المعتاد عرضه كل أربعاء، وإذا به عن الحياة اليومية لقس أميركي
عصامي عالي الأخلاق، يربي في بيته عددًا كبيرًا من الصبيان والبنات، ويتحمل من
أجلهم المتاعب.
وفي آخر أربعاء
من الشهر، كرر التلفزيون فلمًا عن قس أميركي معاصر أخر أكثر بذلًا من ذاك، تظهره
القصة دائبًا على وعظ أهل القرى، والرحيل مرارًا بعيدًا عن عائلته، وبراتب قليل جدًا،
ليصلح النفوس، ويربي ابنه تربية مثالية على الشجاعة، ثم يصطحب ابنه في درس عملي
يقدم فيه القس حياته ويموت قتيلًا مضرجًا بدمائه دفاعًا عن المستضعفين.
بخ، بخ یا
تلفزيون الكويت!!
وهذه الشعوب
المستضعفة التي يتابع الحلف البشيري الاستعماري قتل أبنائها بالجملة، أين أفلامها
ومتى نراها؟
ليس هذا فقط، بل
من أغرب الوقاحة، أن التلفزيون في يوم الخميس التالي، وبعد أقل من أربع وعشرين
ساعة على عرضه مشاهد بطولة هذا القس، يرفق بالموطنين، ويؤلمه حزنهم على قصف مخيمات
النساء والأطفال في تل الزعتر وجسر الباشا، ويود استبدال عبوسهم الذي لا مبرر له
بفرح، فيعمد إلى إضحاكهم بعرض تمثيلية «سكرتير مخلص جدًا» لفؤاد المهندس، ويظهر
فيها بدور معلم، ومعه معلم أخر، أزهري معمم وبجبة فضفاضة، لكنه مرح، وأستاذ في
تعليم الغزل والقبل.
منظران في أقل
من أربع وعشرين ساعة يطبعهما التبشير الكويتي، عبر تغلغله في وزارة الإعلام، في
العقل الباطن والظاهر للمشاهد.
منظر القسيس
البطل المبادر إلى هبة روحه فداء لكل مستضعف من البشر.
ومنظر الأزهري
المعمم الطروب الذي يجيد تعليم الغزل ومداخل الحب وإيقاع النساء في الأسر!!
وهذا الإبراز
المتعمد في هذه التمثيلية لدور الأزهري المعمم الخارج عن خلق علماء الإسلام في
الوقار إلى الخفة والطرب والتصابي والغزل إنما هو من مظاهر الحملة الناصرية في
أواسط الستينات على الأزهر وحملة علم الشريعة، حين أريد لتلك الحملة أن تكون متممة
ومكملة للمحنة القاسية المفروضة على دعاة الإسلام في مصر آنذاك.
إنه درس عملي،
يطبع في ذهن المشاهد صورة قبيحة مشوهة لنموذج «الأزهري» تجعله يستخف بنداء شيخ
الأزهر إن كان صاحب مال أو رجل دولة يتوجه إليه الخطاب، أو تجعله ينكر على
المتبرعين تبرعهم إن كان من عامة الناس، فليس «الأزهري» عند هذا أو عند ذاك إلا
أستاذا في تعليم الغزل، وعنصر إضحاك يفجر قهقهتهما عاليًا.
ولسنا ندعي
العصمة لكل متخرج من الأزهر العتيد، ولكنا نريد أن ننبه إلى دس خبيث يطمس صورًا
فاضلة من سير الأزهريين في التقوى والبطولة والإصلاح ومقارعة الاستعمار الفرنسي،
يوم دخلت خيل نابليون الأزهر تقمع الثورة، كما يقول مؤرخ مصر الجبرتي، إلى صور
أخرى يوم قاد بعض نبلاء علماء الأزهر ثورة شباب مصر سنة ١٩٥١ على قواعد الاستعمار
الإنجليزي في قناة السويس، ثم يعرض بدلها صور السفاهات والسقوط.
إنها طباع
«الذباب» تحكم هذه العصابة المتسللة إلى تلفزيون الكويت، فكما أن الذباب يعاف
الأماكن النظيفة والهواء الطلق، ويبتعد عن الورود والزهور والشذى الطيب ليقع على
أماكن العفونة والنجاسات، نرى هؤلاء يعافون تصوير نماذج القدوات من علماء الأزهر،
ويتعمدون إبراز نماذج السوء، في دعوى من ضرورة اضحاك الناس و«الترويح عنهم»!
وأي إضحاك،
وبمناسبة أي نصر يكون؟
إنه الإضحاك
الذي يلهيهم عن رؤية واقع الأمة وتمزقها.
الإضحاك الذي
ينسيهم فقرًا فرض عليهم بسوء التوزيع.
الإضحاك الذي
تريده إسرائيل لتستمر في جدها.
الإضحاك الذي
يغطي تقدم الصليبية في الخليج المسلم.
کلا، كلا يا
وزارة الإعلام، فإنه ليس الغزو الصليبي الذي يلام، فإنه يفعل ما تمليه عليه
مصلحته، ويحق له أن يتلقى التبريكات من بابا الفاتيكان وأن تصله رسائل الإعجاب من
مجلس الكنائس العالمي، فلقد وفي وأوفى وأتقن الأداء، وإنما نوجه خطابنا إلى وزارة
الإعلام، ونعجب لها، كيف تتستر على هذه العناصر الهدامة في جهازها، وتغض الطرف
عنها، وتدعها تمضي في تخطيطها، مستخدمة أموال الشعب وجهاز الدولة نفسه.
وكيف من بعد هذا
يمكن تجريد ما حدث في التلفزيون عن الأحداث الصليبية في لبنان؟
إنها دعوة صريحة
للمشاهد الكويتي تدعوه إلى أن يفهم أن وراء قوى الكتائب أمثال هؤلاء القساوسة
الأطهار الذين يقدمون أرواحهم دفاعا عن المستضعفين في الأرض، وأن الأب المعوشي
وغيره يسيرون على نفس الخط، وأن صوت الإسلام في معركة لبنان قد تقف وراءه هذه
العناصر المهزوزة من أدعياء العلم الشرعي، كزميل فؤاد المهندس هذا.
فإذا قرنت هذا بالتركيز على ذكر اشتراط مختطفي الطائرة الفرنسية إلى
أوغندا على إطلاق سراح المطران كابوجي من سجون إسرائيل، وإعادة قصته، واحتكار
البطولة والعصامية له، أدركت الأبعاد المتكاملة للدعاية الصليبية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل