; إلى متى الدوران في حلقة مفرغة؟ | مجلة المجتمع

العنوان إلى متى الدوران في حلقة مفرغة؟

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الخميس 01-يونيو-1978

مشاهدات 92

نشر في العدد 398

نشر في الصفحة 22

الخميس 01-يونيو-1978

•    كما أننا نحن المسلمين- لسنا مستعدين لأن نيأس، كذلك لسنا مستعدين لأن نخدع.. لا يخدعنا غيرنا، ولا نخدع نحن أنفسنا، لسنا مستعدين لأن نيأس، لأن القرآن الكريم أعلمنا: إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.. ولسنا مستعدين لأن نخدع، لأن رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- علمنا أن المؤمن كيس فطن.. وأنه لا يلدغ من جحر مرتين.. فإذا قلنا إننا مدركون تمامًا أن الاستعمار قد رحل عن ديارنا شكلًا وبقي واقعًا وأنه لم يرحل عنا إلا بعد أن صنع على عينه دمى منا ترثه هو على الورق، وترثنا نحن على الطبيعة..

وإذا قلنا: إن هذا الاستعمار قبل أن يرحل عنا قد ترك لنا شوكة في حلقنا تنغص علينا حياتنا، وتؤرق لنا مضاجعنا.. ترك لنا (إسرائيل) بعد أن مكنها من أن تنتزع لنفسها أرضًا، من قلب العروبة والإسلام، تقيم عليها دولة، تعترف بها هيئة الأمم المتحدة إثر قيامها، بالرغم من أن دولتها ولدت من سفاح.. وإذا قلنا إننا نحن المسلمين الذين منحنا هذه الدولة البغي البقاء بأيدينا، وجعلناها تقتنع أن بإمكانها تحقيق حلم صهيون من النيل إلى الفرات.. إذ قلنا هذا وأكثر منه، فليس ذلك لأننا نريد أن نقرر واقعًا هو في غنى عن التقرير- نقرر نريد- فحسب أن نذكر أنفسنا لعلنا نذكر أو نخشى..

•    هذه كلمات سريعة كان الدافع إليها  تصريح لأمين الجامعة العربية، نشرته الصحف أخيرًا، عبر فيه الأمين العام عن اعتقاده بأن كارثة يمكن أن تنجم عن تفجير الأوضاع في المنطقة، إذا لم يجتمع الملوك والرؤساء العرب لإنقاذ لبنان والمقاومة الفلسطينية.. كذلك أعرب الأمين العام للجامعة العربية في مرارة عن اعتقاده بأن الموقف العربي ما يزال غامضًا،  وتاريخ مؤتمر القمة غير معروف، ومكان انعقاده غير محدد.. ويشير الأمين العام إلى أن ما تقرر- فحسب هو أن تبدأ اجتماعات التضامن العربي في الخرطوم، وسوف تضم اللجنة التي يرأسها السودان، وزراء خارجية السُّعُودية والكويت، والإمارات والجمهورية العربية اليمنية.

معنى هذا أن خمس دول عربية من بين أكثر من عشرين دولة، هي التي لبت الدعوة وليس من بين هذه الدول الخمس دولة واحدة من دول المواجهة الأربع: مصر وسوريا والأردن ولبنان، وحتى المقاومة الفلسطينية رفضت الدعوة بالرغم من أن هذه الدعوة إلى انعقاد لجنة التضامن العربي من أجلها.. ولك أن تتصور- والأسى المرير ملء جوانحك- أن (إسرائيل) استطاعت أن تحتل وفي ساعات محدودة- أن تحتل جنوب لبنان، وتزهق أرواح المئات وتشرد مئات الألوف، بينما مضت أسابيع على العرب- الأماجد- دون أن يتمكنوا من الاتفاق على عقد مؤتمر قمة عربي، حتى بالرغم من أن الجميع على يقين من أن مثل هذه المؤتمرات التي قد تنجح إعلاميًا- فحسب- ليس إلا من قبيل الاستهلاك، وأن (إسرائيل) نفسها على يقين أكثر من أن العرب عباقرة في اللافتات والشعارات عباقرة في إرسال الكلمات البليغة شعرًا ونثرًا، ولذلك تخرج لسانها لمثل هذه المؤتمرات العربية، متمثلة في أعماقها قول الشاعر العربي جرير: 
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا***أبشر بطول سلامة يا مربع 
ومما يدعو إلى الأسى ألممض، أن ينعقد في الآونة الأخيرة مؤتمر لوزراء خارجية الدول المسلمة في- داكار- عاصمة السنغال- أي على بعد آلاف الأميال من أرض المعركة، ليناقش هذا المؤتمر- المبجل مجرد المناقشة- لا أكثر- احتلال (إسرائيل) لبيت المقدس، والمسجد الأقصى، وقد مضى على هذا الاحتلال أحد عشر عامًا، وشكر الله سعي هذا المؤتمر الذي تذكر شيئًا مضى عليه أحد عشر عامًا.

•    إن كوننا ندور في حلقة مفرغة أمر ليس طارئًا علينا، بل هو قديم قدم المشكلة الصهيونية ذاتها، لقد صدر وعد بلفور منذ أكثر من ستين عامًا، بوطن قومي لليهود في فلسطين، اليهود يعملون ولا يتكلمون، ونحن نتكلم ولا نعمل، وأقنعنا المستر أيدن بفكرة الجامعة العربية منذ أكثر من ثلاثين عامًا لنتلهى بها نحن الشعوب والقادة معًا، هذا من ناحية، ومن ناحية فإن الزعيم الاستعماري البريطاني كان مقتنعًا كل الاقتناع بأن العرب لن يختلفوا إلا إذا جلسوا حول مائدة واحدة، وكانت المائدة هي الجامعة العربية التي لم تثبت وجودها، وإذا نحن راجعنا جداول أعمالها في سائر جلساتها، رأينا أن معظمها كان يهدف تصفية الجو العربي من النزاع والخلاف بين الزعماء، ووقف الشتائم والمهاترات في وسائل الإعلام العربي.

قلت: منذ صدور وعد بلفور حتى أصبح (لإسرائيل) دولة، أي على مسار واحد وثلاثين عامًا ظل اليهود.. يعملون ولا يتكلمون، ونحن نتكلم ولا نعمل، كنا  فحسب- نحتفل كل عام بذكرى وعد بلفور المشئوم، وكان اليهود يعملون كي يتحقق لهم الوعد.

وبعد أن تحقق الوعد، لم تسترخ ولم تتقاعس (إسرائيل)، بل راحت تعمل على تثبيت أقدامها، وتخطط لأهدافها التوسعية، ورحنا نحن ندور في حلقة مفرغة، نعقد المؤتمر تلو المؤتمر، ونستعرض عضلاتنا بالخطب الرنانة والكلمات الجوفاء وبقصائد الشعر العصماء، كان اليهود- ولا يزالون- يستعملون عقولهم، وكنا نحن- ولا نزال- نستعمل حناجرنا، وبعد عشرين عامًا من قيام (إسرائيل)، حققت (إسرائيل) في حرب الخامس من حزيران جزءًا من أهدافها التوسعية، فاحتلت الضفة الغربية والجولان وسيناء، ومنذ أسابيع احتلت جنوب لبنان، واشترطت للجلاء شروطًا فوق المستحيل لتضمن بقاءها هناك.. أما نحن فلم نعد نملك إلا العويل والصراخ والاحتجاج والاستنكار.. ثم الإصرار على التمسك بمبادرة السلام.

•    ومسكين الأمين العام للجامعة العربية، الذي أرهق نفسه بالسفر والدخول في مناقشات بيزنطية لإقناع الزعماء بالاشتراك في مؤتمر التضامن العربي، أو في مؤتمر القمة العربي، وأغلب الظن أن الأمين العام ليس في يده جدول أعمال لهذا المؤتمر أو ذلك، وأن الزعماء ليس في أذهانهم شيء، ولا يدرون إذا كانوا سيجتمعون لتصفية الجو العربي من الخصومات الصبيانية، أم من أجل (الإسرائيلي) على جنوبي لبنان العدوان ويبدو أن الأمين العام قد أيقن أن الزعماء لن يجتمعوا لتصفية الجو العربي، حتى لا يضطروا إلى الاجتماع من أجل مسألة جنوبي لبنان، ولن يجتمعوا من أجل هذه المسألة حتى لا يضطروا إلى الاجتماع من أجل القضية الأم قضية فلسطين وماذا عليهم لو ظلوا متفرقين متنازعين متشاحنين متباغضين، ما دامت الشعوب المغلوبة على أمرها لا تسأل أو تساءل، وحتى تعمل وسائل الإعلام في نشاط ودأب تكشف عوراتنا للعالم، يبدو أن الأمين العام مقتنع بذلك كله، ولذلك أرسل صرخته الأخيرة: الكارثة آتية إذا لم يجتمع الملوك والرؤساء العرب، وكان خيرًا له لو احتفظ لنفسه بمثل هذا الإنذار وحسبه أن يتمثل في أعماقه بقول الشاعر العربي:

لقد أسمعت لو ناديت حيًا***ولكن لا حياة لمن تنادي

•    وبعد: فقد صرح مناحيم بيجن، وهو يسلم السلطات لرئيس الأركان الجديد بقوله: إنه يتعين على أعدائنا أن يعرفوا إذا حاولوا الاعتداء علينا، فسيجدون أنفسهم في مواجهة جيش مستعد ليهزمهم- وصرح سكرتير الحكومة الإسرائيلية بأن (إسرائيل) لن تمنح الضفة الغربية أكثر من الحكم الذاتي، ولن تعود إلى حدود ٦٧ بأي حال...

ليطمئن مناحم بيجن، فنحن لن نفكر في الاعتداء عليكم، وقد مددنا إليكم أيدينا- في ذلة- بالسلام، ولكم معاشر اليهود أن تتمادوا في عدوانكم علينا، وفي استخفافكم بنا، وفي إخراج ألسنتكم لنا، ولا تخشوا ما نشتريه من أسلحة بأقواتنا فهذه الأسلحة المهولة مآلها إلى المخازن ولن تستعمل إلا في استعراضات عسكرية في داخل ديارنا.

ولكم أن تطمئنوا- بني صهيون- فنحن ما زلنا ندور في حلقة مغلقة، وتحولنا إلى أمة كغثاء السيل، نزع الله المهابة منا من قلوب أعدائنا، وقذف في قلوبنا الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان