العنوان إلى مائدة الحوار
الكاتب إياد الشارخ
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
مشاهدات 80
نشر في العدد 738
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
الحوار هو لغة
التفاهم بين البشر، وهو وسيلتهم لأمور كثيرة، كإيصال أفكارهم وقناعاتهم للآخرين،
أو كالعمل للوصول إلى الأفضل من خلال هذه الوسيلة، كما أنه من الحقوق الشرعية
المكتسبة للدفاع عن النفس بما تحمل من مبادئ وأفكار.. وتطلعات.
والعمل الإسلامي
- وما يبثه من خلق ومبادئ بين أنصاره وأعوانه - له نصيب كبير في تكييف وسيلة
الحوار بين المسلمين؛ بل أكثر من ذلك فإنه قد جعل لها منهجًا محددًا من خلال
القرآن الكريم، فعلى سبيل المثال وليس الحصر قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125) وقال كذلك: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن
نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ
النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ
نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 114).
إذًا فالحوار
الجاد وهو المرادف للجدال بالحسنى، والتناجي بالمعروف أمر مشروع لا ريبة فيه، وذلك
متى توفرت فيه جوانبه التي لا تخل بأحكام الإسلام العامة وأخلاقه الفاضلة.
أضف إلى ذلك أن
الحوار المفتوح في شئون العمل الإسلامي الرصين بالخلق الرفيع له إيجابيات كثيرة،
فهو استقطاب لآراء عديدة واجتهادات جمة في العملية الإصلاحية، وهو عرض شامل لأنواع
التفكير البشري وشكليات الطرح الموضوعي، وأخيرًا فهو تربية واقعية متكاملة على حسن
الظن بالآخرين، وعلى سلامة الصدر من الأحقاد مصداقًا للقول المأثور: «الاختلاف
بالرأي لا يفسد للود قضية».
هذا ومن الجدير
بالذكر أن النجوى والتي نحن بصدد التحاور معها ليست نوعًا واحدًا، وليست صفة
مرادفة للصفات القبيحة والتي يستهجن أصحابها عليها، ولكنها تقرن بالخير أو الشر
بحسب استخدامها، فلقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ
الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي
إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (المجادلة: ٩).
فالتناجي بحد
ذاته ليس أمرًا ممنوعًا. فالقرآن حدد نوعية النجوى المحرمة، وشرعها لأمور أخرى
حددها بالبر والتقوى، فبحسب ما تدعو إليه هذه النجوى يتحدد الموقف منها، فما كان
إثمًا وعدوانًا ومعصيةً للرسول كان الموقف منه النهي والحرمان والمقاطعة، ومن ثم
توجيهه الوجهة السليمة، وما كان غير ذلك، كان الموقف منه الاستفادة من ثمراته
ونتائجه...
وما أعجبنا
اليوم إذ نرى كثيرًا من التحامل على من يحاول أن يتحاور في شئون العمل الإسلامي في
بعض المنتديات، وأن تهمش محاولاته الاجتهادية دون نقاشها والخوض في ماهيتها بحجة
أن هذا الأمر هو نجوى والنجوى طريق البطالة، وجيب في العمل الإسلامي، في حين أن
أستاذنا الفاضل صاحب كتاب «العوائق» قد حدد ملامح تلك النجوى التي لا تضفي على
العمل الإسلامي إلا مزيدًا من التقهقر إلى الوراء، حددها فسمَّى صاحبها «مشرف على
ضلالة»، ووصفه فقال: «فإنه يتوارى مع صحب له عن العيون، ويكتم سره عن الجماعة،
ويبثه لمن يهواه، فيؤز بعضهم الحمية النفسية في البعض الآخر، فيكون حنق فتثبيط
فتبرير لا يبرأ من تدليس فإذا هو افتتان» انتهى.
فإذا عرفنا أن من يمارس عملية الحوار والتناجي
ليس مشرفًا على ضلالة، كما أنه لم يتوار عن الأعين عندما طرح أراءه وأفكاره؛ بل
أخذ يصارح تجمعه بها، وكان يطرحها - من أجل إثراء العملية الإصلاحية - في وسط
جمهور ليس كل من فيه ممن يهواهم، بل وأكثر من ذلك كان مدار الحوار سجالًا بين آراء
متعددة، تختلف في التسبيب والتبرير، وقد خرج أصحابها بنفسية واحدة وهي سلامة الصدر
على بعضهم البعض، وبراية واحدة، وهي أن الاختلاف أمر طبيعي في الاجتهاد يجب
ترشيده، ومن ثم أخذ يتواصى كل منهم بالآخر بالتواصي بالحق وبالصبر على طريق الهادي
البشير.
فهنا لا يمكن
بعد هذه الشكليات الرفيعة في التعامل مع النجوى، أن يقال: إنها طريق البطالة، بل
حري بنا بأن نسمي هذا النوع من النجوى أنه طريق للأصالة؛ حيث تؤصل المفاهيم
الإسلامية كما يجب أن تكون دون غلو فيها ودون أفق ضيق مكبل بالنظرات الحزبية،
مبتعدين في ذلك عن الأجواء المليئة بالحساسية إزاء كل نقاش أو حوار بين أفراد
العمل الإسلامي، متجاوزين في ذلك تلك الضغوط الموبوءة بالكبت النفسي، والذي لا
يثمر إلا التطرف بشتى أشكاله فكريًّا أو عقائديًّا أو سياسيًّا، محتوين في ذلك كل
ما يطرح في أوساط القواعد الإسلامية من أجل توجيهه في كنانة القائد؛ ليكون السهم
الصائب فيه، فإلى مائدة الحوار بالحسنى والتناجي بالمعروف، فإن ذلك طريق للأصالة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل