; المجتمع التربوي (1888) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1888)

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 06-فبراير-2010

مشاهدات 74

نشر في العدد 1888

نشر في الصفحة 52

السبت 06-فبراير-2010

إلى كل زوجََة

  • ما بال بعض الزوجات لم تعرف لزوجها حقه ولم تتكبد مشقة إصلاح نفسها وحماية بيتها وقد آل إلى السقوط!
  • ما أعظم حق الزوج عليك فهو ربان الأسرة وملّاحها فكوني ساعده الأيمن لتنجو السفينة وترسو على شاطئ الأمان.
  • لا تجعلي زوجك إمعة بسلب قوامته وإباحة بيتك كتابًا مفتوحًا فلا تكتمين له سرًا ولا تحفظين له جوارًا.
  • احذري أن تعيني زوجك على معصية الله ولا تأخذي بيده إلى طريق الخير ولا تعبئي بسعيه لهداية الآخرين.
  • دعكِ من النعرات المدوية المطالبة بتحرير المرأة بلا ضوابط وثقى أن تحريرك الحقيقي في إتباع منهج الله عز وجل.
  • ما أجمل الزوجة الودود التي تذكر لزوجها إحسانه فتغفر زلاته وتنشر حسناته وتشعره بضعفها معه وهي القوية.

هذه رسائل محَبّة نبض بها قلبي مشاعر حب، وترجمها لساني كلمات ودّ، وأملاها على قلمي البسيط فسطرها بمداد الأخوة، وزرعها على أرض الورق حروفًا لتثمر علمًا وعملًا.. هي رسائل أود أن تصل إلى أعماق النفوس عبر أثير الحب في الله، وأن تدخل كل بيت عبر أشعة النور في أرجاء كونه الشاسع، علّها تجد طريقًا إلى قلب القلوب.

إلى مَن كرّمها الله تعالى بالزواج فجعلها به زوجة مكّرمة مصونة ولم يجعلها سلعة رخيصة أو لعبة تنكسر في أيدي العابثين.. 

إلى من خلقها الله تعالى في أحسن صورة وجعلها فتنة للناظرين فلا يهنا للرجل عيشه بدونها.. 

إلى من جعلها الله تعالى زوجًا وسكنًا للرجل، وملاذًا آمنًا له وعاصمًا من الوقوع في الفتنة والفاحشة..

إلى مَن رفع الله قدرها وأعلى شأنها وحفظ حقوقها، فصارت سيدة بيتها ومليكة زوجها وريحانته وعطره في الحياة..

أيتها الزوجة..

أنت خير الكنوز ما كنت صالحة.. ولِمَ لا وقد قال النبي ﷺ لعمر رضي الله عنه: «ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته» «أخرجه أبو داود وصححه السيوطي».

وأنت أفضل متاع الدنيا.. كما أخبر النبي ﷺ حين قال: «الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» «مسلم»، «إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة» «ابن ماجه».

وأنت من أسباب سعادة الرجل في دنياه.. كما جاء على لسان خير الأزواج ﷺ: »إن من السعادة الزوجة الصالحة« «الطبراني»، «فمن السعادة المرأة الصالحة تراها فتعجبك، وتغيب عنها فتأمنها على نفسها ومالَك» «الحاكم». 

وأنت أعظم منّة وهبة له بعد تقوى الله.. بشهادة النبي ﷺ: «ما أستفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرًا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله» «ابن ماجه». 

وأنت من حسنة الدنيا التي يطلبها كل مسلم في دعائه.. ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة: 201)، قال ابن كثير في تفسيره: فإن كل الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من: عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هيّن، وثناء جميل.

وأنت من أسباب قرة العين التي يطلبها عباد الرحمن.. ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74)، قال القرطبي: وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه بأهله وعياله، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة، أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة، معاونون له على وظائف الدين والدنيا، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده، فتسكن عينه عن الملاحظة، ولا تمتد عينه إلى ما ترى، فذلك حين قرت العين، وسكون النفس.

الزواج نعمة عظيمة ومسؤولية كبيرة

نعم أيتها الزوجة.. إنه الزواج.. مأوى الأحباب ومقهى الصحاب.. صالة العشاق وبستان المحبين.. إنه الزواج الذي صانك الله تعالى به وجعل لك به عند زوجك عهدًا وذمة وميثاقًا غليظًا، وأولاك وزادك من فضله فجعل لك حقوقًا تُؤدّى بعدل وتُعطى في ظل شرع الله تعالى الذي شرعه ودعا إليه. إنه الزواج الذي ينشأ معه الحب وتتولد به المودة وتزيد معه الرحمة وترتفع به الدرجة، قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل إذا نظر إلى إمرأته ونظرت إليه نظر الله تعالى إليهما نظرة رحمة، فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما» «رواه ميسرة بن علي ورمز له السيوطي بالصحة».

وبه بناء بيت وتأسيس أسرة وتكثير نسل وإنجاب ذرية، وإن البيت المسلم لهو اللبنة الأولى في بناء الأمة، أنت وزوجك حجر أساسه وعليكما يقوم بنيانه وبكما يظهر عنوانه، وهو روضة وجنة ذات أفنان في صحراء الحياة، وبستان نضر نتعلم فيه الإحسان ويكتمل فيه البنيان بالذرية الصالحة.

هلا كنت الزوجة الصالحة التي أخبر عنها النبي ﷺ.. 

إن كل زوج يتمنى أن تكون زوجته صالحة ليسكن إليها وتهدأ نفسه وتستقر، والزوجات الصالحات بحمد الله موجودات فالدنيا ما زالت بخير والخير هو الأصل، لكن ما بال بعض الزوجات قد شذت عنه فلم تعرف لزوجها حقه، ولم تتكبد مشقة إصلاح نفسها وحماية بيتها وقد آل إلى السقوط فلا ينال زوجها منها إلا ما تريده هي فقط، يناله عن إستنكاف منها وتردد، فأين الإيثار والتضحية؟ بل أين المودة والرحمة اللتان أمتلأ بهما قلب المرأة؟ وأين الحب الذي طالما تمنته وتغنّت به، والأماني التي باتت تحلم بها وتردّدها؟ أتذكرين أيتها الزوجة كم كنت تشتاقين لنصفك الآخر هذا أن يأتي ويحلّ بساحتك خاطبّا ويتقدم لأهلك طالبّا القرب منك؟ أما كنت تشتاقين لدفء حبه في الحلال وحلاوة النظر إليه والتباهي به على الصديقات، وقد أنتظرتِه وقتًا طال أو قصر لتفرغي فيه من نهر حبك وودادك، وتسكبي في قلبه من معين مودتك، وتخرجي إليه ما في جعبتك من أمانيّ وأحلام لتتحقق وأنتما معًا في بيت الزوجية الطيب وعشها الهانىئ؟ وها هي نعمة الله تعالى قد وضعها بين يديك وتحت عينيك فانظري ماذا أنت فاعلة؟

ألا فأنتبهي أيتها الزوجة..

أنتبهي وأعرفي لزوجك حقه عليك، فكما لك حقوق فعليك أيضًا حقوق وواجبات سيسألك الله عنها، وما أعظم حق الزوج إذ هو ربان سفينة الأسرة وملاحها وقائدها وموجّه دفتها، إلا فكوني بجانبه ليقوم بدوره وتنجو السفينة وترسو على شاطئ الأمان، وقد قال النبي ﷺ لإمرأة: «أذات زوج أنت؟»، قالت نعم. قال: «كيف أنت له؟»، قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه. قال: «فأنظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك» «أحمد».

ومع ذلك فهناك من الزوجات للأسف من تتقمص شخصية الزوج ذاته، فتكون هي الآمرة الناهية فكلمتها هي المطاعة شاء أم أبَي، وصوتها هو المسموع ولسان حالها يقول: أنا القيّم لا أنتَ والقوامة لي وحدي! وهذا لا شك مخالف للفطرة التي فطر الله عليها كلًا من الرجل والمرأة على السواء، ويحتاج بدوره إلى وقفة لتعود الأمور إلى نصابها، ويكون لكل منهما دوره وعمله، ومنهن من تكون لزوجها بمثابة شرطي المرور أو ضابط الشرطة ليس لحفظ أمنه وسلامته وإنما لترصد حركاته جيئة وذهابًا، أو تستعير وظيفة السجان فتريد أن تحبس زوجها بجانبها ليله ونهاره ظنًا منها أن هذا وحده هو الحب! بل إن منهن من تكون له كالمحاسب فتحصي عليه نقوده وأعماله وأقواله ومكالماته ورسائله وكلامه ونظراته غِيرة منها عليه، ومنهن من حوّلت بيتها إلى ساحة قتال ومكان معركة، حيث الصياح مع الصغار والشجار مع الزوج أو أهله بسبب وبغير سبب، أو تجعل منه ناديًا أو مقهى أو سوقًا، حيث تجلس معها الصديقات فيه بالساعات على حساب الزوج والأولاد! ومنهن من تتشبه بالسارق فتمتد يدها إلى ماله خلسة دون علمه ورضاه فتهبه بعض أهلها أو أقاربها أو تصرفه على نزواتها، ورغم أن لها فيه حقًا إلا أنه يسلبها ثقة زوجها فيها ويهدد حياتها الزوجية بريح الشقاق والخلاف، ويوشك أن يذهب بماء الحب الذي تنتعش به حياتها، ومن الزوجات من لا تنتهي أوامرها ولا تنفد طلباتها، فهي لا تشبع من ملبس أو مأكل أو أثاث أو نزهة أو سفر، وتجعل ذلك جل همها وغاية رضاها ومنتهى أملها. 

وثمة صنف آخر من النساء قد أتخذن من اللعن ديدنًا ومن الشكوى والأنين شعارًا، ومن جحود نعمة الزوج وإنكار إحسانه سبيلًا! وقد خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى فمرّ على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار».. فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» «البخاري».

لا تكوني مثل هذه الزوجة..

لا تكوني كهذه الزوجة التي لا تقدّر نعمة الزواج العظيمة ولا تؤدي شكرها كما يجب، تقصيرًا منها وإهمالًا لا عجزًا وضعفًا، فما أن يرزقها الله بالزوج ويضمهما معًا بيت واحد إلا وتخلع النقاب عن وجهها بالتدريج شيئًا فشيئًا ليظهر عاريًا بلا تجمّل، فقد أطمأنت إلى وجود زوجها بجانبها، وتأكدت من حبه لها وربطته -كما تقول- بالأولاد، وظنت أنه صار في حوزتها، وأن لا مهرب له منها ولا مفر، وأن تغير الحال من المحال، وأنها قَدَره المحتم، فطلاقه لها وزواجه من ثانية لن يكون، فهي وأهلها له بالمرصاد!

وهي لا شك مخطئة في هذا الظن الذي يترتب عليه التقصير منها، فتراها تهمل نظافة بيتها لا تهتم بمظهرها وملبسها وزينتها وجسمها، تتعلل بالعمل المرهق، أو بالحمل والولادة، أو السهر والرضاعة، وأعمال البيت وأشغال الأولاد وواجبات الصديقات وزيارة الأهل، لا تهتم بحقه كزوج، تراه يقدم عليها متعبًا من عمله وهي لا تأبه له، تفوح منها رائحة العرق وتختلط برائحة الثوم والبصل والطعام، وتبدو بلباس المطبخ دونما حرج، لا تحافظ على جمال جسمها ورشاقتها، ولا تأخذ بأسباب الجمال التي تعفه وتحفظه من النظر لغيرها، ولو أنصفت لعلمت أن من أهم مقاصد الزواج العفة وتحصين الفرج وغض البصر، وكل هذا يجب عليها تجاه هذا الزوج، وأن رفع الكلفة بينها وبين زوجها لا تمنع من حُسن التبعل له.

تريد أن يكون زوجها إمعة..

ولا تكوني كتلك التي تريد من زوجها أن يكون إمعة، فلا كلمة له أو رأي بل أي قرار موكول لها أو لأبيها وأمها قد سلبت من الزوج أجمل ما فيه.. رجولته وقوامته وحريته، بيتها كتاب مفتوح أمام أهلها وصديقاتها وهي لا تكتم له سرًا، ولا تستر له عورة، ولا تحفظ له جوارًا، وغفلت عن دورها كزوجة يجب أن تكون هي الستر له والغطاء، وتناست أنها فارقت بيت أهلها وصارت له زوجة، وأن الله تعالى يقول  ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: ٣٤).

تضع وظيفتها في أعلى القائمة..

ولا تكوني كتلك الزوجة التي تجعل عملها خارج البيت فوق كل شيء.. فهو فوق الزوج ودعوته، والأهل وصلتهم، والأولاد وتربيتهم، فتصرف له كل وقتها نهارها وليلها، وما فقهت أن في الحياة أولويات يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، وأن حق الزوج والولد يأتي بعد حق الله عز وجل، وأنها ما دامت خرجت للعمل فلا بد من تنظيم الوقت بين الحقوق والواجبات بحيث لا يطغى حق على آخر.

عداوة أُمّ الزوج..

ولا تفعلي كهذه الزوجة التي تجعل من أُمّ زوجها بطلة لمسرحية العداء المتوهمة بين «أم الزوج وزوجة ابنها»، فتراها دومًا للزوج شاكية متظلمة باكية، تظهر بمظهر الضعيف المقهور تؤول كل كلمة تسمعها كما يروق لها ولا تترك لحُسن الظن بحماتها مكانًا في قلبها، ولو كانت فيما تدعي صادقة فإنها تقطع حبال الود بينه وبين أحق الناس بحُسن صحبته، وتجعله في حال لا يحسد عليها، فإما أن يرضيها ويعق أمه، وإما أن يرضي أمه ويغضبها، وقد كان بإمكانها أن تجنبه هذا العناء بصبرها وإحتسابها، ولطفها وحُسن خلقها، فالفضل لمن يقابل السيئة بالحسنة لا من يرد الحسنة بالحسنة.. كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).

كل همها سد حاجاتها..

واحذري أن تكوني تلك الزوجة التي تعين زوجها على معصية الله، ولا تأخذ بيده لطريق الخير والعمل الصالح، ولا تعبأ بسعيه لهداية الآخرين فتصبح عقبة كؤودًا في طريق دعوته إلى الله تعالى، تثبط من همّته وتقلل من شأن دعوته، وتشكو ضيق وقته وانشغاله وتنقّله وسفره، وكان بإمكانها أن تصبر معه وتأخذ بيده وتضحي في سبيل الله محتسبة، لتشاطره الأجر وتقاسمه الثواب، لكنها للأسف لا يهمها إن ضيّع زوجها الصلاة أو قصّر في حق من حقوق الله ما دامت طلباتها مجابة حاضرة، بل إنها قد تدفعه للسرقة والرشوة والسحت وأكل المال الحرام بكثرة مطالبها وسوء اقتصادها وإسرافها وتبذيرها، لا تسأل: من أين تطعمني وتسقيني، وبأي مال تغذيني وتكسوني؟ فكل همها سد حاجتها وظهورها أمام الناس بما يشبع كبرياءها.. وهذه الزوجة ليس لزوجها في قلبها ذرة من حب أو إخلاص وإن أدّعت ذلك، ولو أحبته حقًا لخشيت عليه من عذاب الله، ولأخذت بيده إلى طريق رضاه، ولما جعلت للشيطان عليهما سبيلًا.

أيتها الزوجة.. كوني لزوجك سَكَنًا..

وقد تتبعتُ كلمة السكن في بعض آيات القرآن الكريم ونظرت في تفسيرها ومعانيها فوجدت أن الله تعالى قد ذكرها في عدة آيات، منها قوله عز وجل: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (الأنعام: ١٣)، وكلمة «سَكَن» مَعناها هنا: هَدَأَ وأستقرّ، وفي قوله عز وجل: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (الأنعام: 96)، أي مَحَلًا للسُّكُون، لأنه يَسكُن فيه كلّ مُتحّرك بالنّهَار وبهذا فَيَسَتقرّ في مَسَكَنه وَمَأَواه، وتَسكُن فيه الخَلق مَن التّعَب. وفي قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ (يونس: ٦٧)، أي يَستريحُون مِن نَصبهم وكلّهَم وَحَرَكاتهم، وفي قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ (النحل: ۸۰)، أي نسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة فهي سكن للناس لما ياوون إليها ويستترون بها وينتفعون بها بسائر وجود الإنتفاع.

وفي سياق الحديث عن آيات الله تعالى ونعمه ومنها نعمة الزواج، إذ امتن على الرجل بأن جعل له زوجة من جنسه ليألفها، وأحل له الزواج بها وجعله فطرة وغريزة فيه، وجعلها سكنًا له يسكن ويَأنس بِها ويَطمَئّن لها، ويَأويَ إليها لقضَاء حَاجَته منها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21). فما أروع العلاقة بين سكن الزوجية وبين سكن كل من الليل والبيوت والدعاء.. وما أشبه الزوجة بالليل في ستره وتغطيته وهدوئه وسكونه وراحته للأبدان، إذ تكون محلًا لسكون زوجها وراحة بدنه.. وما أشبهها بالبيت في دفته وصيانته وإحتوائه وإيوائه، إذ تكون محلًا للهدوء والراحة.

كنوز وخيرات.. للزوجات الصالحات:

هي كنوز سهلة وقريبة المنال من كل زوجة، لكنها تحتاج منها إلى جهاد نفس كبير خاصة بعد ارتفاع الأصوات من هنا وهناك، تطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة، وتدعو لحفظ كرامة المرأة وإعطائها حقوقها، ووالله لقد حفظها لها الإسلام منذ بعث رسول الله ﷺ، لكنها تحتاج لمن يعلمها بحق ويطلبها بصدق ويؤديها بإخلاص، فهل من حق المرأة أن تكون مشاعًا للجميع، تخرج متى أرادت وتسافر حيثما شاءت بلا ضوابط أو شروط وكأنها لا زوج لها ولا ولي؟ وهل من حريتها إذا خرجت من بيتها أن يفسح لها زوجها المجال لتتعرى وتتخلى عن الحشمة والوقار ويقف ساكتًا لا يأمرها بالستر والحجاب؟ وهل يحط من كرامتها أن تطيع زوجها في المعروف وتحسن التبعل له وتتحبب إليه وتتودد؟ وهل ينقص قدرها حين تخدمه بيدها وتنشر عبير المودة وظلال الرحمة من حوله وتكون له سكنًا وأنسًا؟ وهل يسيء إليها أن تكون قبل كل شيء أمًّا ومربية ومصنعًا ومدرسة لتخريج الرجال في سائر التخصصات.

ألا وإن بإمكانك أيتها الزوجة أن تتخذي لكِ بذلك مكانًا في الجنة مع إيمانك الصادق وعملك الصالح، فهو جهاد بلا سيف تفتح لك به الجنة أبوابها الثمانية، ودعك من النعرات المدوية المطالبة بتحرير المرأة بَلا ضوابط أو قيود.. وثقي أن تحريرك الحقيقي إنما هو في إتباع منهج الله عز وجل والسير على طريقه جنبًا إلى جنب مع شقيقك الرجل دون إفراط أو تفريط، وخذي من رسول الله ﷺ هذه الكنوز وأكثري منها.. «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت» «أحمد». وقال: «أيما إمرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة» «الترمذي». 

ألا ما أجمل الزوجة الودود التي تذكر لزوجها إحسانه فتغفر زلاته وتستر سيئاته وتنشر حسناته، تشعره بضعفها معه وهي القوية، وحاجتها إليه وهي المستغنية، فيستدفئها تحت جناحيه بعطفه وحبه، ويهبها من وداده وقربه، ويحميها من عواصف الحياة، لا تمله ولا يملها بل يهتف من أعماق قلبه شاكرًا ربه ولسان حاله يردد قول القائل:

إن النساء رياحين خلقن لنا *** وكلنا يشتهي شمّ الرياحين

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

975

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 3

278

الثلاثاء 31-مارس-1970

مجلس الوزراء يبحث إصلاح الأسرة