; إلى عرفات.. صديقنا المرن «مع تحيات الشين بيت...» | مجلة المجتمع

العنوان إلى عرفات.. صديقنا المرن «مع تحيات الشين بيت...»

الكاتب محمد حمزة

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

مشاهدات 66

نشر في العدد 1376

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 16-نوفمبر-1999

بالأمس كانت أسلو الجديدة وانحنى عرفات انحناءة قوية وطويلة أمام صورة رابين ثم ألقى التحية العسكرية، لكن الحضور لم يقدروا فعلة عرفات، ولم يصفقوا كالعادة.. على الرغم من أنه لم يأت على ذكر المحرمات في خطابه فلا القدس ولا اللاجئون ولا الدولة كانت من بين مفردات خطابه، وقبلها بأيام نشرت مجلة «جينز» الدفاعية تقريرًا صدر مؤخرًا عن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بعد أن استطاعت المجلة- حسب قول محرر الموضوع- أن تتجسس على التقرير السنوي والسري للغاية لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان».. وقبل ذلك بأسبوع نشرت المجلة نفسها تقريرًا عن الشين بيت «المخابرت الإسرائيلية» تحدد فيه رؤيتها لعرفات ودوره وماذا عساه أن يفعل في المرحلة المقبلة.. وسنمر بتطوافة سريعة على التقريرين لنرى مستقبلنا في ملفات المخابرات الإسرائيلية بشقيها.. وربما يؤكد الواقع الذي تلا التقريرين أن ما جاء فيهما قد لا يختلف أبدًا عن الواقع العربي إجمالًا.

بعض محتويات التقرير الأول ليست بالمفاجأة الكبيرة فهي حقائق يدركها القاصي والداني ومن بينها على سبيل المثال استقرار النظم العلمانية في الدول العربية، وأن العراق ضعيف ومعزول ولا توجد معارضة حقيقية في الداخل ضد نظام صدام، وأن الإشكالية الاقتصادية هي التحدي الكبير في العالم العربي المشغول بالهموم المعيشية أكثر من انشغاله بالصراع مع إسرائيل.. وأن العرب منقسمون على أنفسهم.

لكن بعض الفقرات الأخرى تستدعي منا وقفة، إذ إنها تحدد موقعنا نحن العرب على الخريطة ومن بين ذلك أن تغيرات جغرافية ستشهدها خريطة الشرق الأوسط في ظل علمية السلام، وهذا يعني:

1- موقع دولة فلسطين المحتملة.

2- الكونفدارلية المحتملة مع الأردن.

3- تقسيم العراق.

4- فصل جنوب السودان.

5- استقلال أو ضم البوليساريو وذلك حسب برنامج الصلح مع إسرائيل مستقبلًا.

كما جاء في التقرير أن نظام الحكم الإيراني بقيادة خاتمي تتعمق جذوره في الشارع الإيراني برغم معارضة المحافظين، ولكن التقرير لا يستبعد خطورة التهديد النووي القادم من إيران، وربما كانت التحركات الأمريكية الجديدة في الخليج تصب في هذا الاتجاه.

وعن التسوية مع مصر يرى التقرير أن السلام ليس له جذور في الشارع المصري، وهو ما يمثل خطرًا متزايدًا رغم عدم وجود تهديدات بوقوع حرب، هذا مع العلم أن الدول الجارة لإسرائيل تقوم بدعم ترسانتها العسكرية.. وهذا يعني أن هناك جهودًا مطلوبة في عملية التطبيع، وأن على قادة التطبيع وسفرائه التحرك مرة أخرى في طول العالم العربي وعرضه، وأن على المثقفين المنتفعين من أمريكا وإسرائيل أن يقوموا ببذل مجهود إضافي ولو على مستوى إعلامي، كما أن على الحكومات القيام بخطوات لترسيخ مفهوم السلام لدى بعض القطاعات الرافضة مثل الإخوان المسلمين، وحماس، والجهاد، «وربما يكون اعتقال الإخوان النقابيين في مصر مؤخرًا بادرة في إطار إزالة معوقات التطبيع».

أما سورية فيرى التقرير أن صحة الرئيس الأسد تجعل الوقت في غير صالحه، لذا فهو يسعى إلى إحداث خلخلة في العملية السلمية حتى يستطيع تسليم السلطة لابنه بشار الذي يعده الآن، وبعد نشر هذا التقرير قام بشار بزيارة لعدة دول من بينها دول معروفة بأنها محطة للاتصال باليهود، ويبقى أن الساحة تشهد الآن مفاوضات سرية.. التقرير يرى أن الجولان يمكن عودتها إلى سورية ولكن مقابل تبادل دبلوماسي واتفاقات أمنية.. ويشير التقرير الإسرائيلي إلى أن ترسيم الحدود وفق ما كانت عليه عام 1967م ليس دقيقًا مما يساعد اليهود في التفاوض.

والعرب مجبرون على التسوية لأنهم ضعفاء ولأن الشراكة الأمريكية التجارية استراتيجية بالنسبة لهم، كما أن أمريكا لن تدعمهم في أي حرب «افتراضية» والجامعة العربية ضعيفة.. وليس أدل على ذلك من أن موريتانيا أقامت علاقات مع إسرائيل ولم تفعل الجامعة لها شيئًا.. كيف تستطيع والكثير يسارعون نحو إسرائيل.. وكان كلمة سر البقاء والرضا.. هي إسرائيل.

أما التقرير الثاني والذي كان عنوانه «عرفات صديقنا المرن».. فليس في حاجة إلى تعليق اللهم إلا بعض الخطوات التي تنبأ بها التقرير، ثم حدثت أو قام بها عرفات، والغريب أن البعض من رجالاته يرون أن ذلك ليس عيبًا، فالتفاوض السري ضروري- كما قال أحد مساعدي عرفات- والغريب أنه لا يزال يصر على أن القدس عاصمة فلسطين، واللاجئون سوف يعودون والمستوطنات سوف تغلق.. والدولة سوف تقوم.

تعالو في جولة مع هذا التقرير Our Flexible Friend:

1- يقول التقرير إن عرفات مستعد للتنازل عن بعض المطالب الفلسطينية في مقابل إقامة الدولة، فما الذي يمكن لعرفات أن يتنازل عنه؟.. مجرد سؤال.

2- يتصور التقرير السيناريو التالي لمطالب عرفات:

- دولة فلسطينية عاصمتها القدس.

- عودة اللاجئين.

- إغلاق أو تفريغ المستوطنات.

3- لكن التقرير يرى أنه رغم ذلك فعرفات لو وجد أن سقف مطالبه يتعارض مع ما يراه باراك فسوف يتنازل أو للدقة سيبدي مرونة، وهذا ما حدث وما حاول باراك استثماره في شخصية عرفات حين طلب إليه أن يكون اتفاق الوضع النهائي من صنعهما فقط، دون الرجوع إلى فريق المفاوضين، وذلك لأن عرفات حسب أجهزة المخابرات كريم ومرن، بل إن مرونته تمثل مفاجأة لجهاز المخابرات.

4- يراهن التقرير على عدم وضوح مفهوم السيادة لدى الفلسطينيين، وأن مفهوم إقامة دولة مستقلة يمثل قلقًا كبيرًا لهم، فعرفات يعلم قبل غيره أنه سيعتمد على الأردن وإسرائيل، وبالتالي سيصطدم بحواجز جغرافية وسياسية إذا أعلن الدولة، كما أن لديه مهاجرين بالأردن يتمتعون بالجنسية الأردنية وهو لا يريد عودتهم، ولا يستطيع الوطن الجديد «الدولة» استيعابهم جميعًا، لذا فالكونفدرالية الأردنية- الفلسطينية هي الحل، ويرى التقرير أن على إسرائيل أن تدفع بعرفات في هذا الاتجاه.. وهذا يعني أن الخريطة القادمة ستتغير.

5- يرى التقرير أن القدس يمكن أن تكون عاصمة لدولة فلسطين، ولكن القدس التي يرشحها اليهود هي جزء من القدس التي يعتقد الفلسطينيون أنها عاصمتهم، وبمعنى آخر فالقدس الفلسطينية في المفهوم الفلسطيني أكبر مساحة منها في المفهوم الإسرائيلي، وبذلك يمكن ترشيح أي منطقة.. وسيقبل الفلسطينيون.

6- المستوطنون سيظلون في المناطق الفلسطينية ولو كمستأجرين.

7- أما اللاجئون فيرى التقرير أن عرفات سيسعى لإبقائهم بالمهجر مقابل تعويضات مناسبة.. بل إن التقرير يقول بالنص «سيقنعهم عرفات بأن ينسوا حلم العودة».

وهكذا يبدو أن اتفاقًا نهائيًّا وشيكًا سيقضي على البقية الباقية من أحلام الفلسطينيين وأن عرفات سيفعل ما يملى عليه.

وبعد هذا التقرير يخرج علينا من يدعى أن عودته إلى الأراضي المحتلة تستهدف معارضة عملية السلام ودعم المفاوض الفلسطيني في المرحلة النهائية.. والحقيقة أن قطار السلام والمال والسلطة يمضي بسرعة والرفاق أدركوا بعد أن أقنعهم بعض دعاة الثقافة بأن البراجماتية والرضا بالواقع هما أفضل الطرق لنيل الرضا.. فماذا عساه يفعل حواتمة أو أبو مصطفى؟.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل