; إلى الطريق الجديد.. وإلا... تصنيع السلاح.. لكي نقاتل بحرية | مجلة المجتمع

العنوان إلى الطريق الجديد.. وإلا... تصنيع السلاح.. لكي نقاتل بحرية

الكاتب د. عبدالحليم عويس

تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1973

مشاهدات 1

نشر في العدد 174

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 06-نوفمبر-1973

إلى الطريق الجديد.. وإلا... تصنيع السلاح.. لكي نقاتل بحرية

بقلم: عبد الحليم عويس

مرة كل جيل.. أو مرة كل قرن.. أو ربما مرة كل دورة حضارية، أو ربما- وهذا كثير- مرة عند حادثة فاصلة معينة.

في واحدة من هذه «المرات» تجد أمة من الأمم- أية أمة أنها تقف- فجأة- في منعطف الطريق، وإن بإمكانها- على الرغم من كل آراء أصحاب الحتمية التاريخية- أن تتجه إلى أي طريق شاءت.. وأن تحدد لنفسها معالم منطلق جديد.

وقليلة هي الأمم التي تستلهم واقعها وتاريخها وتراثها، وحقائق وجودها وإمكانات انطلاقها، وتستشرف من كل ذلك- وبالوعي الموضوعي التام- أفق المستقبل، وتحدد-بإصرار ووضوح- عند كل انعطافة تاريخية إلى أين ستسير!!

وأمتنا العربية- وهي جزء لا يتجزأ حضاريًا ومصيريًا في تصورنا من العالم الإسلامي- قد مرت بها «مرات» من هذه «المرات».. وأتيح لها في أكثر من «مرة» حرية أن تتجه إلى أي طريق، وأن تبدأ في تحديد معالم منطلق جديد وهي- باستثناء القرنين الأخيرين التاسع عشر والعشرين- قد استطاعت أن تستلهم قوى الحياة فيها من تراث وتاريخ وواقع، واستطاعت أن تفلت من كل محاولات تصفيتها حضاريًا وإنسانيًا، ونجحت في أن تكون عند المستوى النفسي والإنساني المنسجم مع قيمها وتراثها وتاريخها، وإن كانت بالطبع- وهذا أمر لا يمكن إنكاره- قد تخلفت عن مستواها العقلي والحضاري الذي وعاه لها التاريخ، وتخلت بالتالي عن دورها الإنساني، ولم تعد قادرة على العطاء في عصر قدم فيه العقل وسائل كثيرة لا يمكن بغيرها الإسهام في صنع البناء النفسي والإنساني للإنسان.

• كانت هذه الأمة منذ انزاح عنها كابوس الحروب الصليبية، في عملية اندحار طويلة معروفة، قد استسلمت إلى نوم هادئ رخيص، لم تنفع في إقلاق صاحبة السفن البرتغالية، والأساطيل البريطانية والفرنسية، واكتشاف رأس الرجاء الصالح!

• وكانت هذه الأمة قد استسلمت إلى مخدر النصر في «عين جالوت» وفي معركة «المنصورة»، وكانت تتغنى «بدار ابن لقمان» وما لاقاه الفرنسيون في دمياط ورشيد!!

• وكانت هذه الأمة قد نامت مستسلمة لما تبقى من شهرة «وهمية» للرجل المريض.. دولة الخلافة التي لا تغرب عن أملاكها الشمس!

• وكانت أسباب التخدير أكثر من أن تحصر، وربما كان بعضها الشعور بتفوق «القيم» أو تفوق «الجنس» أو تفوق «التاريخ والتراث» ... لكن أيًا كان رصيدها هذه «الفوقيات» من الصحة أو الخطأ، فإن هذه الفوقيات لم تجد الحماة الحقيقيين الذين يجعلون منها حقيقة عملية- حتى ولو لم يكن بعضها حقيقيًا فكم من الأوهام التي سادت بتأثير اعتناق فئة من الناس لها.

• ونامت الأمة نومها الهادئ الجميل الذي استمر إلى تخوم القرنين الثامن عشر والتاسع عشر «۱۷۹۸ - ۱۸۰۱ م» حين استيقظ العرب على مدافع نابليون بونابرت «ومطبعته وعلماء آثاره» تدق بعنف وقسوة أسرة نومهم، وتقهر في غير عناء سيوف المماليك، وخيل مراد بك وإبراهيم بك!!

• لقد كان الأمر جدًا لا هزل فيه، وكان على العرب أن يختاروا لأنفسهم طريقًا جديدًا إلى الحياة، إذا أرادوا أن يظلوا صفحة حية في كتاب التاريخ.

لقد كان القرن التالي لقدوم نابليون إلى مصر والمشرق العربي- القرن التاسع عشر-أسوأ قرن في تاريخيًا العربي والإسلامي.

لقد كان هذا القرن أفدح ثمن دفعناه لهذا النوم الطويل الذي تمتعنا به في ظل المخدرات الكثيرة التي شلت قوى الحركة والحياة فينا.

لقد كان النوم طويلًا، وكانت الصحوة قوية وغير طبيعية.. كانت مفاجأة مذهلة لم نستطع معها أن نتبين الطريق الصحيح للسير نحو باب الحضارة والمعاصرة.

فتخبطنا.

ورحنا ندور في «غرفة النوم» كما يدور الأعمى، لا يعرف أين الباب.

وفي ظل هذا الضباب.. سمحنا للكثيرين بأن يمسكوا بزمام القيادة الفكرية والحضارية، وأن يلعبوا بنا في أرجاء «الغرفة» كما يلعب صاحب القرد بقرده، وأن يمرغوا وجوهنا- وتاريخنا في التراب!!

لقد كان محمد علي- وهو أول قائد لمصر بعد الحملة الفرنسية- أول التائهين المخدوعين في مجال الصراع الحضاري الذي أعلن مع زحف الحملة الفرنسية..

وكان سقوطه المريع في أنه بدأ رحلة الاستيراد الحضاري- وشراء النصر- والارتباط بالمعادلات الدولية، وبظروف الصراع بين القوى التي تحكم العصر!!!

وظن المسكين- في فترة ما- أنه نجح.

لكنه ما أن حاول أن يتخطى الحدود المتروكة له والمساحة الممنوحة للعبته، حتى تم اتفاق القوى- التي كان يبني وجوده على بقاء صراعها- على ضرورة الحد من سلطاته.

وتم شل قواه، وتبديد كل جهوده، باتفاق هذه القوى عليه، واستلابه أملاكه- في مؤتمر لندن سنة ١٨٤٠م.

 لقد كان المملوك المخدوع «محمد علي» يمشي على الدرب الذي رسمه «نابليون» دون أن يدري.

فنابليون أراد «تغريب» و «فرنسة» الأمة.. وليس تحريرها- كما حدث في الجزائر على نحو أوضح فيما بعد:

• فضرب الأزهر، وأذل كبرياء العلماء «وهكذا فعل محمد علي فيما بعد»!

• وأراد نقل الحضارة المعلبة الجاهزة دون أن يكون الفرد المستخدم للحضارة في مستواها «وهكذا فعل محمد علي فيما بعد»!

• وأثار النزعات الطائفية والدينية «وهكذا فعل محمد على فيما بعد»!

• وعمل على إثارة العداء ضد وكالة الخلافة العثمانية «وهكذا فعل محمد علي فيما بعد»!

وغير ذلك كثير من نقاط التشابه بين خطي نابليون ومحمد علي!! وكثيرون بعد محمد علي حاولوا السير على الدرب، وانتهى بهم وبالأمة المطاف إلى أتعس نهاية.

• أجل حاول الكثيرون شراء النصر، واستيراد حضارة الغرب معلبة جاهزة، وحاولوا العيش على أساس المعادلات الدولية، والتسول على مائدة الصراع بين القوى القوية المتصارعة.. هكذا حاول الخديوي إسماعيل.. وسقط بالديون الكثيرة التي تراكمت على مصر، والتي ورطتها في واحدة من أكبر ورطات تاريخها!! وهكذا حاول كثير من خلفاء الدولة العثمانية، وسقطوا.. واتفقت أوربا على التهام خلافتهم الإسلامية.. وهكذا حاول قادة حركة البعث القومي.. واقتسمت بلادهم- بالاتفاق الودي- القوي التي ظنوا صراعها لن ينتهي.. وهكذا حاول العرب في ربع القرن الأخير من تاريخهم.. وتتابعت عمليات سقوطهم على النحو المعروف.. لكن حرب العاشر من رمضان «السادس من أكتوبر» كانت فرصة جديدة لعل الله أتاحها للعرب- بعد ليل من اليأس طويل- لعلهم يبدأون انطلاقًا من ومضات الأمل التي ظهرت في سمائها- في التعرف على ملامح الطريق الوحيد الجديد الصحيح.

إن قرنين من الزمان تفككنا فيهما إلى عشرات من الدول والشعوب، وذقنا فيهما من ويلات الهزيمة والخزي والضعف والتسول الحضاري مالا يعلمه إلا الله، وبذلنا فيهما بلايين الدولارات في الاستيراد وشراء مخلفات وصادرات الحضارات المجاورة المحيطة بنا في كل مكان.

إن هذين القرنين الحافلين بالهزائم كفيلان بأن يجعلانا- إن أردنا البقاء- نتلمس طريقًا جديدًا غير الذي ظللنا طيلة القرنين الماضيين نسير فيه.

لقد أصبح من حتمية الأمور بالنسبة لقضية بقائنا وامتدادنا التاريخي أن نعرف ملامح طريق جديد.. أكثر ضمانًا لقضية بقائنا وتحضرنا إن هذا الطريق.. هو الذي سيضع حربًا كحرب العاشر من رمضان في مكانها الصحيح.

وهو أيضًا الطريق الذي سيحدد نوعية مسيرتنا فيما بقي لنا على الأرض.

 بل إنه الطريق الذي سيحدد ما إذا كنا في طريقنا إلى الذوبان والأفول، أم في طريقنا إلى أداء دور حضاري- تنتظره البشرية- امتدادًا لرسالتنا التي ناطها الله بنا.

إن هذا الطريق هو نفسه الطريق الذي بدأت به كل الأمم التي وقعت فيما وقعنا فيه.. ثم نهضت وأدت دورًا جديدًا نحو الإنسان.

هكذا بدأت- أمامنا- اليابان وهكذا بدأت- أمامنا- ألمانيا وهكذا بدأت- أمامنا- الصين.. إن هذا الطريق هو طريق الاعتماد على النفس، هو رفض الاستيراد الحضاري ورفض الاعتماد على المعادلات الدولية، وعلى التعلق المصيري بدولة أخرى لها ظروفها ومصالحها ومعادلاتها الخاصة بها، هو رفض شراء السلاح، واستئجار الخبراء، ولوك شعارات التبعية والمهانة.

نعم، أي سلاح يعطى للجماهير، وتضمن الجماهير وجوده دائمًا، لأنه منها، ولأنها هي صانعته.

وأي سلاح سيصنع محليًا سيكون البداية الرمزية- والعملية- لاستقلالنا الحقيقي، والبداية سيرنا في الطريق الحضاري الطويل، إننا يجب أن نصر على صناعة القمر الصناعي انطلاقًا من صنع قنبلة يدوية أو مدفع رشاش أو طائرة هليكوبتر.. إن أمريكا وروسيا لم تبدأ كل منهما مسيرتها بصنع مركبة فضائية أو صاروخ عابر القارات أو رؤوس نووية.. لقد بدأتا من النقطة التي سنبدأ منها.. مع وجود فروق كثيرة لصالحنا.

أجل هناك فروق كثيرة لصالحنا.. أهمها أننا سنختصر المسافة، وسنستفيد من كل إنجازاتهم، وسنحرص على امتصاص كل معارفهم، وعلى كسب من نستطيع من علمائهم وخبرائهم، وسنكون أسرع في التدرب على «صنع»- وليس مجرد «استعمال»- الأسلحة التي يمكننا صنعها.. لقد أنفقت مصر وسورية والعراق على التسليح في الفترة ما بين «١٩٤٨ – ١٩٧١» ما قيمته ٩٦٧٦ مليون دولار، ومع ذلك، فإن شبرًا واحدًا من الأرض المحتلة العربية- في هذه الفترة- لم يعد إلى العرب، بل إنهم- كما هو معلوم- قد فقدوا أجزاء كثيرة من أرضهم العربية، فإذا أضيف إلى هذا الرقم ما أنفقته البلدان العربية الأخرى على شراء الأسلحة خلال هذه الفترة.. وأيضًا ما أنفق على شراء الأسلحة من قبل كل البلدان العربية، بعد هذه الفترة.. إذا أخذنا هذا كله في الاعتبار ووضعنا الإمكانات العربية المتوفرة والمعطلة والمبعثرة في الاعتبار أيضًا.. لتأكد لدينا أننا نملك البداية القوية لعملية تصنيع السلاح محليًا.. ولتأكد لنا أننا أضعنا ربع قرن من عمر أمتنا في عملية تعطيل لطاقتها، وتجميد لإمكاناتها، ووضعها في موضع مذبذب سيئ.. وربطها ربطًا خادعًا بحسابات ومصالح الآخرين!

«إن تجربة التاريخ كله لا تثبت حالة واحدة استحال فيها على شعب متخلف، اكتساب التكنولوجيا والتفوق فيها».

وإذا كانت الثروة العقلية للشعب الياباني، والثروة البشرية للشعب الصيني، قد مكنت شعبين شرقيين من اجتياز مرحلة الحظر، ومن الدخول في مضمار السباق الحضاري.. فإننا نحن العرب- نملك هذين المقومين ونملك غيرهما من المقومات التي لا يتوافر كثير منها لدى بعض الشعوب التي حققت تقدمًا وتفوقًا ملحوظًا أن لدينا طاقات حية كثيرة، ومواد خام، ورؤوس أموال، وعقولًا مبعثرة في العالم كله.. ولدينا احتياطي بشري واقتصادي يتمنى أن يجدنا في المكان الذي يسمح باستغلاله وحمايته.. سواء في أفريقيا أو آسيا أو الأرضية الإسلامية الفسيحة.

إن هذا كله يجعلنا في المكان الذي يجعل نجاح تجربتنا الحضارية مضمونًا على نحو لم يكن متوفرًا لدى معظم التجارب الحضارية مضمونًا على نحو لم يكن متوفرًا لدى معظم التجارب الحضارية المعاصرة.. ويجعل السير في طريق الحضارة رهن إرادة أمتنا.. ورهن إشارة البدء.. بدء التكوين الذاتي والرفض المرحلي للارتباط بعجلة المعادلات الدولية.

 

وأخيرًا.

أنه لا ضير في أن تستفيد الأمة من تجاربها وانحرافاتها، بل لا ضير في أن تدفع الأمة بجيل من أبنائها ثمنًا للوصول إلى طريقها الطبيعي والمصيري.

وأمتنا قد دفعت الكثير.. ومن الحق القول: إن ما دفعته للوصول إلى هذا الطريق كثير.. ويكفي.

ولقد جاءت إسرائيل الغازية هنا.. استفزازًا للطاقة العربية، واستنفارًا لإرادة الحياة الكامنة في هذه الأمة. 

إن إسرائيل الغازية تحد حضاري لا بد له، في قوانين الحضارة من استجابة حضارية وإذا كنا قد سمعنا بعض اليهود في الحرب الأخيرة ينادون بضرورة الاعتماد الكلي على الطاقات اليهودية وحدها، وعدم البقاء في سجن «العطف الأمريكي».

إذا كنا قد سمعنا هذا- ووجدناها تسعى إلى ذلك فعلًاـ فإننا، نحن العرب والمسلمين الذين لا نستطيع الارتباط بأية قوة عالمية على نحو ارتباط إسرائيل بأمريكا- في أمس الحاجة إلى الاعتماد على النفس، وخلق صناعة عربية.. بدءًا من السلاح، ومرورًا بالسيارات والصواريخ والمركبات الفضائية.

لقد كانت كثير من التحديات والحروب على امتداد التاريخ البداية الصحيحة لشعوبها.. ونحن العرب باستطاعتنا أن نسابق الزمن، وأن ننافس اليهود في مضمار التقدم الحضاري وأن نعد أنفسنا للقاء حاسم مع أعداء البشرية على امتداد التاريخ، لتخليص البشرية من اليهود، كما أنقذناها قبل ذلك من البرابرة التتار.. إن هذا هو الطريق الجديد الحتمي.. إذا كان مقدرًا في علم الله أن نستمر، وأن نؤدي نحو الإنسانية دورًا ما.. وإلا.. فالطريق القديم معروف.. وثماره كذلك معروفة!

والمؤمن لا يلدغ من جحر أكثر من قرنين.

الرابط المختصر :