; إلى الذين رَوّعوا الآمنين في البلد الأمين | مجلة المجتمع

العنوان إلى الذين رَوّعوا الآمنين في البلد الأمين

الكاتب محمد المجذوب

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 831

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 25-أغسطس-1987

•من شأن تصرف الإيرانيين في الحرم أن يشجع كل ذي غرض سياسي على محاكاتهم.

•لا نستطيع أن نتصور مدى الكارثة التي كان متوقعًا أن تلم بالحرم المطهر وبوفوده المشغولين بذكر ربهم.

•ماذا لو أقدم كل ذي هوى لزعيم على رفع صورته في الحرم المكرم؟؟

إن بارئ هذا الكون تبارك اسمه الذي من أسمائه الحسنى «الرحمن الرحيم» قد أذن بإقامة البيت العتيق رحمة بعباده، إذا جعله مثابةً للناس وأمنًا، يترددون عليه من سائر أرجاء الأرض؛ ليستروحوا نفحات الأمن كلما ضاقت بهم الحياة. 

وقد استمرت صلة الناس به منذ أذن خليل الله إبراهيم عليه صلوات الله وسلامه بدعوتهم إليه استجابة لأمر ربهم، وقد بلغ من حرمته في نفوس الجاهليين أن أحدهم كان يلقى قاتل ولده في كنف البيت أو البقعة المحرمة حوله، فلا يمسه بسوء، بل قد يتلقاه حيث كان بمثل هذه الرعاية، لمجرد أن يلمح حول عنقه قلادة من لحاء شجر الحرم، وهكذا كانت مكة المكرمة وحرمها ملاذًا لكل مروع، يأوي إليه كلما دهمته شدة.. حتى كان ما كان من أمر «أبرهة» الذي أراد بها كيدًا، فسلط الله عليه أضعف خلقه من الطير، نصب على زحوفه ما شاء الله من الحجارة، فإذا هم كالعصف المأكول!

وجاء الإسلام بنوره ورحمته، فلم يزد ذلك الملاذ الروحي إلا تكريمًا وتعظيمًا، حتى جعل من حقه على كل وافد عليه للنسك أن يطهر نفسه من الرفث والفسوق والجدال، كي يتوافر له الزاد الذي يحفظ عليه إنسانيته..

وما انفك هذا مكان البيت من نفوس المسلمين على مر القرون، لم يتجرأ شقي عليه إلا ما كان من مبير ثقيف، الذي رمى بعض جوانب البيت بالمنجنيق، زعمًا منه بأنه يريد أن يرده إلى ما كان عليه من قبل، ثم ما أقدم عليه اللعين أبو طاهر القرمطي يوم ساقه الشيطان وجنوده المضللين إلى اقتحامه على الطائفين والركع السجود، ففاض المسجد بدمائهم، وامتلأ زمزم بجثثهم، ثم تلا ذلك اندفاع الأحمق الآخر من أشياع العبيديين فيما بعد على الحجر الأسعد، يهوي عليه بدبوسه الحديدي، على حين غفلة من المؤمنين، فلا يتمكنون من القضاء عليه إلا بعد أن أصابه ببعض الأذى الذي لا يزال شاهدًا على وحشية أعداء الله .

واليوم ماذا في بيت الله الحرام؟!...

عشرات الآلاف يقدمون من إيران لحج البيت، فبدلًا من أن يعتبروها فرصة العمر، فيملئوها بالعبادة الخالصة لله صلاةً وضراعةً وتلاوةً، حتى يعودوا كما ولدتهم أمهاتهم، جعلوا منها فرصةً للدعاية السياسية، يتحدون بها خصومهم، وهم يعلمون حق العلم أن لخصومهم وجودًا في الموسم، ولهم مثلهم أيد تحسن البطش والسن، تملك القدرة على الصراخ والتحدي.. وقد مارسوا التجربة في مواسم سابقة، فكان الصدام وكانت الضحايا.. ولولا يقظة المسؤولين في المملكة، وحيلولتهم بين الفريقين لجرت جداول الدماء، ولاستحالة الحرمان والعياذ بالله ميدانًا آخر لحرب أحرقت ولا تزال تحرق الأخضر واليابس.

لقد أثبتت الأحداث المتتالية أن الإيرانيين - أصلحنا الله وإياهم - لم يقدموا بحشودهم الكثيفة رغبةً في العبادة الخالصة، ونشدانًا للمغفرة التي هي غاية كل حاج، بل جاءوا لتحدي خصومهم في البقعة التي جعلها الله مثابة السلام والتعارف بين شعوب الإسلام الوافدين من أرجاء العالم، تلبيةً لدعوة إبراهيم وتزودًا من التقوى والتماسًا للأمن الذي لم يبق له من وجود خارج نطاق هذه الأرض المباركة. 

فليت شعري أين كانت عقول هؤلاء الأخوة، بل عقول قادتهم عندما قرروا الإقدام على هذا الحدث الرهيب، الذي ذهب بالمئات من المسلمين دون مردود، سوى مضاعفة المحنة التي يعانيها العالم الإسلامي في كل مكان من وطنه الكبير! 

هذه المئات من ألوف الحجيج الوافدين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي والبشري لكل فريق منهم قضيته وخصوم قضيته، فلو أن كلًّا منهم استسلم لأهوائه وراح يتحدى الفريق الآخر، كما يصنع هؤلاء الأخوة في المدينة المنورة ومكة المكرمة -أيبقى للحج شيء من معناه الإلهي؟ ... أو يبقى من أثر لقوله تعالى في بيته العتيق: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (آل عمران: 97) ثم دعونا نسأل هؤلاء المتحدين بتظاهراتهم السياسية جماهير الحجيج، ما شأن الحج بصور الرجال تشحنون بها فضاء الحرمين المباركين اللذين يقصد إليهما عباد الرحمن لتجديد حياتهم الروحية، وتطهير سلوكهم الإسلامي من لوثات البدع التي لا تبرح وسيلة الشيطان المفضلة لإفساد عقيدة التوحيد!

ماذا لو قدم كل ذي هوى لزعيم على رفع صورته في ساحات الحرم المكرم.. فهل يعني ذلك إلا شيئًا واحدًا هو التحدي لدين التوحيد الذي حرر به الله المؤمن من كل عبودية لغير الله!!

لقد سلم المسلمون هذه المهازل تمثلها مواكب الهتافين في مسيراتهم الموظفة لتمجيد المتسلطين في مختلف ديار الإسلام.. فما بالكم تلاحقون بها المسلمين حتى مقام إبراهيم، وأنتم تقرأون في كتاب الله وصيته لإبراهيم وإسماعيل: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: 125).. فمن أفتاكم بأن تقديس الرجال برفع صورهم في هذه الرحاب الطاهرة؛ مما يتفق مع هذه الوصية الإلهية في تكريم الحرمين؟!

لا جرم أن تصرف هؤلاء -على هذا النحو- من شأنه أن يشجع كل ذي غرض سياسي على محاكاتهم؛ حتى يأتي يوم تتوقف فيه زحوف المسلمين عن بيت ربهم إيثارًا للسلامة من مثل تلك الفوضى، وهو المصير الذي سيحتمل وزره كل من شارك في أحداثها ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾ (البقرة: 114)

ونحن لا نستطيع أن نتصور مدى الكارثة التي كان متوقعًا أن تلم بالحرم المطهر وبوفوده المشغولين بذكر ربهم، لو أن حماة الأمن في المملكة قد تخلوا عن مسؤوليتهم، فتركوا لجموع المصلين أن يشقوا طريقهم عنوة في تجمعات المتظاهرين الذين سدوا عليهم المنافذ، فلم يدعوا لهم سبيلًا للخلاص إلى منازلهم، إلا أن يدفعوا الثمن من دمائهم وأشلائهم.. فجزى الله رجال الأمن ما يستحقون من جزيل الأجر على جهودهم، التي وقفت النكبة عند حدود المئات من الضحايا، بعد أن كادت نیران الفتنة تلتهم الآلاف من المسلمين، وتذهب بما لا يحصى من معالم الحياة في البلد الأمين.

ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون

الرابط المختصر :