العنوان إلى الحاقدين أصحاب المنطلق الحزبي الضيق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998
مشاهدات 56
نشر في العدد 1289
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 24-فبراير-1998
فوجئ المواطنون في الكويت ببيان نشرته بعض الصحف قبل أيام مذيل بتوقيع بعض جمعيات النفع العام، وكم كان المواطنون يتمنون لو أن البيان الذي صدر يدعو الناس إلى الصبر والثبات، ويشحذ الهمم لمواجهة التحديات التي تمر بها الكويت والمنطقة، وما يمكن أن يحدث نتيجة ممارسات النظام العراقي الغاشم.
كان المواطنون يتوقعون أن يكون البيان إعلانًا لمناصرة الموقف الرسمي، ودعوة للناس للتكاتف والتعاضد والوقوف صفًا واحدًا أمام التحدي الخارجي الذي يتهدد الكويت.
كان المواطنون يتوقعون أن يكون البيان دعوة للناس للالتجاء إلى الله، واستمداد العون منه في مواجهة الأزمات، ولكن -للأسف- طالعنا في البيان كلامًا آخر لا نبالغ إذا قلنا إنه كان محل تندر وسخرية الناس.
فالبيان يحذر الأمة من أن ما يسميها جماعات الإسلام السياسي تقود حملة شرسة تستهدف تقويض المنجزات الثقافية والإعلامية والسياسية التي حققتها دولة الكويت، وأنها تتخذ من موضوع إجازة بعض الكتب قميص عثمان للانقضاض على كل ما لا يتفق مع نهجها الحزبي الضيق.
ویرى بيانهم أن لجوء بعض نواب مجلس الأمة لاستخدام حقهم الدستوري في استجواب وزير الإعلام يعني أن «نبرة التصعيد تتزايد وتتشعب بشكل مدروس ومنظم، الأمر الذي ينذر بخطر جسيم يتمثل في استشراء النهج المنغلق البغيض، ومحاولًا إلغاء الدور التنويري والحضاري الرائد لدولة الكويت».
ويحذر البيان من جر المجتمع والدولة إلى التخلف الذي دمر شعوبًا نعرفها جميعًا، ويدعو إلى أن تجنب الوطن العزيز المآسي التي انحدرت إليها مجتمعات شقيقة.
وهكذا يمضي البيان حافلًا بألفاظ السب والشتائم والحقد والاتهامات التي يترفع الرجال الشرفاء عن الخوض فيها، فلا غرو إذن ألا يجد كاتبو البيان مانعًا في نشر الكتب الممنوعة وما ورد فيها من ألفاظ خارجة على الدين والقيم، تمس الذات الإلهية والأنبياء والمرسلين والصحابة، وتدعو إلى الزندقة والإلحاد والمجون والفسق، وهكذا تتمثل الحرية عندهم منفلتة من كل قيد أو ضابط، وهذا هو التنوير الذي يعنونه في بيانهم، فهم لا يتورعون عن اتهام الناس بالباطل، ولا تتمعر وجوههم غضبًا إذا انتهكت حرمات الله، والأدهى والأمر أن يعيبوا على الشرفاء إذا قاموا ليدافعوا عن ذات الله وحرماته ورسوله ودينه، إننا نستغرب وجميع المواطنين في الكويت كيف تتجرأ تلك الفئة لتقف موقفًا مؤيدًا لبيع تلك الكتب، كتب الزنادقة والملاحدة والمرتدين، ونشرها في مجتمع إسلامي كالكويت.
لقد سقط الموقعون على البيان في التناقض نفسه الذي سقط فيه آخرون ممن يزعمون ليل نهار تمسكهم بالديمقراطية؛ ذلك أنهم مارسوا الإرهاب الفكري، ووقفوا في وجه حرية الممارسة الديمقراطية داخل مجلس الأمة بزعم أنهم يحمون المجتمع من إرهاب مضاد مزعوم لم يقع، ويزعم حرصهم على حرية الفكر والرأي، هل تعني حرية الفكر الحض على الكفر بالله، وهدم الأخلاق والقيم، أهي الحرية الجاهلية المنفلتة بلا حدود، ألا يعرف هؤلاء معنى الحرية المنضبطة الواعية الرشيدة، الهادية إلى الخير، المبعدة عن الشر؟
لقد آن الأوان لحسم قضية الحرية وحدودها حتى يرتدع المتعدون على الثوابت الدينية، والأصول الدستورية، والمروجون للانفلات الفكري، والفوضى الخلقية.
ويزعم البيان أن المدافعين عن حرمات الله إنما ينطلقون من منهج حزبي ضيق، ويا للعجب هل المسلمون المتمسكون بدينهم المحبون لإشاعة الخير والداعون إلى صراط مستقيم ينطلقون من منطلق حزبي ضيق كما يزعم بيانهم؟ هل المسلمون في الكويت أتباع الديانة السماوية السامية العاملون للخير- ينطلقون من منطلق حزبي ضيق، بل هم الذين ينطلقون من منطلق حزبي ضيق؟ وصدق قول الله -تعالى- فيهم إذ يقول: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (البقرة: 16) إن الإسلام دين كافة أبناء الشعب الكويتي الذي غضب لتلك الفعلة الشنيعة المتمثلة في السماح بعرض وبيع الكتب الممنوعة.
ويتباكى البيان على الدور التنويري والحضاري الرائد للكويت ونحن نتساءل: ألا يتحقق هذا الدور التنويري الحضاري إلا بالسماح بمس الذات الإلهية، وسب الأنبياء والمرسلين والصحابة الكرام، والدعوة إلى الرذيلة فيما نشر، أهذا مفهومهم للتنوير والحضارة؟
إنهم يحذرون الكويت -بالتلميح- من التخلف الذي دمر شعوبًا، ومن مآس انحدرت إليها مجتمعات شقيقة، ونحن نتساءل أيضًا: أي شعوب يعنون، وما التخلف، هل التخلف هو الدعوة إلى الله والرجعة الصادقة إليه؟ أم التخلف ما فعلت الأنظمة العلمانية واليسارية التي حكمت كثيرًا من بلداننا العربية والإسلامية، فأي حرية تحققت على يديها وأي تقدم أنجز؟، وأين هي الممارسة الديمقراطية التي أرست قواعدها؟ وهل الإسلاميون هم الذين ألغوا الانتخابات الحرة، وحكموا بالديكتاتورية، وزوروا إرادة الشعوب، وتلاعبوا بصناديق الاقتراع، وزجوا بالشرفاء في السجون والمعتقلات، وقادوا البراء إلى أعواد المشانق؟ أم أن ذلك كله من تبعات الحكم العلماني واليساري البغيض، والأفكار والتوجهات الغريبة المستقاة من خارج بيئتنا الإسلامية؟ إن كثيرًا من أعضاء هذه الجمعيات التي ذكر أنها وقعت على البيان ساخطون مما حدث، فهم لم يستشاروا في الموضوع، ولم تدع الجمعيات العمومية لتلك الجمعيات للانعقاد لمناقشة الأمر، ولم تؤخذ موافقة الأعضاء على تلك التوجهات الشاذة، وهناك عناصر خيرة كثيرة داخل تلك الجمعيات ترفض مثل هذه التوجهات، كما ترفض تزوير إرادتها، وعلى هؤلاء تقع تبعة إلزام كاتبي هذا البيان باتباع الطريق السوي والبعد عن التزوير.
كما نلاحظ أن بعض الجمعيات المذكورة ما هي إلا أسماء فقط بدون محتوى وبدون قاعدة جماهيرية.
إننا ننصح أولئك بعدم التلاعب بالألفاظ والارتفاع إلى مستوى المسؤولية، لا سيما في مثل تلك الظروف الحرجة، وليعلموا أن من الواجبات الأساسية للمجتمع المسلم الحفاظ على دينه والدفاع عنه وتثبيت القيم والأخلاق في النفوس والسلوكيات والممارسات العامة والخاصة، وإلا فمصيره الضياع والضلال، وانتشار الفوضى فيه، وانهيار الضوابط الحافظة له، وتهدم أركانه، وبالتالي ضعف المجتمع وتخلفه.
فهل هذا ما يريده أصحاب البيان، وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ (القصص: ٥٠).
وختامًا، اللهم اهدهم فإنهم لا يعلمون.