العنوان إلى الأخت الداعية.. شهر رمضان.. فرصتنا الدائمة للتغيير
الكاتب زينب الغزالي الجبيلي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1996
مشاهدات 79
نشر في العدد 1186
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 30-يناير-1996
وفي كل عام يتجدد اللقاء مع شهر رمضان المبارك ذلك الشهر الذي تنتظره الأمة الإسلامية في لهفة صادقة، وشوق كبير، واحتياج حقيقي، يروي القلوب الظامئة، ويرطب النفوس الحائرة، ويرزق المتعبين برد الاطمئنان والسكينة، إنه نعمة ربنا، ونفحة دهرنا وخير شهورنا هو شهر الإيمان والقرآن. شهر التوبة والغفران. شهر الخير والبر والإحسان. شهر الصوم والصبر. شهر المساجد العامرة، والقلوب الصافية والأعين الدامعة، والألسن الذاكرة، شهر البركات والصدقات. شهر العطاء الرباني لأهل الإيمان والفرصة السانحة للعصاة والمنحرفين أن يعودوا إلى الاستقامة والرشاد، وهو كذلك شهر العمل والبذل، وشهر الجهاد والنصر، وشهر الفتح والمجاهدة، وشهر الحب والتواصل والتسامح. فكيف لا نشتاق إليه ونفرح به، وننتظره على شوق؟
وهكذا يظل هذا الشهر الفضيل رمزًا للعطاء المتجدد، والنبع المتدفق منذ أن نزل فيه القرآن على قلب خير البشر رسولنا الكريم r، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تتجدد فيه المعاني، وتمسح فيه الأمة أدران ذنوبها ومعاصيها، وتندمل فيه جراحها وآلامها. إنه شهر التغيير النفسي والروحي والسلوكي إلى الأفضل، والرسول r يقول في حديثه الشريف «لو علمت أمتي ما في رمضان لتمنت أن يكون العام كله رمضان»، وقد سماه عليه الصلاة والسلام شهر عظيم مبارك».
وعندما أتأمل في أسرار هذا الشهر المبارك، ومنابع الخير فيه، أتوقف عند دوره في التغيير تغيير الأفراد والجماعات تغيير الشعوب والحكومات تغيير الأفكار والسياسات، والتغيير الحقيقي في أمتنا لا يمكن أن يبدأ بعيداً عن الجانب الإيماني، وحسن الصلة بالله، وإصلاح النفس والقلب والضمير، عن طريق الاقتراب من الله أكثر، والتفاعل مع العبادة، والشعور الحقيقي بالأنس والطمأنينة في رحلة الإيمان، وهذا يتحقق في شهر رمضان. أيضًا؛ فإن التغيير الحقيقي يحتاج إلى تدرج وتدريب ومجاهدة للنفس، وفي الصوم لمدة شهر كامل تدرج وتدريب ومجاهدة وانتصار يصحبه عطاء من صاحب العطاء كله.
إن الله عز وجل قد ربط عطاءه بالتغيير لصالح البشر بمدى استعدادهم النفسي والوجداني والفكري للتغيير، فإذا كان لديهم الاستعداد والتهيؤ أكرمهم الله عز وجل بعطائه ومنته ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11)، ونحن أمة في حاجة إلى التغيير الإيجابي العميق نحن في حاجة إلى أن نصحح أوضاعنا مع الله، ومع رسوله ومع الإسلام، حتى يغير الله واقعنا الأليم إلى واقع أفضل وإلى حياة أوفر كرامة وعزة وسيادة.
نحن في حاجة إلى الإرادة القوية والعزيمة الفتية التي تعيد بناء الأمة على أسس قوية ومتماسكة تعيدها إلى ربانيتها وقربها من الله. نحن في حاجة إلى الصدق في القول والعمل والإخلاص في البذل والعطاء والأمانة في التعامل مع مقدرات الأمة ومستقبل شعوبها. نحن في حاجة إلى تربية الشخصية الجديدة على مبادئ الإيمان الصحيح، التي تقيم العدل في الأرض، وتحارب الظلم، وتقود البشرية المعذبة إلى طريق السعادة والأمان، نحن في حاجة إلى الشخصية صاحبة المبادئ التي تكافح وتبذل وتضحي من أجل عقيدتها وأمتها، نحن في حاجة إلى نشر الخير في ربوع الدنيا، فليس هناك أقدر منا على القيام بهذه المهمة الضخمة، بعدما أفلست البشرية وبات الصراع هو معلمها الرئيسي.
وشهر رمضان المبارك هو فرصتنا الدائمة لإحداث التغيير في النفوس، وفي السلوك، وهو أملنا في تصحيح الصورة، وتغيير الواقع إلى الأفضل، والأخت المسلمة الواعية عليها دور كبير في الاستفادة من دروس مدرسة رمضان في تربية أفراد أسرتها ومجتمعها على التغيير، حتى لا يكون صومنا مجرد شعور بالجوع والعطش، دون أن يصاحبه استعداد حقيقي للتغيير.
فهل تعي الأخت المسلمة دورها ورسالتها، أم تطوي الصفحات وتتأثر قليلا، ثم سرعان ما تنسى، وتواصل حياتها كما اعتادت؟!. إنني أرجو أن نبدأ بتغيير أنفسنا بصدق وعزيمة، وإعذار إلى الله، ويومها سوف تتحقق فينا معاني الخيرية التي وصفنا بها القرآن ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ﴾ (آل عمران: 110)، فهيا يا بناتي وحبيباتي والله يرعاكن.