; «ليشهدوا منافع لهم» وفي الحج فوائد روحية أخلاقية.. اجتماعية واقتصادية | مجلة المجتمع

العنوان «ليشهدوا منافع لهم» وفي الحج فوائد روحية أخلاقية.. اجتماعية واقتصادية

الكاتب اراس محمد صالح

تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003

مشاهدات 80

نشر في العدد 1537

نشر في الصفحة 56

السبت 01-فبراير-2003

الحج ركن من أركان الإسلام، هدفه تزكية النفس وتهذيب الوجدان وتدعيم أواصر المسلمين وإظهار العبودية الكاملة لله بمختلف الأعمال والشعائر.

والحج عبادة جامعة، فيه إنفاق المال، وجهاد الجسد، وذكر الله، والتضحية في سبيله، فالحج عبادة تشمله روح كل العبادات الأخرى بصورة أو أخرى (1)

قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 197) جاء في تفسير أبي السعود: ﴿الْحَجُّ﴾ (البقرة:197)، أي وقته: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (البقرة:197)، معروفات بين الناس هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾ (البقرة: 197). أي أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن أو بالتلبية، أو بسوق الهدى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (البقرة: 197)، أي لا جماع أو فلا فحش من الكلام، ولا خروج من حدود الشرع بارتكاب المحظورات، وقيل بالسباب والتنابذ بالألقاب: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ (البقرة: 197)، أي مراء مع الخدم والرفقة: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197)، أي في أيامه.

وقال الرازي: «الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص، وهو قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197)، هي أنه قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه قوى أربعة: قوة شهوانية بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية، والمقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاثة، أعني الشهوانية، والغضبية، والوهمية، فقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ (البقرة:197)، إشارة إلى قهر القوة الشهوانية، وقوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ (البقرة:197)، إشارة إلى القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب، وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ (البقرة:197)، إشارة إلى قهر القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على جدال في ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، وهي باعثة للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم، والمخاصمة في كل شيء، فلما كان منشأ الشر محصورًا في هذه الأمور الثلاثة، لا جرم، قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197)، أي فمن قصد معرفة الله ومحبته والاطلاع على نور جلاله والانخراط في سلك الخواص من عباده، فلا يكون في هذه الأمور، وهذه أسرار نفيسة هي المقصد الأقصى من هذه الآيات، فلا ينبغي أن يكون العاقل غافلًا عنها، ومن الله التوفيق في كل الأمور» (۳).

الحج.. تجرد وتزود

وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة:197)، أي لا يفعل الحاج شيئًا من هذه الأفعال لأنه مقبل على الله قاصد لرضاه، فينبغي أن يتجرد من عاداته وعن التمتع بنعيم الدنيا، وينسلخ عن مفاخره ومميزاته عن غيره بحيث يتساوى الغني والفقير، والصعلوك والأمير، وفي هذا تهذيب للنفس وشعار لها بالعبودية لله تعالى، وقد جاء في حديث الرسول ﷺ عن أبي هريرة أنه قال: «من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (٤)، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (البقرة: 197). وقال الشيخ مصطفى المراغي: أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، لتصفو نفوسكم وتتخلى من الرذائل، وتتحلى بالفضائل، وتكون أكثر استعدادًا لعمل الخير، وأطوع لامتثال أوامر الشرع (٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل:91) «فيجازيكم بأعمالكم ويثيبكم على أفعالكم» (٥).

 ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: 197)، أي اتخذوا التقوى زادكم لمعادكم، فإنها خير الزاد ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 197)، أي وأخلصوا لي يا أهل العقول والأفهام، بأداء ما أوجبته عليكم من الفرائض، واجتناب ما حرمته عليكم.

«ثم يدعوهم إلى التزود في رحلة الحج... زاد الجسد وزاد الروح ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: 197)، والتقوى زاد القلوب والأرواح، منه تقتات وبه تقوى وترف وتشرق، وعليه تستند في الوصول والنجاة زاد أولي الألباب» (1).

مساواة

كانت قريش في الجاهلية تسمى نفسها «الحمس» بمعنى أحمس، ويتخذون لأنفسهم امتيازات تفرقهم عن سائر العرب، ومن هذه الامتيازات أنهم لا يقفون مع سائر الناس في عرفات، ولا يفيضون -أي يرجعون- من حيث يفيض الناس.

فجاءهم هذا الأمر ليدلهم إلى المساواة التي أرادها الإسلام وإلى الاندماج الذي يلغي هذه الفوارق المصطنعة بين الناس ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: 199)، عن عائشة قالت: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وسائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (البقرة: 199) (۷). «قفوا معهم حيث وقفوا، وانصرفوا معهم حيث انصرفوا، إن الإسلام لا يعرف نسبًا، ولا يعرف طبقة. إن الناس كلهم أمة واحدة سواسية كأسنان المشط لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولقد كلفهم الإسلام أن يتجردوا في الحج من كل ما يميزهم من الثياب ليلتقوا في بيت الله إخوانًا متساوين، فلا يتجردون من الثياب ليتحايلوا بالإنسان. ودعوا عنكم عصبية الجاهلية، وادخلوا في صبغة الإسلام، واستغفروا الله، استغفروه من تلك النعرة الجاهلية، استغفروه من كل ما مس الحج من مخالفات ولو يسيرة هجست في النفس، أو نطق بها اللسان مما نهى عنه من الرفث والفسوق والجدال، وهكذا يقيم الإسلام سلوك المسلمين في الحج، على أساس من التصور الذي هدى البشرية إليه، أساس المساواة، وأساس الأمة الواحدة التي لا تفرقها طبقة ولا يفرقها جنس ولا تفرقها لغة، ولا تفرقها سمة من سمات الأرض جميعًا. هكذا يردهم إلى استغفار الله من كل ما يخالف عن هذا التصور النظيف الرفيع، فشعائر الحج تؤثر في مشاعر الحاج وسلوكه أيما تأثير، فترق نفسه وتسمو أحاسيسه، وتعمل دواعي الإيمان في قلبه وتسوقه نحو الفضائل، وينشط سائق الهدى في أعماقه فيبعده عن الرذائل ويكون موصول السبب برقابة الله عليه في غالب أحواله» (۸).

وحدة المشاعر

ثم إن هذا التعارف في الأماكن المقدسة يدعو إلى الألفة والتحابب، وانجذاب القلوب بعضها إلى بعض، وشعور المسلم بلزوم التكاتف مع أخيه المسلم، وهذا الشعور يكون بمثابة صلة معنوية تربط قلوب جميع المسلمين أينما كانوا على وجه هذه البسيطة، لذلك نرى أن أحد المنصرين يكتب عن مدى تأثير التنصير في البلاد الإسلامية -لا سيما في مصر- ويقول: «سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التبشير المسيحي، مادام للإسلام هذه الدعائم الأربع: القرآن، والأزهر، واجتماع الجمعة الأسبوعي، ومؤتمر الحج السنوي» (9).

وهكذا، فإن سائر أفعال الحج وأقواله تعتبر تربية روحية عملية، وتعريفًا للإنسان بقدر نفسه، وحقيقة مركزه في الحياة، والغاية التي من أجلها خُلق، وبالتالي تموت فيه دوافع الغرور والكبرياء. وأخيرًا.. إن في الحج تعويدًا للمسلم على امتثال أمر الله تعالى، سواء عقل معناه أم لا .

 

«ومن حكمة الحج أن يصير للمسلمين فرصة طيبة معلومة المكان والزمان للاجتماع والتشاور فيما بينهم وفيما يهمهم، والوصول إلى الصواب فيما يتشاورون فيه ومن أجله، لأنهم يفعلون ذلك وهم في عبادة وفي مكان طاهر، نفوسهم متفتحة بمعاني الإيمان، وقد غسلت من أدرانها بأفعال الحج والعمرة» (١٠).

 وفوائد اقتصادية

والحج له فوائد اقتصادية وتجارية، وهو أن مكة المكرمة والمدينة المنورة من الأماكن التي يقصدها الحجاج أو يمرون بها، فتصبح أسواقًا في موسم الحج، وأماكن للبيع والشراء بين الحجاج، وبين سكان هذه البلدان، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج:28). قال ابن عاشور: «ليحضروا منافع لهم، أي يحصلوا منافع لهم، أو يحصل كل واحد ما فيه منفعة، وأهم المنافع ما وعدهم الله على لسان إبراهيم عليه السلام من الثواب، فكنى بشهود المنافع عن نيلها، ولا يعرف ما وعدهم الله على ذلك بالتعيين، وأعظم ذلك اجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد ليتلقى بعضهم عن بعض ما به كمال إيمانه، وتنكير«منافع» للتعظيم المراد منه الكثرة وهي المصالح الدينية والدنيوية، لأن في مجمع الحج فوائد جمة للناس»(۱۱).

 

وجاء في التيسير: قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: 28) وردت كلمة ﴿مَنَافِعَ﴾ (الحج: 28) نكرة بدون تعريف، إشارة إلى مختلف المنافع الدينية والدنيوية المختصة بهذه العبادة، مما لا يوجد نظيره في بقية العبادات (۱۲).

وقال ابن العربي القاضي المالكي الإمام الحافظ في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم﴾ (البقرة: 198)، قال علماؤنا: في هذا دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركًا، ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه» (١٤).

وكذلك فإن في الحج السير في الأرض ورؤية عظمة الله في خلقه وملكوته، وفيه التعارف والتعاون مع الناس، والاطلاع على أوضاعهم الاجتماعية، وتبادل الثقافات وغيرها من المنافع.

الهوامش

(1) وحيد الدين خان حقيقة الحج، تعريب ظفر الإسلام خان، الطبعة الأولى، دار الصحوة للنشر، القاهرة ص ١٥ 

(2) تفسير أبي السعود الطبعة الأولى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان م۱، ص ۲۰۷.

(3) الرازي، التفسير الكبير، مجلد 3، ص ١٤٢ 

(4) البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، رقم (١٥٢١)

(5) أحمد مصطفى المراغي، تفسير المراغي، الطبعة الثالثة، المجلد الأول، ص 100، 101

(6) سيد قطب، في ظلال القرآن، المجلد الأول، ص ۱۹۷ 

(7) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس رقم (٤٥٢٠).

(8) سيد قطب، في ظلال القرآن، المجلد الأول، ص ۲۰۰ 

(9) الدكتور يوسف القرضاوي، العبادة في الإسلام ص ٢٩٤.

(10) الدكتور عبد الكريم زيدان، المفصل في أحكام المرأة والبيت السلم في الشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، المجلد الثالث، ص ١٥٢، ١٥٣.

(11) ابن عاشور تفسير التحرير والتنوير، مجلد، ج ١٦ ص ٢٤٥، ٢٤٦.

(12) الشيخ محمد المكي الناصري، التيسير في أحاديث التفسير، المجلد الرابع، ص ۱۷۳

(13) وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في الموسم. فنزلت: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم»، أخرجه البخاري، كتاب التفسير ۱۷۷۰

(14) ابن العربي أحكام القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الفكر العربي، المجلد الأول، ص ١٣٦.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 33

105

الثلاثاء 27-أكتوبر-1970

أسامة بن زيد  الحب بن الحب

نشر في العدد 35

147

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

أفكار مستوردة - الديمقراطية